1-التوقيف على مهمات التعاريف (الخلق)

الخلق: بالضم، هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بيسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإذا كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلا وشرعا بسهولة سميت الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت الهيئة خلقا سيئا، وإنما قلنا إنه هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال نادرا لحالة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه. وكذا من تكلف السكوت عند الغضب بجهد أو دربة لا يقال خلقه الحلم.

وليس الخلق عبارة عن الفعل فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل إما لفقد مال أو لمانع وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل لباعث كحياء أو رياء، ذكره الراغب.

التوقيف على مهمات التعاريف-زين الدين محمد المدعو بعبدالرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري-توفي: 1031هـ/1622م


2-المعجم الاشتقاقي المؤصل (حتت حتحت)

(حتت- حتحت): {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا...} [الزمر: 73]

"جاء بتَمْرٍ حَتٍّ -بالفتح: لا يلتزق بعضُه ببعض. والحَتُوت من النخل: التي يَتَناثَرُ بُسْرها. وأَحَثَّ الأَرْطَى (وهو من شَجَر الرَمْل يُدْبَغُ بوَرَقه): يَبِس.

(page)

والحَتَت- محركة: داءٌ يصيبُ الشجرَ تحات أوراقُها منه. والحُتات -كصُداع: أن يأخذ البعيرَ هَلْسٌ (: سُلال شديد من الهُزَال) فيَتَغَيرَ لحمُه وطَرْقه ولونُه وَيتَمَعَّطَ شَعَرُه. وانحتّ شَعَره عن رأسه، وانحَصَّ: تَسَاقط. وحَتُّ الجَرَاد بالفتح: مَيْتُه. حَتَّ الدَّمَ اليابِسَ والمَنِىَّ ونحوَه عن الثَوْب: فَرَكَه وقَشَرَه فَرَكه شَيئًا بعد شيء وحَكّه."

° المعنى المحوري

تفتت ما هو كالطبقة الرقيقة الجافة أو تسيبه شيئًا بعد شيء دقاقا متفرقة بحكّ أو ضغط (1): كحكّ الدم اليابس والمنى، وكتسيب ذلك التمر الذي شأنه أن يتماسك ولكنه ليس كذلك في حاله هذه، وكانحتات ورق الشجر إذا جف -لهبوب الريح مثلًا. والأرْطي ينحت هَديْه في القيظ [ينظر النبات لأبي حنيفة 5/ 25]. فالصيغة هنا لدخول زمن انحتاته. وكتمعط الشعر. والاستعمالات التي ليس فيها حكّ حقيقي استعملت ألفاظ التركيب فيها لجزء المعنى.

ومن ذلك أُخِذ "الحَتّ: العَجَلةُ في كل شيء (تسيب) وحته دراهم: عجّل له النقد (سيَّبَها له بيسر). وفرس حَتٌّ: جَوَاد سريع كثير العدْو (تسيب، كما أن

الجري بذل لمذخور القوة) وكذا بعير وظليم حَتٌّ وحَتْحَتٌ "-بفتح الحاءات.

ومن هذا التركيب (على رأي ابن سيده والجوهري) حَتّى وهي بمعنى الغاية والانتهاء (وهو انقطاع للمُغَيّا وفراغٌ منه شيئًا بعد شيء -إلى بلوغ الغاية) {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ} [الكهف: 86]، {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} [ص: 32].

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


3-المعجم الاشتقاقي المؤصل (ودى)

(ودى): {فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى} [طه: 12]

الوادي: كُلُّ مَفْرَجٍ بَينَ الجبالِ والتِلالِ والأَكَم.. يكون مَسْلَكًا للسَيْل ومَنْفَذًا. والوَدِىّ -كغَنِيّ: فَسِيلُ النَخْل وصِغَارُه، والسائلُ اللَزِجُ الذي يخرج من الذَكَر بعد البَول، وهو الوَدْىُ -بالفتح -أيضًا. وَدَىَ الحمار والفرس: أدلى ليبوك.

° المعنى المحوري

حَيّزٌ يمتدّ دقيقًا منصوّبًا يسيل فيه مائع برفق. كالوادي فهو مسيل منحدِر هابط يسيل إليه ماء المطر فيحوزه ويجرى فيه ممتدًّا برفق وهوادة لأنه يتجمع من ماء المطر شيئًا بعد شيء. والوَدِيّ الذي يسيل من عضو الرجل بعد البول سائل يخرج بلا دَفْق، والوَدِيّ الذي هو فسيل النخل وصغاره ينبت أي يمتد من أصل النخلة قليلًا قليلًا وهو ممتد البقاء، وكلاهما كان مَحُوزًا في باطن مصدره. وقولهم وَدَي الحمارُ بمعنى أدْلَى هو من ذلك، والدِيَة (أصلها اللفظي. وِدْيَة) مالٌ كان محوزًا يخرجه القاتل إلى وَلى الدم بيُسْر، لأنه ينقذ به نفسه من القصاص، ولعل المقصود بالاسم هو حَوْزُ الولِيّ إياها. {وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92]. ومن أودية الماء قوله تعالى {أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} [الرعد: 17]، {إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}

[إبراهيم: 37]. وكل ما في القرآن من التركيب عدا (الدية) هو (الوادي) وجمعه أودية.

ومن ذلك الامتداد بإبعاد قولهم "أوْدَى بالشيء: ذهب به، وكذلك أوْدَى به المنون: أهلكه ". والتعبيران لا يعرضان لكيفية الذهاب والهلاك. وكأن المقصود بهما هو التعبير عن مجرد ذهاب الشيء والشخص من الحيز أخذًا من الامتداد في الأصل.

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


4-المعجم الاشتقاقي المؤصل (دور دير)

(دور- دير): {الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ} [فاطر: 35]

الدارَةُ: كلُّ جَوْبة تنفتح في الرَمْل وجمعها دُوْر. والدائرة: الحلقة. والدائرة والدارة: ما أحاط بالشيء كدارة القمر: هالته، وكل موضع يدار به شيء يحجُره فاسمه دارة. ودَوَّارة النَقَّاش والنَجَّار: (آلة) لها شعبتان ينضمان وينفرجان لتقدير الدارات (فرجار).

° المعنى المحوري

تحوِّى الشيء أو إحاطتُه حولَ شيء: كالدارة والدائرة. ومنه: "دارَ العمامةَ حولَ رأسه: لَفّها. ودار بالشيء وحولَه وعليه: طافَ حوله " [وسيط]: ومنه. "الدَارُ: المَحَلّ يجمع البناء والساحة، والمنزلُ المسكون (يحيط بساكنيه). وكل موضع حل به قوم فهو دارُهم (كلُّ موضع حلولٍ له حَرَم يحيط به وإن لم يكن جِدارًا): {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ} [القصص: 81]، {فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ} [الإسراء: 5]. وكل ما جاء في القرآن بلفظ (دار) أو (ديار) مضافًا فهو من دُور هذه الدنيا. {بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ} [ص 46]: الحمد الباقي في هذه

الدار الدنيا [بحر 7/ 386] وفيها (دار السلام)، (دار المقامة) و (دار البوار). وما عداه فجمهوره الأعظم بمعنى الدار الآخرة وذلك عدا {تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} [الحشر: 9] فهي المدينة المنورة، {سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ} [الأعراف: 145] ديار عاد وثمود، أو فرعون بعد هلاكه، أو منازل الكفار التي سكنوها قبلكم (وكل تلك من ديار الدنيا) وقيل جهنم [ينظر قر 7/ 282]. والدَيّار -كشدّاد وتنُّور ورُومىّ (ساكن الدار أو مَنْ شأنه كذلك) لا يستعمل إلا في النفي: ما بها ديّار أي أحد. {رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]. أي أحدا. {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ} [الأحزاب: 19]، قيل معناه فإذا قَوى الخوف من العدو، وتُوُقّع أن يُسْتأصلَ جميعُ أهل المدينة لاذ هؤلاء المنافقون بك ينظرون نظر الهلع المختلط، كنظر الذي يُغشَى عليه من (معالجة) سكرات الموت "، [المحرر الوجيز قطر 12/ 13] وهناك قَولٌ آخر أنهم يخافون سطوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بهم أي حين يكون المؤمنون في قوة وظهور. {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ} [البقرة: 282]، [ابن عطية، وقر] على أن المقصود حالة المبايعة نقدًا أي التقايض والبينونة بالمقبوض، وذلك في المبيعات الخفيفة لامثل العقارات، وتسمة ذلك إدارةً مأخوذةٌ من الدَوْر، فالثمن يخرج من يد المشتري ويعود إليه سلعة، والسلعة تخرج من يد البائع وتعود إليه نقدًا، ويقع ذلك بيسر وتكرار، فظهر فيه معنى الدور.

والدائرة الداهية (تحيط بمن نزلت بهم)، {وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ} [التوبة: 98].

وفي (دير) قال في ل عن التهذيب إن دَيْر النصارى أصله الواو أي من (دور).

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


5-المعجم الاشتقاقي المؤصل (سخر)

(سخر): {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ} [لقمان: 20]

سَخَرتْ السفينةُ - بفتح الخاء قاصر: أطاعَتْ وجَرَتْ وطاب لها السير. وسُفُن سَواخر: إذا أطاعت وطاب لها الريح. وكل ما ذَلّ وانقاد وتهيّأ لك على ما تري فقد سَخَر لك.

° المعنى المحوري

انقيادٌ بيسر مع عدم مقاومة. ويلزم ذلك الخفة. كما تجري السفينة وتتحرك بيسر، لقوتها وضعف مقاومة الماء، في الظرف الموصوف. ومن الانقياد مع عدم المقاومة، وهو خفة حال وقدر، قالوا: "سَخِر منه (تعب) (ومن مصادره: سُخْريًّا بالكسر والضم): هزئ " (وهذا يعبر عن الاستخفاف وعدم التقدير) {لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ} [الحجرات: 11]، {فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي} [المؤمنون: 110].

كما يلزم من عدم المقاومة الضعفُ ومنه جاءت "السُخْرَة - بالضم: ما تَسَخَّرْتَ من خادم أو دابة بلا أجر ولا ثمن (أي بالقهر والاستضعاف حيث لا مقاومة) سخَره - بفتح الخاء، وسخّره - ض، سِخْريًا - بالكسر والضم: كلّفه ما لا يريد وقَهَره/ كلّفه عملًا بلا أجرة {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} [الزخرف: 32] - أي عبيدًا وأجراء ". واحتياج الأجير إلى العمل ليكسِبَ قُوتَه هو ضعفُه الذي يَقْهَره. وليس في صلب المعنى قيد عدم الأجرة، وإنما هذا إحدى صور القهر والاستضعاف التي استحدثها الناس، فليس من شرع الله أبدًا أن يُسْتَعْمَل أحدٌ بلا أجر. وإنما يتمثل معنى اللفظ في انقياد العامل - بضغط احتياجه - ليعمل لك ما تريد، لكن بأجره).

هذا، وتسخير الله الأرضَ وما فيها والشمس والقمر للآدميين هو إجراؤها على ما يوافقهم وأن ينتفعوا بها مختلف وجوه الانتفاع مذلَّلة لهم فضلًا منه تعالى.

{وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} [النحل: 14]، {وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ} [إبراهيم: 32, 33] (وليس في القرآن من التركيب إلا ما هو من السُخرية أو التَسْخير).

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


6-المعجم الاشتقاقي المؤصل (سرط)

(سرط): {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]

السِراط: السبيل الواضح. سَرِط الرجل الطعام والشيءَ سرطًا (فرح ونصر) وسَرَطانًا: بَلِعه. واسترطه: ابتلعه. وانسرط الشيءُ في حلقه: سار فيه سيرًا سهلًا. والسِرْوَطُ والسِرْواط - بالكسر فيهما: الأَكُول/ الذي يبتلع كل شيء. وسِرْطيط وسُرَط - كعمر: جيد اللَقْم.

° المعنى المحوري

مرور في المسلك الممتد بيسر وسهولة: كما يمر سالكُ السبيل الواضح، وكالبَلْع بسهولة (ويلزم ذلك كثرة الأكل وسرعة الالتقام وسهولة المادة المبتلَعة). والسبيل الواضح يمر سالكه فيه مرورًا سهلًا سريعًا بلا عقبات تُرَيّثُه. وقد قالوا "فرس - سُرَط - كعمر، وسَرَطان - بالتحريك: قال في [ل]: "كأنه يسترط الجرى ". ونحن نقول الآن: السيارة تقطع الطريق أو المسافة/ تنهب أو تأكل الأرض. وقال ابن فارس: "لأن الذاهب فيه يغيب غيبة الطعام المُسترَط ". وهذا التوجيه أنسب مما في [ل]. هذا.. وليس غريبًا أن يعبِّر عن الطريق تركيبٌ يعبر عن البلع، فقد سموا الطريق لَقَمًا - بالتحريك. وقالوا "فرس لِهَمٌّ (كخِضَمّ) ولِهْمِيم ولُهْمُوم: جواد سابق ". وعلى أي وجه: فالسِراط على زنة اسم الآلة كالسِرَاد والخِيَاط، أو بمعنى اسم فاعل كاللَقَم. واللفظ عربي أصلًا ومعنًى وصيغةً، وله نظائر كما وضح. ومن استعماله في المرور: قولهم: سيف سُراط - كغراب: قاطع؛ فدعوى التعريب التي ذكرها المُتَوَكَّليّ

ساقطة ولا سند لها. {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]. وليس في القرآن من هذا التركيب الا كلمة (سراط)، وقد رسمت في المصحف والمعجم المفهرس بالصاد وأصلها اللغوي بالسين.

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


7-المعجم الاشتقاقي المؤصل (سوغ سيغ)

(سوغ - سيغ): {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} [النحل: 66].

السِوَاغ - ككتاب: ما أسغتَ به غُصّتك. ساغ الرجل الطعامَ يسوغه ويَسيغه وأساغه. وساغ الشرابُ والطعام في الحلق (قاصر): نزَل وسهُل مدخله في الحلق. وساكت به الأرض: ساخت.

° المعنى المحوري

مرور في مجرى جوفيّ بيسر ورقّة لتخلل ورطوبة: كما في الاستعمالات المذكورة. قال تعالى: {يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ} [إبراهيم: 17]. لا يكاد يبتلعه. ومنه: "شراب سائغ وأَسْوَغُ: عذْب " (لسهولة سوغه بسبب صفائه ولطف طعمه) {عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ} [فاطر: 12]. ومن المرور الجوفي السهل قولهم: "سُغْ في الأرض ما وجدتَ مَساغًا، أي: ادخل فيها ما وجدتَ مَدْخلًا ".

وأما "سَوْغ الرجل وسَيْغه - بالفتح: الذي يُولَد على أثره لم يكن بينهما وَلد "فمن الأصل: كأن الأول فتح المجرى للثاني، أو أنّ الثاني أمرّ الأول وأنساه. كما قيل: "أَسْوَغَ الولد أخاه: وُلد معه ".

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


8-المعجم الاشتقاقي المؤصل (سكب)

(سكب): {وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ} [الواقعة: 30 - 32]

السَكْبة - بالفتح [وفي الأساس: المِسْكبة بالميم المكسورة]: الدَبْرة (أي الجدول) العُلْيا التي منها تُسقَى الدِبار. والسَكْبة - بالفتح أيضًا: جُليدة رقيقة على جسم المولود تُقشر عنه. والإسكابة: قطعة من خشب تُدْخَل في خَرق الزِقّ لتضييقه عند الصَبّ أو لسدِّه لمنع السَكْب. وطَعْنةٌ أُسْكوب، وسحاب أُسْكوب.

° المعنى المحوري

جريان المائع أو الرِخو في مجرى دقيق بيسر وانضباط إلى مقره: كالسَكْبة تحمل الماء وتنقله إلى الدِبار، وجلدة المولود تجمع جسمه وتُزْلقه، وكذلك الإسكابة تجمع المُنْصَبّ وتجعله دقيقًا إلى مَصَبّه. ومنه: "سَكَبت العينُ الدمعَ. وسَكَبَ الماءَ فسَكَبَ هو: صبّه فانصب ". وقول أهل المدينة: اسكُب على

يدي (من نحو إبريق). ثم أُطلق في الصبّ، يقال: ماء سَكْب وساكب وسَكُوب وسَيْكب وأُسْكوب: مُنْسكب أو مَسْكوب يجري على وَجْه الأرض من غير حفر {وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ}.

ومن معنويّ الأصل: "سُنّة - بضم ثم تضعيف - سَكْب، أي: لازمة " (جارية وملتزَمة).

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


9-المعجم الاشتقاقي المؤصل (سنو سنى)

(سنو - سنى): {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [النور: 43]

المُسَنّاة - بضم ففتح فتشديد: ضَفيرة تُبنى للسيل لتردَّ الماء، سُميت مُسَنّاة لأن فيها مفاتح للماء بقدر ما يُحتاج إليه مما لا يَغلِب، مأخوذ من قولك: سَنّيت الشيءَ والأمرَ: إذا فَتَحْت وجهه اهـ. (سَنَوْت الدلو سِناوة - كرسالة: جَرَرتها من البئر. والسحابُ يَسْنُو المطر (يرسله). سَنَتْ السحابةُ المطرَ تسنُو وتسنى. وسنَيْت الباب (رمى) وسَنَوته: فتحته ".

° المعنى المحوري

خروج ما احتبس في باطن إلى الظاهر أو إلى أعلى بلطف أو شيئًا بعد شيء. كالماء من فتحات المسنّاة، والدلو والماء من البئر والسحاب، وسَنْى الباب يمكّن من خروج ما بالداخل. ومنه: "سَنَى العقدة (رمى): فكّها وحلّها. وسَنَّيت العقدةَ والقُفل - ض: يسّرته وفتحته. وتسنّى القفل: انفتح. وتَسَنّى لي الأمرُ: تيسر وتأتى، وتسنَّى الرجلُ: تسهَّل في أموره. وسانيته حتى استخرجت ما عنده: تلطفت به وداريته " [الأساس].

ومن الأصل: "سَنَتْ النارُ تسنو: عَلا ضَوْءها. وسنا البرقُ: أضاء (مرة بعد مرة - كان ضوء النار والبرق مُسْتكِنَّا فظهر ببدئهما انطلاقًا بيسر) {يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ}. وليس في القرآن من التركيب إلا هذه، وقد ذكرنا السَنَة في (سنه). ومن الأصل المادي تسمية "السَنا (ويمد) وهو نبت مسهل للسواد والصفراء والبلغم [ق] (يخرجها بيسر).

ومن النفاذ إلى أعلى "تسنّى الشيءَ: علاه. سنا إلى معالي الأمور: ارتفع.

وسَنُو في حسبه (كرُم): ارتفع. وسَنِى (كرضى) سَناء - كسحاب: ارتفع ".

وهناك ما يُحْمَل على سِناية الدلو، كالسانية: الغَرْب، والناقة يستقي عليها، والجارية تسقى النخل عِوَضَ البعير، والسحابة تسنو الأرض..

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


10-المعجم الاشتقاقي المؤصل (مثل)

(مثل): {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: 60]

التِمثال - بالكسر: الصورة / اسم للشيء المصنوع مُشَبَّهًا بخَلْقٍ من خَلْق الله تعالى. ومثَّل له الشيءَ - ض: صوَّره حتَّى كأنه ينظر إليه. والمثال - ككتاب: القالب الذي يُقدَّر على مِثله / حَجَر قد نُقِر في وجهه نَقْرٌ على خِلْقة السِمة سواء، فيُجعَل فيه طَرَف العَمُود أو المُلْمُول المُحمَى، فلا يزالون يَثنُون منه بأرْفق ما يكون حتَّى يَدخُل المِثالُ فيه (كذا) فيكونَ مِثْلَه. مَثل الشيءُ (قعد وككرم): قام مُنتصبًا، ومنه قيل لمنارة المِسْرَجة ماثلة، ومَثُلَ الرجلُ (ككرم) مُثُولًا: انتصب قائمًا. والماثل: القائم.

° المعنى المحوري

تشخُّص الشيء قائمًا على هيأة أو صفات معينة:

كالتِمثال، ومُلْمُول السِمة، والنصل. ومنارة المِسْرَجة تُمسكها وتَنصبها على هيئة خاصة. وكالشيء الشاخص المنتصب يستوفي بهذا هيأتَه الكاملة جامدًا أو مُمتَسَكًا عليها. فهذا الأصل الذي حددناه يشمل ملحظين معًا: تشخُّص الشيء وتماسكه كتلةً قائمةٌ بذاتها متميزة، وعُلوق تلك الكتلة المجسّمة هيأةً أو شَبَهًا أي صفات معينة. ثم قد يبرز أحدهما أكثر من الآخر. فمما اجتمع فيه الملحظان: التمثال وجمعه {وَتَمَاثِيلَ} كما في [سبأ: 13] وما في الأنبياء: 52]. ومما برز فيه الملحظ الأول: "مَثُل: انتصب قائمًا "كما مر - "وتماثل العليلُ: قارب البُرْءَ (كما نقول: قام من مرضه)، وامتثل طريقةً: تَبِعها فلم يَعْدُها " (هيأة انتصب فيها واستقام عليها). وكذلك قولهم: "كلما ازداد مَثالةً زاده الله رَعالة "- كسحابة فيهما. والرَعالة؛ الحُمْق. وفسَّر ابن بَرِّيّ المثالةَ بحسن الحال [ل 3/ 135]، ولعل التفسير بالجَسَامة والطول أنسب. ومما برز فيه الثاني: {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا} [مريم: 17]، {أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ} [آل عمران: 73] (ما يشبهه). وكذا كل (مِثْل) هو بمعنى شِبْه. والشَبَه قد يكون في القَدْر كما في {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ} [النساء: 11، وكذا ما في 176 منها]، وقد يكون في الصفة: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ} [البقرة: 137]، أي فإن دخلوا في الإيمان بشهادة مثل شهادتكم. فالمثلية إنما هي في الاعتقاد المفصّل (الموصوف) في الآية السابقة. وكذا {لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ} [الشورى: 11] أي كصفته تعالى العليا. وليس معنى طلب الإتيان بمشابه لشيء ما، أو بما له صفات شيء ما، أن هناك في الواقع شيئُا آخر مشابهًا، فالمطلوب قد يوجد وقد لا يوجد - {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: 60، الروم: 27]: الصفة العليا. {مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي

وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ} [محمد: 15] صفة الجنَّة. {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ} [الفتح: 29]: صفتهم أو وصفهم. وتفسير المِثل والمَثَل بالصفة ثابت قال به ابن عبَّاس، ويونس، والجُمَحِي، والزجاج، والأزهري، والجوهري، وهو مؤدى كلام أبي عمرو بن العلاء والخليل. وكان كلامهم عن {مَثَلُ الْجَنَّةِ}، لكنه صالح في كل ما ذكرناه؛ لأن معنى الصفة أصيل في المعنى المحوري للتركيب، كما أنَّه يؤخذ بيسر من الشَبَه. ولم يعترض إلَّا المبرد والفارسي. [ينظر في ذلك ل (مثل)، بحر 1/ 245 - 247، 581 - 582]. ومن الصفة استعملت في الشبهة من الشبَه {وَلَا يَأْتُوْنَكَ بِمَثَلٍ} [الفرقان 33]: بصفة أي هيأة تُغْرب أمرك، أي شُبهة تُلبِس ويعتَرض بها، وهي هنا {لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً} [الفرقان: 32] كالتوراة والإنجيل [ينظر بحر / 455، 56]. {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} [البقرة: 171]: (هيأة حالهم). {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا} [النحل: 75]: (نَصَبه ذا هيأة خاصة يجرى مثلها) {سَلَفَا وَمَثَلًا لِلآخِرِينَ} [الزخرف 56] هيأة منصوبة يعتبرون بها. وكذا {وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا} [الزخرف 59] (والتمثيل بالقتيل تحويلُ هيأته إلى هيأة أخرى)، والمَثُلات: العقوبات التي تُصيب المجرم فتنصبه مثلًا وعبرة: {وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ} [الرعد: 6]. {وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى} [طه: 63]، أي الفضلى الحسنى [نفسه 6/ 238] أخذا من التشخص والقيام. وكأنهم يريدون الأقوم.

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


11-المعجم الاشتقاقي المؤصل (مر)

° معنى الفصل المعجمي (مر): هو: الاحتواء على نوع من الشدة أو الكثافة مع استرسال أي نوع من الدوام أو الامتداد كما يتمثل في المرير من الحبال: ما لطف وطال واشتد فتله، وكذا الأرض التي لا شيء فيها من جساوة باطنها- في (مرر)، وكالمَرْو الحجارة الموصوفة بصلابتها ونارها، والشجر الموصوف بطيب ريحه وهو حدّة، إذ يعبرون عنه بذكاء الريح، وبالسطوع- في (مرو)، وكالناقة المريّ الغنية الباطن باللبن - في (مرى)، وكالداغصة في الركبة بصلابتها مع استرسال ترددها- في (مور)، وكما في مير الدواء إضافته أو الإضافة إليه وهي كثافة- في (مير)، وكما في حوز المريء الطعام بقوة وامتداد حتى يصل إلى المعدة- في (مرأ) (لو أن أنبوبة من اللدائن الطرية أي مماثلة للمريء وضع فيها قدر أُكْلةٍ ونصبت قائمة ما مرت فيها بيسْر، فهذا يثبت أن هناك قوة مع الاسترسال)، وكنفاذ سن الرمح في الكثيف أو بضغط الكثيف الذي وراءه- في (أمر)، وكمروج الدواب حركتها الكثيرة مع نشاطها وهو قوة- في (مرج)، وكتسيب الماء من المزادة بكثرة، وسرعة إنبات الأرض حين يصيبها المطر، وحسن إرسال السهم من القوس -وذلك كثرة وقوة دفع- في (مرح)، وكإصمات جلد الخدين فلا ينبت شعرهما، والشجر فلا ينبت ورقه (تصورا) وذلك كثافة، وكما في تمريد البناء، والتمرُّد- في (مرد)، وكالكثافة التي تغطي الشمس والغيم الذي يغطي السماء- وهذه كثافة، وكالمرض وهو ثقل- في (مرض).

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


12-المعجم الاشتقاقي المؤصل (مهن)

(مهن): {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [المرسلات: 20]

"الماهن: الخادم العَبْد. وقد مَهَنُهم (فتح): خَدَمَهم. والمَهِين من الرجال: الضَعيف. وفحل مَهِين: لا يُلْقَح من مائه. ويقال أَمْهَنْتُه: أضعفته. ومَهَنْتُ الثوبَ: حَذَمْته (= قطعته). وثوب ممهون. قال بدر بن عمرو الهذلي:

ويَجُرُّ هُدَّابَ الغليل كأنه... هُدَّابُ خَمْلَة قَرْطَفٍ ممهون

(القرطف- كجعفر: القطيفة. وهُدْبُ الثوب وهُدّابه: (شراريبه) الغليل: بطانة تحت الدرع).

° المعنى المحوري

خُلُوّ الشيءِ من مادة الغلظ والشدّة فيكون ضعيفًا أو سهلًا. كخلو الفَحْل من الإلقاح، وفَقْدٍ الثوب المقطوع تماسكَه. وفي كلام ابن الهسيب: السهل يُوطَأ ويُمْتَهَن قالوا: يُبْتَذَل ""ولعل الأدق: ويُستَضْعَف. والمقصود ضَعْفُ القَدْر. وفي صفته - صلى الله عليه وسلم - ""ليس بالجافي ولا المَهِين ""أي أنه ليس جافي الخلقة غليظًا، كما أنه ليس رخو البدن ضعيفًا ذاهب القوة - صلى الله عليه وسلم -. هذا، "

والخِدْمة تُذَلل الامر وتلينه وتسهله للمخدوم ولذا سمي "الخادم ما هنا "كما سُمِّيَ ناصفًا. ومن هنا "المهنة- بالفتح والكسر والتحريك: الحِذْق بالخِدْمة والعَمَل (فالحاذق المحترف يُتِمُّ العمل بيُسْر وسهولة ولين، بلا صعوبة أو عناء، كما أنه يذلل صعوبات وسائل المعيشة). وقالوا مهن الإبلَ: حَلَبها عند الصَدَر، وثياب المِهْنة أي البِذلة والخِدمة "التي ليست مصونه للمناسبات ولا لها مَعزّة عند صاحبها. (ثم إن لفظ المهنة انتقل ليستعمل في الحِرْفة وكأن الخطوة الوسيطة (حرفة المهنة) أي حِرْفة الحِذْق أي التي يحذقها ثم استغنوا بالمضاف إليه عن المضاف).

وفي قوله تعالى: {أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ} [المرسلات: 20 وكذا ما في السجدة: 8]، أي من ماء ضعيف قليل {أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} [الزخرف: 52] لا يكاد يفصح عن مقصوده، أو نظر إلى أنه كان من عامة شعب بني إسرائيل الذين كان يتعبدهم {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} [القلم: 10]: الوضيع لإكثاره من القبائح. من المهانة وهي القلة [بحر 8/ 300] والدقيق أن يقال: من الضعف أي ضعف الحال وعدم الشرف الخُلُقِيّ.

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


13-المعجم الاشتقاقي المؤصل (نثر)

(نثر): {إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا} [الإنسان: 19]

نُثَارة الحِنْطة والشَعِير والخُبْز -كرُخامة: ما انْتَثَر منه. والنَثْرة- بالفتح: طَرَفُ الأَنْف، وفُرْجَة ما بين الشاربين حِيَال وَتَرَة الأَنْف. والنَثُور: الكثيرُ الوَلَد. نَثَر الحَبَّ والجَوْزَ واللَوْزَ والسُكَّر (نصر وضرب): رماه بيده متفرقًا.

° المعنى المحوري

تفرُّق الدقاق الكثيفة المتجمعة متشرة كالحِنْطة والشَعير المنتشر إلخ. وطرَفُ الأنْف منه يكون الانتثار والفُرجة المذكورة كأنها

سبيل ذلك. {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2)} [الانفطار: 2] أي تساقطت -كما قال {انْكَدَرَتْ} [ينظر قر 19/ 227، 244] , ومنه "النَثْرَة - بالفتح: ما لَطُف من الدروع (للُطْفها أي خِفّتها ودِقّتها تنتثر على أعلى البدن بيسْر). وانتشار الدقاق قد يؤدي بها إلى ما يشبه الهباء {فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23].

المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم-محمد حسن حسن جبل-صدر: 1432هـ/2010م


14-المعجم الجغرافي للسعودية (يسر)

يسر: ـ قال البكريّ: بضم أوله وثانيه بعده راء مهملة، وهو دحلّ لبني يربوع بالدهناء وقال يعقوب بالحزن، وأنشد لطرفة:

«أرّق العين خيال لم يقرّ***طاف والرّكب بصحراء يسر»

وفي شعر الحطيئة: يسر ماء دون زبالة قال:

«عطفنا العتاق الجرد حول نسائكم ***هي الخيل مسقاها زبالة أو يسر»

وقال عدي بن زيد: ـ

«مرّ على حرّ الكثيب إلى ***لينة فاغتال الطّراق يسر»

لينة عن يمين زبالة والطراق: جمع طريق، واغتياله لها ملؤه إياها بمائه.

وقد خفّفه جرير، فقال:

«فما شهدت يوم الغبيط مجاشع ***ولا نقلان الخيل من قلّتى يسر»

وقال جرير أيضا:

«لمّا أتين على حطّابتي يسر***أبدى الهوى من ضمير القلب مكنونا»

حطّابناه أجمتان به، فيهما عضاه وقبله:

«أمسى فؤادك عند الحيّ مرهونا***وأصبحوا من قريّ الخيل غادينا»

قريّ الخيل: واد يصبّ في مرخ.

وفي «النقائض» في خبر يوم إراب: أن الهذيل بن هبيرة التّغلبيّ خرج غازيا يريد بني سعد بالرمل، حتى إذا ما هو صدر عن الصّبيغاء وطلح لقي أحدهم فقال: أين تركت أهلك؟ قال بإراب قال: فأين المقاتلة؟ قال: غازون كلّهم. فمال عليهم حتى ورد إراب، فاحتمل من قدر عليه منهم، وسار حتى ورد يسرا، وعلى يسر جيش من بني يربوع قد سبقوا الهذيل إلى الماء، فأرادوا منعه ومن معه الماء، فأقسم لئن رددتم إلينا إناء من آنيتنا اليوم قبل أن يأتينا ملآن من ماء يسر ليأتنكم فيه رأس إنسان منكم تعرفونه من ذكر أو أنثى، فاشتروا بعض السّبي وأطلقت بعضه وهم بيسر.

وفي «معجم البلدان»: قريّ الخيل: واد بعينه ويصب في ذي مرخ، يحبس الماء وينبت البقل، كان يحمى للخيل فترعاه.. وأورد قول جرير وفي «لسان العرب »: يسر دحل لبني يربوع ـ وأورد بيت طرفة. وذكر الجوهريّ اليسر وقال: إنه بالدهناء، وأنشد بيت طرفة.

ويفهم مما تقدم أنّ يسرا يقع خارج الدهناء. إذ جرير وصف من ذكرهم بأنهم غدوا من قريّ الخيل فأصبحت أطلالهم بأسنمة دارسة، وأنهم مرّوا على حطّابتي يسر، وذكر قلّتيه في البيت الثاني ونقلان الخيل في وقعة الغبيط ـ والغبيط هذا يقع بعيدا عن الدهناء في أسفل الحزن، والدهناء رمال لا تقع فيها دحال وانما تقع في الأرض الجلد بقربها، ولهذا فيسر في حزن يربوع على ما يظهر، ويفهم من خبر يوم إراب قربه من هذا. كما أن ذكره مع طلح يرجّح أنه في التّيسيّة

المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية-حمد الجاسر-صدر: 1398هـ/1978م


15-موسوعة الفقه الكويتية (اجتهاد)

اجْتِهَاد

التَّعْرِيفُ:

1- الِاجْتِهَادُ فِي اللُّغَةِ بَذْلُ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ فِي طَلَبِ أَمْرٍ لِيَبْلُغَ مَجْهُودَهُ وَيَصِلَ إِلَى نِهَايَتِهِ. وَلَا يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُ الْفُقَهَاءِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

أَمَّا الْأُصُولِيُّونَ فَمِنْ أَدَقِّ مَا عَرَّفُوهُ بِهِ أَنَّهُ بَذْلُ الطَّاقَةِ مِنَ الْفَقِيهِ فِي تَحْصِيلِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ظَنِّيٍّ، فَلَا اجْتِهَادَ فِيمَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، كَوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ، وَكَوْنِهَا خَمْسًا.

وَمِنْ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّ مَعْرِفَةَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ دَلِيلِهِ الْقَطْعِيِّ لَا تُسَمَّى اجْتِهَادًا.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْقِيَاسُ:

2- الَّذِي عَلَيْهِ الْأُصُولِيُّونَ أَنَّ الِاجْتِهَادَ أَعَمُّ مِنْ الْقِيَاسِ. فَالِاجْتِهَادُ يَكُونُ فِي أَمْرٍ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ، بِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ لَهُ، لِوُجُودِ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِيهِ، وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ. وَيَكُونُ الِاجْتِهَادُ أَيْضًا فِي إِثْبَاتِ النُّصُوصِ بِمَعْرِفَةِ دَرَجَاتِهَا مِنْ حَيْثُ الْقَبُولُ وَالرَّدُّ، وَبِمَعْرِفَةِ دَلَالَاتِ تِلْكَ النُّصُوصِ، وَمَعْرِفَةِ الْأَحْكَامِ مِنْ أَدِلَّتِهَا الْأُخْرَى غَيْرِ الْقِيَاسِ، مِنْ قَوْلِ صَحَابِيٍّ، أَوْ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوِ الِاسْتِصْحَابِ، أَوِ الِاسْتِصْلَاحِ أَوْ غَيْرِهَا، عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِهَا.

التَّحَرِّي:

3- هُوَ لُغَةً الطَّلَبُ وَالِابْتِغَاءُ، وَشَرْعًا طَلَبُ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ بِغَالِبِ الرَّأْيِ. عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوُقُوفِ عَلَى الْحَقِيقَةِ. وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالْعِبَادَاتِ لِأَنَّهُمْ كَمَا قَالُوا (التَّحَرِّي) فِيهَا، قَالُوا (التَّوَخِّي) فِي الْمُعَامَلَاتِ. وَالتَّحَرِّي غَيْرُ الشَّكِّ وَالظَّنِّ، فَإِنَّ الشَّكَّ أَنْ يَسْتَوِيَ طَرَفَا الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ، وَالظَّنُّ تَرَجُّحُ أَحَدِهِمَا مِنْ دَلِيلٍ، وَالتَّحَرِّي تَرَجُّحُ أَحَدِهِمَا بِغَالِبِ الرَّأْيِ. وَهُوَ دَلِيلٌ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى طَرَفِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مَا يُوجِبُ حَقِيقَةَ الْعِلْمِ. كَذَا قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي الْمَبْسُوطِ. وَفِيهِ أَيْضًا: الِاجْتِهَادُ مَدْرَكٌ مِنْ مَدَارِكِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ الشَّرْعُ لَا يَثْبُتُ بِهِ ابْتِدَاءً، وَكَذَلِكَ التَّحَرِّي مَدْرَكٌ مِنْ مَدَارِكِ التَّوَصُّلِ إِلَى أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، وَإِنْ كَانَتِ الْعِبَادَةُ لَا تَثْبُتُ بِهِ ابْتِدَاءً.

الِاسْتِنْبَاطُ:

4- وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ الْعِلَّةِ أَوِ الْحُكْمِ إِذَا لَمْ يَكُونَا مَنْصُوصَيْنِ، بِنَوْعٍ مِنَ الِاجْتِهَادِ.

أَهْلِيَّةُ الِاجْتِهَادِ:

5- اشْتَرَطَ الْأُصُولِيُّونَ فِي الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا صَحِيحَ الْفَهْمِ عَالِمًا بِمَصَادِرِ الْأَحْكَامِ، مِنْ كِتَابٍ وَسُنَّةٍ وَإِجْمَاعٍ وَقِيَاسٍ، وَبِالنَّاسِخِ مِنْهَا وَالْمَنْسُوخِ، عَالِمًا بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ نَحْوِهَا وَصَرْفِهَا وَبَلَاغَتِهَا، عَالِمًا بِأُصُولِ الْفِقْهِ.

وَالْمُرَادُ بِمَعْرِفَةِ الْكِتَابِ مَعْرِفَةُ آيَاتِ الْأَحْكَامِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حِفْظُهَا بَلْ مَعْرِفَةُ مَوَاقِعِهَا بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ الْوُصُولَ إِلَيْهَا بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ، وَيَسْتَطِيعُ مَعْرِفَةَ مَعَانِيهَا كَذَلِكَ. وَالْمُرَادُ بِمَعْرِفَةِ السُّنَّةِ مَعْرِفَةُ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حِفْظَهَا، وَإِنَّمَا يَكْفِي أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِ أَصْلٌ جَامِعٌ لِغَالِبِيَّةِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَعَرَّفَ فِيهِ بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ مَوَاقِعَ كُلِّ بَابٍ مِنْهَا لِيُرْجَعَ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَعْرِفَ الْمَقْبُولَ مِنْهَا مِنَ الْمَرْدُودِ. وَاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُهُ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ؛ لِئَلاَّ يُفْتِيَ بِمَا هُوَ مَنْسُوخٌ. وَاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُهُ بِالْعَرَبِيَّةِ لِكَيْ يَتَمَكَّنَ مِنْ فَهْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وَجْهِهِمَا الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهُمَا وَرَدَا بِلِسَانِ الْعَرَبِ، وَجَرَيَا عَلَى أَسَالِيبِ كَلَامِهِمْ. وَاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُهُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ لِكَيْ لَا يَخْرُجَ فِي اسْتِنْبَاطِهِ لِلْأَحْكَامِ وَفِي التَّرْجِيحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ، عَنِ الْقَوَاعِدِ الصَّحِيحَةِ لِذَلِكَ.

وَهَذِهِ الشُّرُوطُ إِنَّمَا هِيَ لِلْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ الْمُتَصَدِّي لِلِاجْتِهَادِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ.

دَرَجَاتُ الِاجْتِهَادِ:

6- الِاجْتِهَادُ قَدْ يَكُونُ مُطْلَقًا كَاجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَقَدْ يَكُونُ غَيْرَ مُطْلَقٍ وَفِي دَرَجَاتِهِ تَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الْأُصُولِيُّ.

صِفَةُ الِاجْتِهَادِ بِالِاسْتِعْمَالِ الْأُصُولِيِّ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ)

7- الِاجْتِهَادُ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ إِذْ لَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِينَ مِنِ اسْتِخْرَاجِ الْأَحْكَامِ لِمَا يَحْدُثُ مِنَ الْأُمُورِ.

وَيَتَعَيَّنُ الِاجْتِهَادُ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ إِنْ سُئِلَ عَنْ حَادِثَةٍ وَقَعَتْ فِعْلًا، وَلَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ، وَضَاقَ الْوَقْتُ بِحَيْثُ يَخَافُ مَنْ وَقَعَتْ بِهِ فَوَاتَهَا إِنْ لَمْ يَجْتَهِدْ مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِتَحْصِيلِ الْحُكْمِ فِيهَا.

وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ أَيْضًا إِذَا وَقَعَتِ الْحَادِثَةُ بِالْمُجْتَهِدِ نَفْسِهِ وَكَانَ لَدَيْهِ الْوَقْتُ لِلِاجْتِهَادِ فِيهَا.

وَهَذَا رَأْيُ الْبَاقِلاَّنِيِّ وَالْآمِدِيِّ وَأَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ. وَقَالَ غَيْرُهُمْ: يَجُوزُ لَهُ التَّقْلِيدُ مُطْلَقًا، وَقَالَ آخَرُونَ: يَجُوزُ فِي أَحْوَالٍ مُعَيَّنَةٍ.

وَتَفْصِيلُ مَا يَتَّصِلُ بِالِاجْتِهَادِ مَوْطِنُهُ الْمُلْحَقُ الْأُصُولِيُّ.

صِفَةُ الِاجْتِهَادِ بِالِاسْتِعْمَالِ الْفِقْهِيِّ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ)

8- يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الِاجْتِهَادِ سِوَى الِاجْتِهَادِ فِي الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُسْلِمُ فِي الْقِيَامِ بِالْعِبَادَاتِ عِنْدَ حُصُولِ الِاشْتِبَاهِ.

فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَحْدِيدِ الْقِبْلَةِ لِأَجْلِ اسْتِقْبَالِهَا فِي صَلَاتِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا لَا يَجِدُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِالْجِهَةِ، فَيَسْتَدِلُّ عَلَيْهَا بِأَدِلَّتِهَا الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا، كَمَوَاقِعِ النُّجُومِ وَمَطَالِعِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَاتِّجَاهِ الرِّيحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَيَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي مَبَاحِثِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي مُقَدِّمَاتِ الصَّلَاةِ.

وَمِنْ ذَلِكَ الِاجْتِهَادُ عِنْدَ اشْتِبَاهِ ثِيَابٍ طَاهِرَةٍ بِثِيَابٍ نَجِسَةٍ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، أَوْ مَاءٍ طَهُورٍ بِمَاءٍ نَجِسٍ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمَا، وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي مَبَاحِثِ شَرْطِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ فِي مُقَدِّمَاتِ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ.

وَمِنْهُ أَيْضًا اجْتِهَادُ مَنْ حُبِسَ فِي مَكَانٍ لَا يَعْرِفُ فِيهِ دُخُولَ وَقْتِ الصَّلَاةِ، أَوْ وَقْتِ الصَّوْمِ، وَيَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ فِي مَبْحَثِ مَعْرِفَةِ دُخُولِ الشَّهْرِ مِنْ أَبْوَابِ الصَّوْمِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


16-موسوعة الفقه الكويتية (أجنبي)

أَجْنَبِيٌّ

التَّعْرِيفُ:

1- الْأَجْنَبِيُّ فِي اللُّغَةِ الْغَرِيبُ، وَيُقَالُ لِلْغَرِيبِ أَيْضًا جَنْبٌ، وَأَجْنَبُ، وَمِنْ مَعَانِي الْجَنَابَةِ: الْغُرْبَةُ.وَاجْتَنَبَ فُلَانٌ فُلَانًا إِذَا تَجَنَّبَهُ وَابْتَعَدَ عَنْهُ، وَنَقَلَ فِي التَّاجِ عَنِ الْأَسَاسِ: «وَمِنَ الْمَجَازِ: هُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْ كَذَا، أَيْ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِهِ وَلَا مَعْرِفَةَ» يَعْنِي كَمَا تَقُولُ: فُلَانٌ أَجْنَبِيٌّ عَنْ هَذَا الْعِلْمِ، أَوْ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ.فَيُطْلَقُ الْأَجْنَبِيُّ عَلَى مَنْ هُوَ غَرِيبٌ حِسًّا أَوْ مَعْنًى.

2- وَلَمْ نَجِدْ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ عَرَّفَ هَذَا الْمُصْطَلَحَ، وَلَكِنْ بِاسْتِقْرَاءِ مَوَاضِعِ وُرُودِهِ فِي كَلَامِهِمْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَفْظٌ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى وَاحِدٌ، بَلْ يُفَسَّرُ فِي كُلِّ مَقَامٍ بِحَسَبِهِ.فَمِنْ مَعَانِيهِ مَا يَلِي:

أ- الْأَجْنَبِيُّ الْبَعِيدُ عَنْكَ فِي الْقَرَابَةِ، وَهُوَ الَّذِي لَا تَصِلُهُ بِكَ رَابِطَةُ النَّسَبِ، كَقَوْلِ الْمَحَلِّيِّ فِي شَرْحِ مِنْهَاجِ الطَّالِبِينَ «الْأَجْنَبِيُّ أَنْ يَحُجَّ عَنِ الْمَيِّتِ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ إِذْنٍ».قَالَ عَمِيرَةُ فِي حَاشِيَتِهِ: «الْمُرَادُ بِالْأَجْنَبِيِّ غَيْرُ الْوَارِثِ.قَالَهُ شَيْخُنَا.وَقِيَاسُ الصَّوْمِ أَنْ يُرَادَ بِهِ غَيْرُ الْقَرِيبِ».

ب- وَالْأَجْنَبِيُّ الْغَرِيبُ عَنِ الْأَمْرِ مِنْ عَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِمْ: «لَوْ أَتْلَفَ الْمَبِيعَ أَجْنَبِيٌّ قَبْلَ قَبْضِهِ فَسَدَ الْعَقْدُ» أَيْ شَخْصٌ غَرِيبٌ عَنِ الْعَقْدِ، لَيْسَ هُوَ الْبَائِعُ وَلَا الْمُشْتَرِي.وَكَقَوْلِهِمْ: «هَلْ يَصِحُّ شَرْطُ الْخِيَارِ لِأَجْنَبِيٍّ» وَيُسَمَّى الْأَجْنَبِيُّ إِذَا تَصَرَّفَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ: «فُضُولِيًّا»

ج- وَالْأَجْنَبِيُّ: الْغَرِيبُ عَنِ الْوَطَنِ، وَدَارُ الْإِسْلَامِ كُلُّهَا وَطَنٌ لِلْمُسْلِمِ.فَالْأَجْنَبِيُّ عَنْهَا مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَلَا ذِمِّيٍّ.

د- وَالْأَجْنَبِيُّ عَنِ الْمَرْأَةِ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَحْرَمًا لَهَا.وَالْمَحْرَمُ مَنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ بِسَبَبٍ مُبَاحٍ وَقِيلَ بِمُطْلَقِ سَبَبٍ، وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا كَابْنِ عَمِّهَا وَابْنِ خَالِهَا.

انْقِلَابُ الْأَجْنَبِيِّ إِلَى ذِي عَلَاقَةٍ، وَعَكْسُهُ:

3- يَنْقَلِبُ الْأَجْنَبِيُّ إِلَى ذِي عَلَاقَةٍ فِي أَحْوَالٍ، مِنْهَا:

أ- بِالْعَقْدِ، كَعَقْدِ النِّكَاحِ، فَإِنَّهُ تَنْقَلِبُ بِهِ الْمَرْأَةُ الْأَجْنَبِيَّةُ إِلَى زَوْجَةٍ، وَكَعَقْدِ الشَّرِكَةِ، وَعَقْدِ الْوَكَالَةِ وَنَحْوِهِمَا.وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِهِ مِنَ الْفِقْهِ.

ب- بِالْإِذْنِ وَالتَّفْوِيضِ وَنَحْوِهِمَا كَتَفْوِيضِ الطَّلَاقِ إِلَى الْمَرْأَةِ أَوْ إِلَى غَيْرِهَا، وَكَالتَّوْكِيلِ وَالْإِيصَاءِ.

ج- بِالِاضْطِرَارِ، كَأَخْذِ مَنِ اشْتَدَّ جُوعُهُ مَا فِي يَدِ غَيْرِهِ مِنَ الطَّعَامِ فَائِضًا عَنْ ضَرُورَتِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ.

د- حُكْمُ الْقَضَاءِ، كَنَصْبِ الْأَجْنَبِيِّ وَصِيًّا أَوْ نَاظِرًا عَلَى الْوَقْفِ.

4- وَيَنْقَلِبُ ذُو الْعَلَاقَةِ إِلَى أَجْنَبِيٍّ فِي أَحْوَالٍ، مِنْهَا:

أ- ارْتِفَاعُ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ صَارَ الْأَجْنَبِيُّ ذَا عَلَاقَةٍ، كَطَلَاقِ الْمَرْأَةِ، وَفَسْخِ عَقْدِ الْبَيْعِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

ب- قِيَامُ الْمَانِعِ الَّذِي يَحُولُ دُونَ كَوْنِ السَّبَبِ مُؤَثِّرًا، وَذَلِكَ كَرِدَّةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ، يُصْبِحُ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَجْنَبِيًّا عَنِ الْآخَرِ، فَلَا عِشْرَةَ وَلَا مِيرَاثَ.

ج- حُكْمُ الْقَضَاءِ، كَالْحَجْرِ عَلَى السَّفِيهِ، وَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْمُولِي وَزَوْجَتِهِ عِنْدَ تَمَامِ الْمُدَّةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَالتَّفْرِيقِ لِلضَّرَرِ، وَالْحُكْمِ بِاسْتِحْقَاقِ الْعَيْنِ لِغَيْرِ ذِي الْيَدِ.

اجْتِمَاعُ ذِي الْعَلَاقَةِ وَالْأَجْنَبِيِّ:

5- إِذَا اجْتَمَعَ ذُو عَلَاقَةٍ وَأَجْنَبِيٌّ، فَذُو الْعَلَاقَةِ هُوَ الْأَوْلَى كَمَا يَلِي.

الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ:

يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ الْإِجْمَالِيُّ لِلْأَجْنَبِيِّ بِحَسَبِ مَعَانِيهِ الْمُخْتَلِفَةِ:

أَوَّلًا: الْأَجْنَبِيُّ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الْقَرِيبِ:

6- لِلْقَرِيبِ حُقُوقٌ وَمِيزَاتٌ يَنْفَرِدُ بِهَا عَنِ الْأَجْنَبِيِّ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْلَى مِنَ الْأَجْنَبِيِّ بِرِعَايَةِ الشَّخْصِ الْمُحْتَاجِ إِلَى الرِّعَايَةِ وَالنَّظَرِ كَمَا فِي الْأَمْثِلَةِ التَّالِيَةِ:

أ- أَنَّ الْقَرِيبَ لَهُ حَقُّ الْوِلَايَةِ عَلَى نَفْسِ الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ وَتَزْوِيجِ الْمَرْأَةِ دُونَ الْأَجْنَبِيِّ.

ب- وَأَنَّ لَهُ حَقَّ الْحَضَانَةِ لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ دُونَ الْأَجْنَبِيِّ، وَيُقَدَّمُ أَوْلَى الْأَقَارِبِ فِي اسْتِحْقَاقِ الْحَضَانَةِ حَسَبَ تَرْتِيبٍ مُعَيَّنٍ.

وَإِذَا تَزَوَّجَتِ الْحَاضِنَةُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ مِنَ الْمَحْضُونِ سَقَطَ حَقُّهَا فِي الْحَضَانَةِ، «لِقَوْلِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- لِلْأُمِّ: أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تَنْكِحِي».وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي أَبْوَابِ الْحَضَانَةِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.

ج- وَأَنَّ الْقَرِيبَ أَوْلَى مِنَ الْأَجْنَبِيِّ بِتَغْسِيلِ الْمَيِّتِ، وَبِالْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، عَلَى تَفْصِيلٍ يُعْرَفُ فِي أَبْوَابِ الْجَنَائِزِ.

ثَانِيًا: الْأَجْنَبِيُّ فِي التَّصَرُّفَاتِ وَالْعُقُودِ:

7- الْمُرَادُ بِالْأَجْنَبِيِّ هُنَا مَنْ لَيْسَتْ لَهُ صَلَاحِيَةُ التَّصَرُّفِ، وَالَّذِي لَهُ صَلَاحِيَةُ التَّصَرُّفِ هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ وَالْوَصِيُّ وَالْوَكِيلُ وَنَحْوُهُمْ، فَمَنْ سِوَاهُمْ أَجْنَبِيٌّ.

فَإِنْ تَصَرَّفَ الْإِنْسَانُ فِي حَقٍّ هُوَ فِيهِ أَجْنَبِيٌّ، عَلَى أَنَّ تَصَرُّفَهُ لِنَفْسِهِ، فَتَصَرُّفُهُ بَاطِلٌ.

أَمَّا إِنْ تَصَرَّفَ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ لَهُ وِلَايَةٌ أَوْ نِيَابَةٌ فَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى عِنْدَ الْفُقَهَاءِ الْفُضُولِيَّ وَاخْتَلَفُوا فِي تَصَرُّفِهِ ذَاكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَلَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ مَوْقُوفًا عَلَى الْإِجَازَةِ. (ر: إِجَازَةُ.فُضُولِيٍّ).

ب- الْأَجْنَبِيُّ وَالْعِبَادَةُ:

8- لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ الْأَجْنَبِيِّ عَنْ حُكْمِ الْوَلِيِّ فِي شَأْنِ أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ عَنِ الْغَيْرِ، فَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ عَنِ الْحَيِّ، إِذْ لَا بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنَ النِّيَّةِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَوْ غَيْرِهِ الْقَضَاءُ عَنِ الْمَيِّتِ لِمَا فِي ذِمَّتِهِ مِنَ الْعِبَادَاتِ.إِنْ تَبَرَّعَ بِهِ الْوَلِيُّ أَوِ الْأَجْنَبِيُّ فَفِي إِجْزَائِهِ عَنِ الْمَيِّتِ خِلَافٌ.أَمَّا الْعِبَادَاتُ الْمَالِيَّةُ الْمَحْضَةُ كَالزَّكَاةِ وَبَعْضِ الْكَفَّارَاتِ وَفِدْيَةِ الصَّوْمِ، أَوِ الْمَالِيَّةِ الْبَدَنِيَّةِ كَالْحَجِّ، فَلَا يَصِحُّ كَذَلِكَ فِعْلُهَا عَنِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، إِنْ كَانَ حَيًّا قَادِرًا.وَأَمَّا فِعْلُهَا عَنِ الْمَيِّتِ فَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَوِ الْوَصِيِّ إِذَا أَوْصَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِذَلِكَ، فِي حُدُودِ ثُلُثِ التَّرِكَةِ، عَلَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.وَعِنْدَ غَيْرِهِمْ تَنْفُذُ مِنْ كُلِّ الْمَالِ، سَوَاءٌ أَوْصَى بِهَا أَمْ لَمْ يُوصِ، كَسَائِرِ الدُّيُونِ.وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ يُرْجَعُ لِمَعْرِفَتِهِ إِلَى أَبْوَابِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ وَالصَّوْمِ وَالْكَفَّارَاتِ.

ج- تَبَرُّعُ الْأَجْنَبِيِّ بِأَدَاءِ الْحُقُوقِ:

9- تَبَرُّعُ الْأَجْنَبِيِّ بِأَدَاءِ مَا تَرَتَّبَ عَلَى الْغَيْرِ مِنَ الْحُقُوقِ جَائِزٌ، وَذَلِكَ كَوَفَاءِ دَيْنِهِ، وَدَفْعِ مَهْرِ زَوْجَتِهِ وَنَفَقَتِهَا وَنَفَقَةِ أَوْلَادِهِ.وَلَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ إِنْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ بِإِذْنِ حَاكِمٍ، أَوْ نَوَى الرُّجُوعَ بِهِ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلَافٌ يُرْجَعُ لِمَعْرِفَتِهِ إِلَى الْأَبْوَابِ الْخَاصَّةِ بِتِلْكَ الْحُقُوقِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.

ثَالِثًا: الْأَجْنَبِيُّ بِمَعْنَى مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْوَطَنِ:

10- الْأَجْنَبِيُّ عَنْ دَارِ الْإِسْلَامِ هُوَ الْحَرْبِيُّ، وَهُوَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا وَلَا ذِمِّيًّا، وَلَا يَحِقُّ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ دُخُولُ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلاَّ بِأَمَانٍ، فَإِذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِالْأَمَانِ سُمِّيَ مُسْتَأْمَنًا.وَلِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْأَجْنَبِيِّ بِهَذَا الْمَعْنَى (ر: أَمَانٌ.مُسْتَأْمَنُونَ.أَهْلُ الْحَرْبِ).

رَابِعًا: الْأَجْنَبِيُّ عَنِ الْمَرْأَةِ:

11- خَصَّصَتِ الشَّرِيعَةُ الْأَجَانِبَ بِأَحْكَامٍ خَاصَّةٍ، دُونَ الزَّوْجِ وَذَوِي الْمَحْرَمِ.وَذَلِكَ رِعَايَةً لِسَلَامَةِ الْمَرْأَةِ، وَمُحَافَظَةً عَلَيْهَا مِنْ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهَا مَا يَجْرَحُ كَرَامَتَهَا.وَقَدْ يَسَّرَتِ الشَّرِيعَةُ فِي الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا، إِذْ أَنَّ عَقْدَ الزَّوَاجِ يُبِيحُ لِكُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ مِنَ التَّمَتُّعِ بِالْآخَرِ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلسَّكَنِ بَيْنَهُمَا، لِتَتِمَّ حِكْمَةُ اللَّهِ بِدَوَامِ النَّسْلِ وَنُشُوئِهِ فِي كَنَفِ الْأَبَوَيْنِ عَلَى أَحْسَنِ وَجْهٍ، وَلَمْ تُضَيِّقِ الشَّرِيعَةُ أَيْضًا فِي الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَمَحْرَمِهَا لِأَنَّ مَا يَقُومُ بِأَنْفُسِهِمَا مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالِاحْتِرَامِ يَحْجُبُ نَوَازِعَ الرَّغْبَةِ، وَلِكَيْ تَتَمَكَّنَ الْمَرْأَةُ وَأَقَارِبُهَا الْأَقْرَبُونَ مِنَ الْعَيْشِ مَعًا بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ، وَالزَّوْجُ وَالْمَحْرَمُ فِي ذَلِكَ مُخَالِفَانِ لِلْأَجْنَبِيِّ، فَوَضَعَتِ الشَّرِيعَةُ حُدُودًا لِلْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَهُ، تَتَلَخَّصُ فِيمَا يَلِي:

أ- النَّظَرُ:

12- فَيَحْرُمُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ النَّظَرُ إِلَى زِينَةِ الْمَرْأَةِ وَبَدَنِهَا، كُلِّهِ عَلَى رَأْيِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ، أَوْ مَا عَدَا الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ عِنْدَ الْبَعْضِ الْآخَرِ.وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَسْتَتِرَ عَنِ الْأَجْنَبِيِّ بِتَغْطِيَةِ مَا لَا يَحِلُّ لَهُ رُؤْيَتُهُ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَمْتَنِعَ عَنِ النَّظَرِ مِنْ بَدَنِ الْأَجْنَبِيِّ- وَالْمَحْرَمُ مِثْلُهُ- إِلاَّ إِلَى مَا سِوَى الْعَوْرَةِ، أَوْ إِلَى مَا عَدَا مَا تَنْظُرُهُ الْمَرْأَةُ مِنَ الْمَرْأَةِ.

ب- اللَّمْسُ:

13- فَلَا يَلْمِسُ الْأَجْنَبِيُّ بَدَنَ الْمَرْأَةِ.

ج- الْخَلْوَةُ:

14- فَلَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إِذَا كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ أَنْ يَخْلُوَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ، لِمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» وَحَدِيثِهِ الْآخَرِ «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ» د- صَوْتُ الْمَرْأَةِ:

15- فَيَحْرُمُ اسْتِمَاعُ الْأَجْنَبِيِّ لِصَوْتِ الْمَرْأَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ.وَفِي كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ خِلَافٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَتَفْصِيلٌ وَاسْتِثْنَاءَاتٌ يُرْجَعُ لِمَعْرِفَتِهَا إِلَى بَابِ الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ مِنْ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ، وَإِلَى أَوَائِلِ أَبْوَابِ النِّكَاحِ وَبَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ فِي كُتُبِ سَائِرِ الْمَذَاهِبِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


17-موسوعة الفقه الكويتية (مرور)

مُرُورٌ

التَّعْرِيفُ:

1- الْمُرُورُ لُغَةً: الِاجْتِيَازُ، يُقَالُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ وَعَلَيْهِ مَرًّا وَمُرُورًا وَمَمَرًّا: اجْتَزْتُ، وَمَرَّ الدَّهْرُ مَرًّا وَمُرُورًا: ذَهَبَ.

وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْوُقُوفُ:

2- الْوُقُوفُ لُغَةً: السُّكُونُ، يُقَالُ: وَقَفَتِ الدَّابَّةُ تَقِفُ وَقْفًا وَوُقُوفًا: سَكَنَتْ.

وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالصِّلَةُ أَنَّ الْمُرُورَ ضَدُّ الْوُقُوفِ

الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْمُرُورِ:

يَتَعَلَّقُ بِالْمُرُورِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي

3- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْمُرُورَ وَرَاءَ سُتْرَةُ الْمُصَلِّي لَا يَضُرُّ، وَأَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، فَيَأْثَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِقَوْلِه- صلى الله عليه وسلم-: «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ».

وَلِلْفُقَهَاءِ فِي إِثْمِ الْمُصَلِّي أَوِ الْمَارِّ أَوْ إِثْمِهِمَا مَعًا تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي: (سُتْرَةُ الْمُصَلِّي ف 12).

مَوْضِعُ الْمُرُورِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ:

4- يَرَى الْحَنَفِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي يُكْرَهُ الْمُرُورُ فِيهِ هُوَ مَوْضِعُ صَلَاةِ الْمُصَلِّي مِنْ قَدَمِهِ إِلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ، هَذَا حُكْمُ الصَّحْرَاءِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ كَإِنْسَانِ أَوْ أُسْطُوَانَةٍ لَا يُكْرَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا حَائِلٌ وَالْمَسْجِدُ صَغِيرٌ كُرِهَ فِي أَيِّ مَكَانٍ كَانَ، وَقَالُوا: الْمَسْجِدُ الْكَبِيرُ كَالصَّحْرَاءِ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَ لِلْمُصَلِّي سُتْرَةٌ حَرُمَ الْمُرُورُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ، وَلَا يَحْرُمُ الْمُرُورُ مِنْ وَرَائِهَا، وَإِنْ كَانَ يُصَلِّي لِغَيْرِ سُتْرَةٍ حَرُمَ الْمُرُورُ فِي قَدْرِ رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ، وَهُوَ الْأَوْفَقُ بِيُسْرِ الدِّينِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فِي قَدْرِ رَمْيَةِ حَجَرٍ أَوْ سَهْمٍ أَوْ رُمْحٍ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ وَلَوْ كَانَتِ السُّتْرَةُ بَعِيدَةً مِنَ الْمُصَلِّي، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ سُتْرَةٌ فَيَحْرُمُ الْمُرُورُ فِي قَدْرِ ثَلَاثَةِ أَذْرُعِ يَدٍ مِنْ مَوْضِعِ قَدَمِ الْمُصَلِّي.

الْمُرُورُ أَمَامَ الْمُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ

5- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي خَلْفَ الْمَقَامِ مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَا فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- كَانَ يُصَلِّي مِمَّا يَلِي بَابَ بَنِي سَهْمٍ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ} وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ» وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الطَّائِفِينَ لِأَنَّ الطَّوَافَ صَلَاةٌ فَصَارَ كَمَنْ بَيْنَ يَدَيْهِ صُفُوفٌ مِنَ الْمُصَلِّينَ.

قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يُرَخَّصُ بِالْمُرُورِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَوْ كَانَ لِلْمَارِّ مَنْدُوحَةٌ، وَيُكْرَهُ لِلطَّائِفِ إِنْ كَانَتْ لَهُ مَنْدُوحَةٌ إِنْ صَلَّى لِسُتْرَةٍ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِنْ صَلَّى لِغَيْرِ سُتْرَةٍ فَيَجُوزُ الْمُرُورُ مُطْلَقًا.

وَتَوَسَّعَ الْحَنَابِلَةُ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا: لَا يُرَدُّ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي بِمَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: لِأَنَّ مَكَّةَ لَيْسَتْ كَغَيْرِهَا، لِكَثْرَةِ النَّاسِ وَازْدِحَامِهَا بِهِمْ، فَمَنْعُهُمْ تَضْيِيقٌ عَلَيْهِمْ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- صَلَّى بِمَكَّةَ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سِتْرَةٌ، وَأَلْحَقَ الْمُوَفَّقُ بِمَكَّةَ سَائِرَ الْحَرَمِ.قَالَ الرَّحِيبَانِيُّ: وَيُتَّجَهُ إِنَّمَا يَتَمَشَّى كَلَامُ الْمُوَفَّقِ فِي زَمَنِ الْحَجِّ لِكَثْرَةِ النَّاسِ وَاضْطِرَارِهِمْ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَجِّ فَلَا حَاجَةَ لِلْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ يَمْكَنُ حَمْلُهُ عَلَى الصَّلَاةِ فِي الْمَطَافِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ.

ضَمَانُ مَا يَنْشَأُ عَنْ مُقَاتَلَةِ الْمَارِّ

6- ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ أَدَّى الدَّفْعُ الْمَشْرُوعُ مِنَ الْمُصَلِّي لِلْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ إِلَى مَوْتِهِ- مَعَ التَّدَرُّجِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الدَّفْعِ- لَا يَضْمَنُهُ الْمُصَلِّي وَدَمُهُ هَدَرٌ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إِلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنَ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يُجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» أَيْ فِيهِ شَيْطَانٌ أَوْ هُوَ شَيْطَانُ الْإِنْسِ.

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ مُقَاتَلَةَ الْمَارِّ غَيْرُ مَأْذُونٍ بِهَا، فَإِنْ أَدَّتِ الْمُقَاتَلَةُ إِلَى قَتْلِ الْمَارِّ كَانَ قَتْلُهُ جِنَايَةً، فَيَلْزَمُ الْمُصَلِّيَ مُوجِبُهَا مِنْ دِيَةٍ أَوْ قَوَدٍ.

وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَدْفَعُ الْمُصَلِّي الْمَارَّ دَفْعًا خَفِيفًا لَا يَشْغَلُهُ فَإِنْ كَثُرَ أَبْطَلَ، وَلَوْ دَفَعَهُ دَفْعًا مَأْذُونًا فِيهِ فَسَقَطَ مِنْهُ دِينَارٌ أَوِ انْخَرَقَ ثَوْبُهُ ضَمِنَ، وَلَوْ مَاتَ الْمَارُّ بِدَفْعِ الْمُصَلِّي كَانَتْ دِيَةُ الْمَارِّ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُصَلِّي، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الدَّفْعُ مَأْذُونًا فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ كَانَ كَالْخَطَأِ.

أَثَرُ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فِي قَطْعِ الصَّلَاةِ وَنَقْصِهَا

7- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ الْمُصَلِّي وَسُتْرَتِهِ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَلَا يُبْطِلُهَا، وَلَوْ كَانَ بِالصِّفَّةِ الَّتِي تُوجِبُ الْإِثْمَ عَلَى الْمَارِّ، وَذَلِكَ لِقَوْلِه- صلى الله عليه وسلم-: «لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ، وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ»،، وَقَالَتْ عَائِشَةُ- رضي الله عنها-: «كَانَ رَسُولُ اللَّه- صلى الله عليه وسلم- يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ»،، وَلِحَدِيثِ «أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ حِينَ مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّه- صلى الله عليه وسلم- فَلَمْ يَقْطَعِ الصَّلَاةَ».

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ مِثْلَ ذَلِكَ، إِلاَّ أَنَّهُمُ اسْتَثْنَوُا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ فَقَالُوا: إِنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي يَنْقُصُ الصَّلَاةَ وَلَا يَقْطَعُهَا، قَالَ الْقَاضِي: يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ الرَّدُّ فَلَمْ يَفْعَلْ.

الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُومِينَ

8- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُومِينَ، وَاخْتِلَافُهُمْ هَذَا فَرْعٌ عَنِ اخْتِلَافِهِمْ فِي سُتْرَةِ الْإِمَامِ وَفِي الْإِمَامِ، هَلْ يَكُونُ أَيٌّ مِنْهُمَا سِتْرَةً لِلْمَأْمُومَيْنِ أَوْ لَا يَكُونُ؟

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (سُتْرَةُ الْمُصَلِّي ف 11).

الْمُرُورُ أَمَامَ الْمُصَلِّي فِي مَكَانٍ مَغْصُوبٍ

9- نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ: عَلَى أَنَّهُ إِذَا صَلَّى مُسْلِمٌ بِسُتْرَةٍ فِي مَكَانٍ مَغْصُوبٍ لَمْ يَحْرُمُ الْمُرُورُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ وَلَمْ يُكْرَهْ، سَوَاءٌ وَجَدَ الْمَارُّ سَبِيلًا غَيْرَهُ أَمْ لَا.

وَلِلْحَنَابِلَةِ وَجْهَانِ فِيمَنْ صَلَّى إِلَى سُتْرَةٍ مَغْصُوبَةٍ وَمَرَّ مِنْ وَرَائِهَا كَلْبٌ أَسْوَدُ

أَحَدُهُمَا: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ نَصْبِهَا وَالصَّلَاةِ إِلَيْهَا فَوُجُودُهَا كَعَدَمِهَا.

وَالثَّانِي: لَا تَبْطُلُ لِقَوْلِ النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم-: «يَقِي مِنْ ذَلِكَ مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ» وَهَذَا قَدْ وُجِدَ.

الْمُرُورُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ

10- نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً ثُمَّ أَحَاطَ الْإِحْيَاءُ بِجَوَانِبِهَا الْأَرْبَعَةِ مِنْ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ عَلَى التَّعَاقُبِ تَعَيَّنَ مُرُورُ الْأَوَّلِ فِي الْأَرْضِ الرَّابِعَةِ، وَأَمَّا لَوْ كَانَ الْإِحْيَاءُ جَمِيعُهُ لِوَاحِدٍ فَلَهُ أَنْ يَمُرَّ إِلَى أَرْضِهِ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْمُرُورُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ وَلَمْ يَضُرَّ وَإِنْ مَنَعَهُ.

الْمُرُورُ فِي الطَّرِيقِ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ

11- الطَّرِيقُ الْعَامُّ- وَهِيَ النَّافِذَةُ- مِنَ الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ، وَلِلْجَمِيعِ الِانْتِفَاعُ بِهَا بِمَا لَا يَضُرُّ الْآخَرِينَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَمَنْفَعَتُهَا الْأَصْلِيَّةُ الْمُرُورُ فِيهَا لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِذَلِكَ، فَيُبَاحُ لَهُمُ الِانْتِفَاعُ بِمَا وُضِعَ لَهُ وَهُوَ الْمُرُورُ بِلَا خِلَافٍ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (طَرِيقٌ ف9).

أَمَا الطَّرِيقُ غَيْرُ النَّافِذِ فَمِلْكٌ لِأَهْلِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ أَهْلِهِ التَّصَرُّفُ فِيهِ إِلاَّ بِرِضَاهُمْ وَإِنْ لَمْ يَضُرَّ، لِأَنَّهُ مِلْكُهُمْ فَأَشْبَهَ الدُّورَ.

وَأَهْلُهُ مَنْ لَهُمْ حَقُّ الْمُرُورِ فِيهِ إِلَى مِلْكِهِمْ مِنْ دَارٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ فُرْنٍ أَوْ حَانُوتٍ لَا مَنْ لَاصَقَ جِدَارُهُ الدَّرْبَ مِنْ غَيْرِ نُفُوذِ بَابٍ فِيهِ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ هُمُ الْمُسْتَحِقُّونَ الِارْتِفَاقَ فِيهِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (طَرِيقٌ ف 21).

الْمُرُورُ فِي الْمَسْجِدِ لِلْمُحْدِثِ

12- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دُخُولُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْجُنُبِ إِلَى الْمَسْجِدِ وَلَوْ مُرُورًا مِنْ بَابٍ لِبَابِ، إِلاَّ أَنْ لَا يَجِدَ بُدًّا فَيَتَيَمَّمُ وَيَدْخُلُ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُمْنَعُ الْجُنُبُ مِنَ الْعَبُورِ فِي الْمَسْجِدِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (دُخُولٌ ف 6- 8).

الْمُرُورُ عَلَى الْعَاشِرِ

13- يَنْصِبُ الْإِمَامُ عَلَى الْمَعَابِرِ فِي طُرُقِ الْأَسْفَارِ عَشَّارِينَ لِلْجِبَايَةِ مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ بِأَمْوَالِ التِّجَارَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ إِذَا أَتَوْا بِأَمْوَالِهِمْ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَيَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ زَكَاةٍ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفَ الْعُشْرِ، وَيَأْخُذُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ الْعُشْرَ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاةٌ ف 155، وَعُشْرٌ ف 13 وَمَا بَعْدَهَا).

أَثَرُ الْمُرُورِ بِالْوَطَنِ فِي قَصْرِ الصَّلَاةِ

14- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ مُرُورَ الْمُسَافِرِ بِوَطَنِهِ يُصَيِّرُهُ مُقِيمًا بِدُخُولِهِ وَيَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّ مُرُورَ الْمُسَافِرِ بِوَطَنِهِ لَا يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ، فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا مُقِيمًا بِبَغْدَادَ أَرَادَ الْخُرُوجَ إِلَى الْكُوفَةِ، فَعَرَضَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِالنَّهْرَوَانِ، ثُمَّ رَجَعَ فَمَرَّ بِبَغْدَادَ ذَاهِبًا إِلَى الْكُوفَةِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إِذَا كَانَ يَمُرُّ بِبَغْدَادَ مُجْتَازًا لَا يُرِيدُ الْإِقَامَةَ بِهَا.

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ مَنْ غَلَبَتْهُ الرِّيحُ بِالْمُرُورِ عَلَى وَطَنِهِ لَا يَقْطَعُ حُكْمَ السَّفَرِ، إِلاَّ إِذَا انْضَمَّ لِذَلِكَ دُخُولٌ أَوْ نِيَّةُ دُخُولٍ.

وَلَوْ مَرَّ الْمُسَافِرُ فِي طَرِيقِهِ عَلَى قَرْيَةٍ أَوْ بَلْدَةٍ لَهُ بِهَا أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ خِلَافُ الْأَظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَوْلٌ عِنْدَ أَحْمَدَ: إِلَى أَنَّهُ يَصِيرُ مُقِيمًا مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الْإِقَامَةِ وَيُتِمُّ صَلَاتَهُ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيّ- صلى الله عليه وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَأَهَّلَ فِي بَلَدٍ فَلْيُصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ».

وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما-: إِذَا قَدِمْتَ عَلَى أَهْلٍ لَكَ أَوْ مَالٍ فَصَلِّ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، وَلِأَنَّهُ مُقِيمٌ بِبَلَدٍ فِيهِ أَهْلُهُ فَأَشْبَهَ الْبَلَدَ الَّذِي سَافَرَ مِنْهُ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إِذَا مَرَّ بِمَزْرَعَةٍ لَهُ أَتَمَّ.

وَالْقَوْلُ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ مُرُورَ الْمُسَافِرِ عَلَى قَرْيَةٍ أَوْ بَلَدٍ لَهُ بِهَا أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ لَا يُنْهِي سَفَرَهُ.

الْمُرُورُ بِالْمَاءِ وَعَدَمُ الْوُضُوءِ مِنْهُ:

15- قَالَ الْحَنَابِلَةُ: لَوْ مَرَّ الْمُسْلِمُونَ بِمَاءٍ قَبْلَ الْوَقْتِ أَوْ كَانَ مَعَهُ الْمَاءُ فَأَرَاقَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ، ثُمَّ دَخَلَ الْوَقْتُ وَعُدِمَ الْمَاءُ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِالطَّهَارَةِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ أَتَى بِمَا هُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ، وَإِنْ مَرَّ بِالْمَاءِ فِي الْوَقْتِ وَأَمْكَنَهُ الْوُضُوءُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ، حَرُمَ لِتَفْرِيطِهِ بِتَرْكِ مَا هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِلَا ضَرُورَةٍ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْوُضُوءُ أَوْ تَوَضَّأَ ثُمَّ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْمَاءِ وَبُعْدِهِ عَنْهُ، أَوْ كَانَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَجِدُ غَيْرَهُ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ.وَلَوْ كَانَ مَعَهُ الْمَاءُ فَأَرَاقَهُ فِي الْوَقْتِ حَرُمَ، لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إِلَى فَوَاتِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ الْوَاجِبَةِ، وَكَذَا لَوْ بَاعَهُ فِي الْوَقْتِ أَوْ وَهَبَهُ فِيهِ لِغَيْرِ مُحْتَاجٍ لِشُرْبِ حَرُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ.

وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُتَيَمِّمَ إِذَا مَرَّ بِمَاءٍ كَافٍ لِوُضُوئِهِ فَإِنْ كَانَ مُسْتَيْقِظًا بَطَلَ تَيَمُّمُهُ، وَإِنْ كَانَ نَاعِسًا أَوْ نَائِمًا مُتَمَكِّنًا لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ وَهُوَ الرِّوَايَةُ الْمُصَحَّحَةُ عَنِ الْإِمَامِ وَعَلَيْهَا الْفَتْوَى لِعَجْزِهِ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ الْإِمَامِ أَنَّهُ يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ.

حَقُّ الْمُرُورِ:

16- نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى صِحَّةِ بَيْعِ حَقِّ الْمُرُورِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ، وَمَقْصُودًا وَحْدَهُ فِي رِوَايَةٍ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنِ الْمُضْمَرَاتِ: هُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَا يَصِحُّ وَصَحَّحَهَا أَبُو اللَّيْثِ.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بَيْعُ مَسْكَنٍ بِلَا مَمَرٍّ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَمَرٌّ، أَوْ كَانَ وَنَفَاهُ فِي بَيْعِهِ لِتَعَذُّرِ الِانْتِفَاعِ بِهِ، سَوَاءٌ تَمَكَّنَ الْمُشْتَرِي مِنِ اتِّخَاذِ مَمَرٍّ لَهُ مِنْ شَارِعٍ سَوَاءٌ مَلَكَهُ أَمْ لَا، كَمَا قَالَهُ الْأَكْثَرُونَ، وَشَرَطَ الْبَغَوِيُّ عَدَمَ تَمَكُّنِهِ مِنْ ذَلِكَ.

وَإِذَا بِيعَ عَقَارٌ وَخُصِّصَ الْمُرُورُ إِلَيْهِ بِجَانِبٍ اشْتَرَطَ تَعْيِينُهُ، فَلَوِ احْتَفَّ بِمِلْكِهِ مِنْ كُلِّ الْجَوَانِبِ، وَشَرَطَ لِلْمُشْتَرِي حَقَّ الْمُرُورِ إِلَيْهِ مِنْ جَانِبٍ لَمْ يُعَيِّنْهُ بَطَلَ لِاخْتِلَافِ الْغَرَضِ بِاخْتِلَافِ الْجَوَانِبِ، فَإِنْ لَمْ يُخَصَّصْ بِأَنْ شَرَطَهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، أَوْ قَالَ: بِحُقُوقِهَا، أَوْ أَطْلَقَ صَحَّ وَمَرَّ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَهَذَا مَا لَمْ يُلَاصِقِ الشَّارِعَ أَوْ مَلَكَهُ وَإِلاَّ مَرَّ مِنْهُ فَقَطْ.

(

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


18-موسوعة الفقه الكويتية (وديعة 3)

وَدِيعَةٌ -3

29- وَمِمَّا يَتَفَرَّعُ عَلَى الْتِزَامِ الْوَدِيعِ بِرَدِّ الْوَدِيعَةِ إِلَى رَبِّهَا أَنْ يَقُومَ بِرَدِّ الْوَدِيعَةِ بِنَفْسِهِ أَوْ عَلَى يَدِ أَمِينِهِ- كَزَوْجَتِهِ وَخَازِنِهِ وَوَكِيلِهِ وَنَحْوِهِمْ إِلَى الْمُودِعِ- اسْتِبْرَاءً مِنْ تَحَمُّلِ التَّبِعَةِ، وَرِعَايَةً لِلْأَمَانَةِ وَأَدَاءً لِحَقِّهَا.وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ- وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى- إِلَى أَنَّهُ كَمَا يَصِحُّ لِلْوَدِيعِ رَدُّ الْوَدِيعَةِ إِلَى مَالِكِهَا، فَإِنَّهُ يَصِحُّ رَدُّهَا إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً لِأَنَّ أَيْدِيَهُمْ كَيَدِهِ وَذَلِكَ تَخَلُّصًا مِنْ دَرْكِهَا، وَإِيصَالًا لِلْحَقِّ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يَلْزَمُ رَدُّهَا إِلَى الْمُودِعِ بِالذَّاتِ.

وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ طَلَبَ وَكِيلُ الْمُودِعِ الْوَدِيعَةَ يَلْزَمُ الْوَدِيعَ رَدُّهَا إِذَا ثَبَتَتْ وِكَالَةُ الْوَكِيلِ بِالْبَيِّنَةِ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: إِنْ أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إِلَى وَكِيلِهِ فَتَمَكَّنَ وَأَبَى ضَمِنَ، وَالْأَصَحُّ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهَا وَكِيلُهُ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ- فِي حَالَةِ رَدِّهَا إِلَى غَيْرِ مَالِكِهَا- إِلَى أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَوْثِيقُ رَدِّهَا بِالشَّهَادَةِ، لِيُصَدَّقَ فِي دَعْوَى الرَّدِّ إِذَا أَنْكَرَ الْقَابِضُ، قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: مَنْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إِلَى غَيْرِ الْيَدِ الَّتِي دَفَعَتْهَا إِلَيْهِ، فَعَلَيْهِ مَا عَلَى وَلِيِّ الْيَتِيمِ مِنَ الْإِشْهَادِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ {فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ}.فَإِنْ لَمْ يُشْهِدْ، فَلَا يُصَدَّقُ فِي الدَّفْعِ إِذَا أَنْكَرَ الْقَابِضُ، وَلَا أَحْفَظُ فِي هَذَا الْوَجْهِ نَصَّ خِلَافٍ، إِلاَّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ فِيمَنْ بَعَثَ بِبِضَاعَةٍ إِلَى رَجُلٍ مَعَ رَجُلٍ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ فِي دَفْعِهَا إِلَيْهِ، وَهُوَ مُصَدَّقٌ وَإِنْ أَنْكَرَ الْقَابِضُ، دَيْنًا كَانَتْ أَوْ صِلَةً.

وَفِي وُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَى دَفْعِ الْوَدِيعَةِ إِلَى وَكِيلِ الْمَالِكِ وَجْهَانِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَغَوِيِّ الْوُجُوبُ، كَمَا لَوْ أَمَرَهُ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، يَلْزَمُهُ الْإِشْهَادُ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْغَزَالِيِّ وَابْنِ الرِّفْعَةِ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْوَدِيعِ مَقْبُولٌ فِي الرَّدِّ وَالتَّلَفِ، فَلَا يَقْتَضِي الْإِشْهَادَ؛ لِأَنَّ الْوَدَائِعَ حَقُّهَا الْإِخْفَاءُ، بِخِلَافِ قَضَاءِ الدِّينِ، وَبِهِ جَزَمَ فِي الْأَنْوَارِ وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي الْوَكَالَةِ.

وَأَضَافَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ لِلْوَدِيعِ تَأْخِيرَ الرَّدِّ لِلْإِشْهَادِ عَلَيْهِ إِذَا طَلَبَ مَالِكُهَا رَدَّهَا إِلَى وَكِيلِهِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: إِذَا قَالَ لَهُ: رُدَّهَا عَلَى فُلَانٍ وَكِيلِي، فَطَلَبَ الْوَكِيلُ، فَلَمْ يُرَدَّ، فَهُوَ كَمَا لَوْ طَلَبَ الْمَالِكُ فَلَمْ يُرَدَّ، لَكِنْ لَهُ التَّأْخِيرُ لِيَشْهَدَ عَلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ بِالْقَبْضِ، لِأَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ.

وَإِنْ لَمْ يَطْلُبِ الْوَكِيلُ، فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الرَّدِّ، لَمْ تَصِرْ مَضْمُونَةً، وَإِلاَّ فَوَجْهَانِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ بِالدَّفْعِ إِلَى وَكِيلِهِ عَزَلَهُ، فَيَصِيرُ مَا فِي يَدِهِ كَالْأَمَانَةِ الشَّرْعِيَّةِ، مِثْلَ الثَّوْبِ تُطَيِّرُهُ الرِّيحُ إِلَى دَارِهِ، وَفِيهَا وَجْهَانِ (أَحَدُهُمَا) تَمْتَدُّ إِلَى الْمُطَالَبَةِ، (وَأَصَحُّهُمَا) تَنْتَهِي بِالتَّمَكُّنِ مِنَ الرَّدِّ.

ب- رَدُّ الْوَدِيعَةِ الْمُشْتَرَكَةِ:

30- إِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ مَشَاعًا لِشَخْصَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، كَمَا إِذَا أَوْدَعَ رَجُلَانِ مَالَهُمَا الْمُشْتَرَكَ عِنْدَ شَخْصٍ، ثُمَّ طَلَبَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي غِيَابِ الْآخَرِ حِصَّتَهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي لُزُومِ رَدِّ نَصِيبِهِ إِلَيْهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:

(أَحَدُهَا) لِأَبِي حَنِيفَةَ: وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ حَتَّى يَحْضُرَ الْآخَرَ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَ غَيْرُ مَالِكٍ لِلْمَالِ الْمُشْتَرَكِ، فَيَكُونُ إِعْطَاؤُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَعَدِّيًا عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، حَيْثُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْقِسْمَةَ بَيْنَهُمَا.

وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّ الْوَدِيعَ لَوْ دَفَعَ شَيْئًا إِلَى الشَّرِيكِ الْحَاضِرِ، فَلَا يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِنَ النَّصِيبَيْنِ جَمِيعًا، وَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِنْ نَصِيبِهِ خَاصَّةً، وَلَا وَجْهَ إِلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ دَفْعَ نَصِيبِ الْغَائِبِ إِلَيْهِ مُمْتَنِعٌ شَرْعًا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ نَصِيبَهُ شَائِعٌ فِي الْكُلِّ، إِذِ الْوَدِيعَةُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمَا، وَلَا تَتَمَيَّزُ إِلاَّ بِالْقِسْمَةِ، وَالْقِسْمَةُ عَلَى الْغَائِبِ غَيْرُ جَائِزَةٍ.

(الثَّانِي) لِلشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَدِيعِ قِسْمَةُ الْوَدِيعَةِ وَإِعْطَاؤُهُ حِصَّتَهُ، وَلَا تَسْلِيمُ الْجَمِيعِ، بَلْ يَرْفَعُ الْأَمْرَ إِلَى الْحَاكِمِ لِيُقَسِّمَهَا وَيَدْفَعَ إِلَيْهِ نَصِيبَهُ لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْإِيدَاعِ فَكَذَا فِي الِاسْتِرْدَادِ.

(الثَّالِثُ) لِلْحَنَابِلَةِ وَالصَّاحِبَيْنِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَعَلَيْهِ جَرَتْ مَجَلَّةُ الْأَحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ: وَهُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَتِ الْوَدِيعَةُ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ وَبَيْنَ مَا إِذَا كَانَتْ مِنَ الْقِيمِيَّاتِ.

فَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ الَّتِي لَا تَنْقُصُ بِالْقِسْمَةِ، فَطَلَبَ الْحَاضِرُ نَصِيبَهُ مِنْهَا، فَيُؤْمَرُ الْوَدِيعُ بِالدَّفْعِ إِلَيْهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ حِصَّتِهِ يَكُونُ ضَامِنًا لَهَا.

قَالَ الْحَنَابِلَةُ: لِأَنَّهُ حَقٌّ مُشْتَرَكٌ يُمْكِنُ فِيهِ تَمْيِيزُ نَصِيبِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ بِغَيْرِ غَبْنٍ وَلَا ضَرَرٍ، فَإِذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لَزِمَ دَفْعُهُ إِلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَ مُتَمَيِّزًا.

وَقَالَ الصَّاحِبَانِ: لِأَنَّ لِكُلٍّ مِنَ الْمُتَشَارِكَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ فِي الْمِثْلِيَّاتِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي غِيَابِ الْآخَرِ وَبِدُونِ إِذْنِهِ، كَمَا إِذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ دَيْنٌ مُشْتَرَكٌ عَلَى رَجُلٍ، فَجَاءَ أَحَدُهُمَا وَطَلَبَ حِصَّتَهُ مِنَ الدَّيْنِ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إِلَيْهِ حِصَّتَهُ.

وَإِنْ كَانَتْ مِنَ الْقِيمِيَّاتِ، فَلَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ يُعْطِيَ الْحَاضِرَ حِصَّتَهُ، فَإِنْ فَعَلَ وَهَلَكَتْ ضَمِنَهَا.

لِأَنَّ قِسْمَةَ غَيْرِ الْمِثْلِيِّ بَيْعٌ، وَلَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ يَبِيعَ عَلَى الْمُودِعِ، لِأَنَّ قِسْمَةَ ذَلِكَ لَا يُؤْمَنُ فِيهَا الْحَيْفُ، لِأَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّقْوِيمِ، وَذَلِكَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ.

وَلِأَنَّ الْإِفْرَازَ غَالِبٌ فِي الْمِثْلِيِّ، وَالْمُبَادَلَةَ غَالِبَةٌ فِي الْقِيمِيِّ، وَبِمَا أَنَّ الْوَدِيعَ لَيْسَ مَأْذُونًا بِالْمُبَادَلَةِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ الْقِيمِيَّ.

كَيْفِيَّةُ رَدِّ الْوَدِيعَةِ وَمُؤْنَتُهُ

31- ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ رَدَّ الْوَدِيعَةِ يَحْصُلُ بِرَفْعِ الْيَدِ وَالتَّخْلِيَةِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَالِكِ، عَلَى وَجْهٍ يَجْعَلُهُ مُتَمَكِّنًا مِنْ رَقَبَتِهَا دُونَ مَانِعٍ، كَمَا إِذَا وَضَعَهَا أَمَامَهُ، وَقَالَ لَهُ اقْبِضْهَا.وَلَا يَلْزَمُ الْوَدِيعَ نَقَلُهَا إِلَى دَارِ الْمُودِعِ أَوْ دُكَّانِهِ أَوْ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ إِذَا طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ الْمُودِعُ، سَوَاءٌ قَلَّتِ الْمُؤْنَةُ أَوْ كَثُرَتْ، لِأَنَّ الْوَدِيعَ إِنَّمَا قَبَضَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَةِ مَالِكِهَا عَلَى الْخُصُوصِ، فَلَمْ تَلْزَمْهُ الْغَرَامَةُ عَلَيْهَا، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ عَلَى حِفْظِهَا فِي مِلْكِ صَاحِبِهَا، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ التَّمْكِينُ مِنْ أَخْذِهَا.

وَعَلَى ذَلِكَ، فَإِذَا امْتَنَعَ الْوَدِيعُ عَنْ نَقْلِهَا إِلَيْهِ، وَهَلَكَتْ بَعْدَهُ بِيَدِهِ، لَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، لِأَنَّ مُؤْنَةَ الرَّدِّ عَلَى الْمَالِكِ، وَلَيْسَ عَلَى الْوَدِيعِ شَيْءٌ غَيْرَ التَّخْلِيَةِ وَالتَّمْكِينِ.

مَكَانُ رَدِّ الْوَدِيعَةِ

32- مَكَانُ رَدِّ الْوَدِيعَةِ هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْإِيدَاعُ، سَوَاءٌ قَلَّتْ مُؤْنَةُ حَمْلِ الْوَدِيعَةِ أَوْ كَثُرَتْ، لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْوَدِيعِ بَعْدَ الطَّلَبِ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَمَالِكِهَا، لَا الْحَمْلُ وَالرَّدُّ.

وَلَا يُجْبَرُ الْوَدِيعُ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَدِيعَةِ فِي مَكَانٍ آخَرَ، وَعَلَى ذَلِكَ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

مَوْتُ الْوَدِيعِ قَبْلَ رَدِّ الْوَدِيعَةِ:

33- إِذَا مَاتَ الْوَدِيعُ قَبْلَ رَدِّ الْوَدِيعَةِ، وَانْتَقَلَتْ إِلَى يَدِ وَارِثِهِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا لِمَالِكِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِهِ وَالتَّمْكِينِ مِنْهُ، لِزَوَالِ الِائْتِمَانِ.

إِذَا وُجِدَ فِي تَرِكَةِ مُتَوَفٍّ صُنْدُوقٌ أَوْ كِتَابٌ أَوْ كِيسٌ فِيهِ نَقُودٌ، كُتِبَ عَلَيْهِ بِخَطِّ الْمُتَوَفَّى أَنَّهُ وَدِيعَةٌ لِفُلَانٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ فِعْلُهُ عَلَى قَوْلَيْنِ:

(أَحَدُهُمَا) لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّ عَلَى الْوَارِثِ أَنْ يَعْمَلَ وُجُوبًا بِخَطِّ مُوَرِّثِهِ أَنَّ هَذَا الشَّيْءَ وَدِيعَةٌ لِفُلَانٍ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى إِثْبَاتٍ بِوَجْهٍ آخَرَ.

(وَالثَّانِي) لِلشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ قُدَامَةَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوَرَثَةَ التَّسْلِيمُ بِذَلِكَ، لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ كَتَبَهُ نَاسِيًا وَإِمْكَانِ وُقُوعِ التَّزْوِيرِ بِالْخَطِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ.وَإِنَّمَا يَلْزَمُ الْوَارِثَ التَّسْلِيمُ بِإِقْرَارِهِ أَوْ إِقْرَارِ الْمُوَرِّثِ أَوْ وَصِيَّتِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ.قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَا تَثْبُتُ الْوَدِيعَةُ إِلاَّ بِإِقْرَارٍ مِنَ الْمَيِّتِ أَوْ وَرَثَتِهِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِهَا، وَإِنْ وُجِدَ عَلَيْهَا مَكْتُوبًا وَدِيعَةٌ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الظَّرْفُ كَانَتْ فِيهِ وَدِيعَةٌ قَبْلَ هَذَا، أَوْ كَانَ وَدِيعَةً لِمُوَرِّثِهِمْ عِنْدَ غَيْرِهِ، أَوْ كَانَتْ وَدِيعَةً فَابْتَاعَهَا، وَكَذَا لَوْ وَجَدَ فِي رَزْمَانِجِ أَبِيهِ أَنَّ لِفُلَانٍ عِنْدِي وَدِيعَةً، لَمْ يَلْزَمْهُ بِذَلِكَ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ قَدْ رَدَّهَا وَنَسِيَ الضَّرْبَ عَلَى مَا كَتَبَ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ.

اسْتِيفَاءُ الْوَدِيعِ حَقَّهُ مِنَ الْوَدِيعَةِ:

34- إِذَا كَانَ لِلْوَدِيعِ عَلَى مَالِكِ الْوَدِيعَةِ حَقٌّ عَجَزَ عَنْ أَخْذِهِ مِنْهُ؛ لِجُحُودِهِ وَامْتِنَاعِهِ بِالْبَاطِلِ عَنْ أَدَائِهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ اسْتِيفَاءِ الْوَدِيعِ حَقَّهُ مِنَ الْوَدِيعَةِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ وَمِنْهُمْ مَنْ مَنَعَ.

وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (ظَفَرٌ بِالْحَقِّ ف 4 وَمَا بَعْدَهَا، وَاسْتِيفَاء ف 17- 18).

مُوجِبَاتُ ضَمَانِ الْوَدِيعَةِ:

35- الْأَصْلُ فِي الْوَدِيعَةِ أَنَّهَا أَمَانَةٌ، وَأَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ فِي الْوَدِيعَةِ إِلاَّ إِذَا فَرَّطَ فِي حِفْظِهَا؛ لِأَنَّ الْمُفَرِّطَ مُتَسَبِّبٌ بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ حِفْظِهَا أَوْ تَعَدَّى عَلَى الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَدِّيَ مُتْلِفٌ لِمَالِ غَيْرِهِ فَيَضْمَنُهُ، وَقَدْ فَصَّلَ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ، وَبَيَانُهُ فِيمَا يَلِي:

أ- إِتْلَافُ الْوَدِيعَةِ:

36- إِتْلَافُ الْوَدِيعَةِ هُوَ أَنْ يَفْعَلَ الْوَدِيعُ بِالْوَدِيعَةِ مَا يُؤَدِّي إِلَى ذَهَابِهَا وَضَيَاعِهَا، أَوْ إِخْرَاجِهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهَا الْمَنْفَعَةَ الْمَطْلُوبَةَ مِنْهَا عَادَةً، كَإِحْرَاقِ الثَّوْبِ، وَقَتْلِ الْحَيَوَانِ، وَأَكْلِ الطَّعَامِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

وَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْوَدِيعِ اقْتِرَافُ هَذَا الْعَمَلِ فِي حَالَةِ السَّعَةِ وَالِاخْتِيَارِ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، وَقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم-: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ».

وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ إِتْلَافَ الْوَدِيعِ لِلْوَدِيعَةِ بِدُونِ إِذْنِ صَاحِبِهَا يُوجِبُ عَلَيْهِ ضَمَانَهَا؛ لِكَوْنِهِ تَعَدِّيًا عَلَيْهَا يُنَافِي الْمُوجَبَ الْأَصْلِيَّ لِعَقْدِ الْإِيدَاعِ، وَهُوَ الْحِفْظُ، وَلِأَنَّ إِتْلَافَ مَالِ الْغَيْرِ بِدُونِ إِذْنِهِ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَدْ نَصَّتِ الْمَادَّةُ (787) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّةِ: إِذَا هَلَكَتِ الْوَدِيعَةُ أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا بِسَبَبِ تَعَدِّي الْمُسْتَوْدَعِ أَوْ تَقْصِيرِهِ، لَزِمَهُ الضَّمَانُ.

وَهُنَاكَ مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِإِتْلَافِ الْوَدِيعِ لِلْوَدِيعَةِ هِيَ:

الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: إِتْلَافُ الْوَدِيعَةِ بِأَمْرِ صَاحِبِهَا:

37- لَوْ أَمَرَ رَبُّ الْوَدِيعَةِ الْوَدِيعَ بِإِتْلَافِهَا، بِأَنْ يُلْقِيَهَا فِي الْبَحْرِ أَوْ يَحْرِقَهَا فِي النَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ إِتْلَافِهَا.وَلَوْ فَعَلَ، فَفِي ضَمَانِهِ قَوْلَانِ:

أَحَدُهُمَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِإِذْنِ الْمَالِكِ لَهُ بِذَلِكَ، لِأَنَّ الْحَقَّ فِي الْوَدِيعَةِ ثَابِتٌ لِصَاحِبِهَا، وَقَدْ أَسْقَطَهُ حِينَ أَذِنَ لَهُ بِإِتْلَافِهَا، فَصَارَ كَمَا لَوِ اسْتَنَابَهُ فِي مُبَاحٍ، فَلَا يَغْرَمُ الْوَدِيعُ لَهُ شَيْئًا.

وَلِأَنَّ لتَحْرِيمِ الْفِعْلِ أَثَرَهُ فِي بَقَاءِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ التَّأْثِيمُ، أَمَّا حَقُّ الْآدَمِيِّ، فَلَا يَبْقَى مَعَ الْإِذْنِ فِي تَفْوِيتِهِ.وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ.

وَالثَّانِي: هُوَ ضَامِنٌ، كَمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: اقْتُلْنِي أَوْ وَلَدِي، فَفَعَلَ، وَلِأَنَّ مُقْتَضَى عَقْدِ الْوَدِيعَةِ وُجُوبُ حِفْظِهَا عَلَى الْوَدِيعِ، فَصَارَ الْإِذْنُ لَهُ فِي إِتْلَافِهَا، كَشَرْطٍ مُنَاقِضٍ لِمُقْتَضَى عَقْدِهَا، فَيُلْغَى.قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَلِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ إِتْلَافِ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ، لِأَنَّ ذَلِكَ مُحَرَّمٌ، وَفَاعِلُهُ عَاصٍ، يَجِبُ أَنْ يُحْجَرَ عَلَيْهِ، لِنَهْيِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم- عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ، فَإِذَا أَمَرَهُ بِمَا لَيْسَ لَهُ، فَأَمْرُهُ وَسُكُوتُهُ سِيَّانِ.

وَلَوْ كَانَ هَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لَكَانَ الْمُسْلِمُ إِذَا قَالَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ: اضْرِبْ عُنُقِي، فَقَطَعَهُ، أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذَا قَاتَلٌ ظَالِمٌ، وَقَدْ مَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ وَمِنْ دَمِهِ، وَقَدْ جَمَعَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم- بَيْنَ تَحْرِيمِهِمَا.وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إِتْلَافُ الْوَدِيعَةِ ثُمَّ رَدُّ بَدَلِهَا:

38- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا لَوْ تَعَدَّى الْوَدِيعُ عَلَى الْوَدِيعَةِ فَأَتْلَفَهَا، ثُمَّ رَدَّ بَدَلَهَا، فَهَلْ يَبْقَى ضَامِنًا لَهَا بِمُوجِبِ إِتْلَافِهَا أَمْ يَرْتَفِعُ عَنْهُ الضَّمَانُ بِالرَّدِّ؟ فَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ كَانَتِ الْوَدِيعَةُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ طَعَامًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُكَالُ وَيُوزَنُ، فَأَتْلَفَهَا الْوَدِيعُ، ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهَا مَكَانَهَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ تَلِفَ.أَمَّا إِذَا كَانَتْ ثِيَابًا أَوْ عُرُوضًا قِيمِيَّةً، فَهُوَ ضَامِنٌ لَهَا مِنْ سَاعَةِ أَتْلَفَهَا، سَوَاءٌ رَدَّ بَدَلَهَا إِلَى مَكَانِهَا أَمْ لَا؛ لِأَنَّهُ بِإِتْلَافِهَا لَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا، وَلَا يَبْرَأُ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ إِلاَّ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِ الْوَدِيعَةِ، لَا أَنْ يَرُدَّهَا فِي يَدِهِ وَدِيعَةً.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: يَبْقَى ضَامِنًا لَهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنَ الْمِثْلِيَّاتِ أَوِ الْقِيمِيَّاتِ، مِنَ النُّقُودِ أَوِ الْعُرُوضِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْوَدِيعَةِ، وَهُوَ الِاسْتِئْمَانُ، قَدِ ارْتَفَعَ بِالْإِتْلَافِ، فَلَا يَعُودُ إِلَيْهِ إِلاَّ بِالْوِفَاقِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، وَرَدُّ الْمِثْلِ أَوِ الْقِيمَةِ لَيْسَ عَوْدًا لِلْوِفَاقِ عِنْدَهُمْ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَاءَ بِمِلْكِ نَفْسِهِ، لَا بِعَيْنِ الْوَدِيعَةِ.وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لَا يَعُودُ الِاسْتِئْمَانُ إِلاَّ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ، فَلَا يَبْرَأُ مِنَ الضَّمَانِ.

وَلَوْ أَتْلَفَ الْوَدِيعُ بَعْضَ الْوَدِيعَةِ تَعَدِّيًا، فَهَلْ يَضْمَنُ مِقْدَارَ مَا أَتْلَفَ، أَمْ يَضْمَنُ سَائِرَهَا؟ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ: إِذَا أَتْلَفَ بَعْضَ الْوَدِيعَةِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ اتِّصَالٌ بِالْبَاقِي، كَأَحَدِ الثَّوْبَيْنِ، لَمْ يَضْمَنْ إِلاَّ الْمُتْلَفَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ اتِّصَالٌ، كَتَحْرِيقِ بَعْضِ الثَّوْبِ، وَقَطْعِ طَرَفِ الْبَهِيمَةِ، نُظِرَ: إِنْ كَانَ عَامِدًا، فَهُوَ جَانٍ عَلَى الْكُلِّ، فَيَضْمَنُ الْجَمِيعَ.وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا، ضَمِنَ الْمُتْلَفَ، وَلَا يَضْمَنُ الْبَاقِيَ عَلَى الْأَصَحِّ.وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ إِذَا طَرَأَ نُقْصَانٌ عَلَى قِيمَتِهَا لَزِمَهُ النُّقْصَانُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: تَلَفُ الْوَدِيعَةِ لِعَدَمِ دَفْعِ الْمُسْتَوْدَعِ الْهَلَاكَ عَنْهَا:

39- إِذَا تَلِفَتِ الْوَدِيعَةُ بِسَبَبِ امْتِنَاعِ الْوَدِيعِ عَنْ دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْهَا، كَمَا إِذَا وَقَعَ حَرِيقٌ فِي بَيْتِهِ، فَلَمْ يَنْقُلِ الْوَدِيعَةَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ؟ اخْتُلِفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:

الْأَوَّلُ: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: وَهُوَ أَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ ضَامِنًا لَهَا.وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ الْوَدِيعَةِ إِلَى مَحَلٍّ آخَرَ طَرِيقًا لِحِفْظِهَا، وَبِتَرْكِهِ الْحِفْظَ الْمُلْتَزَمَ بِالْعَقْدِ وَالْمُتَعَيَّنَ عَلَيْهِ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُ، صَارَ كَالْمُتْلِفِ لَهَا.

وَالثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّارَ أَتْلَفَتْهَا، وَهَذَا كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ تُحِيطُ بِهِ النَّارُ، وَرَجُلٌ مُسْلِمٌ قَادِرٌ عَلَى إِخْرَاجِهِ، فَلَمْ يَفْعَلْ، فَهُوَ عَاصٍ، وَلَا عَقْلَ عَلَيْهِ وَلَا قَوَدَ.

ب- إِيدَاعُ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ الْغَيْرِ:

40- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَإِسْحَاقُ وَالْقَاضِي شُرَيْحٌ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَدِيعِ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ غَيْرِهِ- مِمَّنْ لَيْسَ فِي عِيَالِهِ أَوْ مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ عَادَةً- عِنْدَ غَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ بِدُونِ إِذْنِ الْمَالِكِ، مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ.فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ صَارَ ضَامِنًا، حَتَّى وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ أَمِينًا.

لِأَنَّ الْمُودِعَ إِنَّمَا أَذِنَ لَهُ فِي حِفْظِهَا تَحْتَ يَدِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي وَضْعِهَا تَحْتَ يَدِ غَيْرِهِ، فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ، كَانَ مُتَعَدِّيًا، لِخُرُوجِهِ فِي حِفْظِهَا عَنِ الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، وَلِأَنَّ النَّاسَ مُتَفَاوِتُونَ فِي الْحِفْظِ وَالْأَمَانَةِ، وَالْمُودِعُ إِنَّمَا رَضِيَ بِحِفْظِهِ وَأَمَانَتِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلَمْ يُسَلِّطْهُ عَلَى أَنْ يُودِعَهَا غَيْرَهُ، فَإِذَا دَفَعَهَا إِلَى أَجْنَبِيٍّ، فَقَدْ صَارَ تَارِكًا الْحِفْظَ الَّذِي الْتَزَمَهُ، مُسْتَحْفِظًا عَلَيْهَا مَنِ اسْتَحْفَظَ مِنْهُ، وَذَلِكَ تَفْرِيطٌ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ.وَإِنَّمَا اسْتَثْنَيْتُ حَالَةَ الْعُذْرِ، لِأَنَّ الدَّفْعَ إِلَيْهِ فِيهَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْحِفْظِ، فَكَانَ مَأْذُونًا بِهِ مِنَ الْمَالِكِ دَلَالَةً، فَارْتَفَعَ سَبَبُ الضَّمَانِ.

وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى، فَقَالَ: لَهُ إِيدَاعُهَا عِنْدَ الْأَجْنَبِيِّ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ إِحْرَازُهَا وَحِفْظُهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَحْفَظُ بِهِ مَالَهُ، فَالْإِنْسَانُ قَدْ يُودِعُ مَالَ نَفْسِهِ عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يُودِعَ الْوَدِيعَةَ عِنْدَهُ، كَمَا لَوْ حَفِظَهَا فِي حِرْزِهِ.وَبِأَنَّ مِنْ مَلَكَ شَيْئًا بِنَفْسِهِ، مَلَكَ تَفْوِيضَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَقَدْ مَلَكَ الْوَدِيعُ حِفْظَ الْوَدِيعَةِ، فَيَمْلِكُ تَفْوِيضَهُ إِلَى غَيْرِهِ.

وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ حُكْمِ إِيدَاعِ الْوَدِيعَةِ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ عِيَالِهِ فِي الْفِقْرَةِ (26).

41- أَمَّا إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي إِيدَاعِهَا عِنْدَ الْأَجْنَبِيِّ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُودِعَهَا عِنْدَ ثِقَةٍ مَأْمُونٍ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، سَوَاءٌ قَدَرَ عَلَى دَفْعِهَا إِلَى الْحَاكِمِ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ، لِأَنَّهُ أَوْدَعَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ لِثِقَةٍ مَرْضِيٍّ، فَأَشْبَهَ إِيدَاعَهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ سَبَبَيْ حِفْظِهَا، فَكَانَ مُوكَّلًا إِلَى اجْتِهَادِهِ كَالْحِرْزِ.

وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَقَالُوا: إِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَالِكِهَا أَوْ وَكِيلِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وُصُولُهُ إِلَيْهِمَا، دَفَعَهَا إِلَى الْقَاضِي، إِذِ الْقَاضِي يَقُومُ مَقَامَ صَاحِبِهَا عِنْدَ غَيْبَتِهِ.فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَاضِيًا، دَفَعَهَا إِلَى أَمِينٍ ثِقَةٍ، لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، فَإِنْ تَرَكَ الدَّفْعَ إِلَى الْمَالِكِ أَوْ وَكِيلِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَدَفَعَهَا إِلَى الْحَاكِمِ الْعَدْلِ أَوِ الْأَمِينِ، ضَمِنَ، لِأَنَّهُ دَفَعَهَا إِلَى غَيْرِ مَالِكِهَا بِدُونِ إِذْنِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَضَمِنَهَا، كَمَا لَوْ أَوْدَعَهَا عِنْدَ أَجْنَبِيٍّ بِلَا عُذْرٍ.وَلَوْ دَفَعَهَا إِلَى أَمِينٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْحَاكِمِ ضَمِنَ، لِأَنَّ غَيْرَ الْحَاكِمِ لَا وِلَايَةَ لَهُ.وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ إِيدَاعُهَا، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَحْفَظَ لَهَا وَأَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهَا.

أَمَّا الِاسْتِعَانَةُ بِالْغَيْرِ فِي حَمْلِ الْوَدِيعَةِ وَوَضْعِهَا وَحِفْظِهَا فِي الْحِرْزِ أَوْ سَقْيِهَا أَوْ عَلْفِهَا فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ لِلْوَدِيعِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ.قَالَ الشَّافِعِيَّةُ إِذَا لَمْ يُزِلْ يَدَهُ عَنْهَا، لِأَنَّ الْعَادَةَ قَدْ جَرَتْ بِالِاسْتِعَانَةِ، وَلِأَنَّهُ مَا أَخْرَجَهَا عَنْ يَدِهِ وَلَا فَوَّضَ حِفْظَهَا إِلَى غَيْرِهِ.

ج- خَلْطُ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِهَا

42- لَا خِلَافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْوَدِيعَ إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِهَا، بِحَيْثُ تَتَمَيَّزُ عَنْهُ، أَوْ يَسْهُلُ تَفْرِيقُهَا مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا، وَذَلِكَ لِإِمْكَانِ فَصْلِهَا عَمَّا خُلِطَتْ بِهِ وَرَدِّهَا بِعَيْنِهَا إِلَى مَالِكِهَا عِنْدَ طَلَبِهِ بِيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَهَا فِي صُنْدُوقٍ فِيهِ أَكْيَاسٌ لَهُ.قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلاَّ إِذَا نَقَصَتِ الْوَدِيعَةُ بِالْخَلْطِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ أَرْشَ نُقْصَانِهَا.

أَمَّا إِذَا خُلِطَتْ بِمَا لَا يُمْكِنُ تَمَيُّزُهُ عَنْهَا أَوْ بِحَيْثُ يَعْسُرُ تَفْرِيقُ أَحَدِ الْمَالَيْنِ عَنِ الْآخَرِ، فَقَدْ فَرَّقَ الْفُقَهَاءُ بَيْنَ مَا إِذَا وَقَعَ ذَلِكَ بِإِذْنِ مَالِكِهَا أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: الْحَالَةُ الْأُولَى: خَلْطُ الْوَدِيعَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا:

43- إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ بِإِذْنِ مَالِكِهَا، فَقَدْ نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا فَوَّضَهُ الْمَالِكُ بِفِعْلِهِ، فَكَانَ نَائِبًا عَنْهُ فِيهِ.

وَاخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّ الْوَدِيعَ يَكُونُ شَرِيكًا لِلْمُودِعِ، وَفِي بَعْضِهَا ذَكَرَ أَنَّ لَهُمْ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ:

الْأَوَّلُ لِأَبِي حَنِيفَةَ: وَهُوَ أَنْ يَنْقَطِعَ حَقُّ الْمَالِكِ عَنِ الْوَدِيعَةِ بِكُلِّ حَالٍ مَائِعًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَائِعٍ، وَيَصِيرَ الْمَخْلُوطُ مِلْكَ الْخَالِطِ وَيَضْمَنَ الْخَالِطُ لِلْمُودِعِ حَقَّهُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى فِي مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ.

الثَّانِي لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيِّ، وَهُوَ أَنَّ الْوَدِيعَ يَصِيرُ شَرِيكًا لِمَالِكِ الْوَدِيعَةِ شَرِكَةَ مِلْكٍ اخْتِيَارِيَّةً، فَإِذَا هَلَكَتْ أَوْ ضَاعَتْ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ مِنْهُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.وَوَافَقَهُ أَبُو يُوسُفَ فِي غَيْرِ الْمَائِعِ.

وَالثَّالِثُ لِأَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ أَنَّهُ يَجْعَلُ الْأَقَلَّ تَابِعًا لِلْأَكْثَرِ، اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ، يَعْنِي أَنَّ مَنْ كَانَ مَالُهُ أَكْثَرَ يَكُونُ الْمَخْلُوطُ مِلْكَهُ، وَيَضْمَنُ لِلْآخَرِ حَقَّهُ وَذَلِكَ فِي الْمَائِعِ.

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: خَلْطُ الْوَدِيعَةِ بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا فِيمَا لَا يُمْكِنُ تَمَيُّزُهُ:

لِهَذِهِ الْحَالَةِ صُوَرٌ مُتَعَدِّدَةٌ بَيَانُهَا فِيمَا يَلِي:

(أ) خَلْطُ الْوَدِيعِ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ أَوْ مَالِ غَيْرِهِ:

44- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ: فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْوَدِيعَ إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ أَوْ بِغَيْرِ مَالِهِ، عَلَى وَجْهٍ يَتَعَسَّرُ مَعَهُ تَمْيِيزُ الْمَالَيْنِ عَنْ بَعْضِهِمَا، فَعَلَيْهِ ضَمَانُهَا، سَوَاءٌ خَلَطَهَا بِمِثْلِهَا أَوْ دُونِهَا أَوْ أَجْوَدَ مِنْهَا، مِنْ جِنْسِهَا أَوْ غَيْرِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ خَلْطَ مُجَاوَرَةٍ كَقَمْحٍ بِقَمْحٍ أَوْ بِشَعِيرٍ أَوْ خَلْطَ مُمَازَجَةٍ كَالْخَلِّ بِالزَّيْتِ، لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لَهَا حُكْمًا بِالْخَلْطِ، لِتَعَذُّرِ رَدِّهَا لِمَالِكِهَا بَعْدَهُ.

قَالَ السَّرَخْسِيُّ: الْخَلْطُ أَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ:

خَلْطٌ يَتَعَذَّرُ التَّمْيِيزُ بَعْدَهُ، كَخَلْطِ الشَّيْءِ بِجِنْسِهِ.فَهَذَا مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ بِهِ عَلَى الْمَالِكِ الْوُصُولُ إِلَى عَيْنِ مِلْكِهِ.

وَخَلْطٌ يَتَيَسَّرُ مَعَهُ التَّمْيِيزُ، كَخَلْطِ الدَّرَاهِمِ السُّودِ بِالْبِيضِ، وَالدَّرَاهِمِ بِالدَّنَانِيرِ.فَهَذَا لَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، لِتَمَكُّنِ الْمَالِكِ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى عَيْنِ مِلْكِهِ، فَهَذِهِ مُجَاوَرَةٌ، وَلَيْسَتْ بِخَلْطٍ.وَخَلْطٌ يَتَعَسَّرُ مَعَهُ التَّمْيِيزُ، كَخَلْطِ الْحِنْطَةِ بِالشَّعِيرِ.فَهَذَا مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ عَلَى الْمَالِكِ الْوُصُولُ إِلَى عَيْنِ مِلْكِهِ إِلاَّ بِحَرَجٍ، وَالْمُتَعَسِّرُ كَالْمُتَعَذِّرِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَدِيعَ إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعَةَ بِمَا هُوَ غَيْرُ مُمَاثِلٍ لَهَا جِنْسًا أَوْ صِفَةً مِنْ مَالِهِ، كَخَلْطِ الْقَمْحِ بِالشَّعِيرِ وَنَحْوَهُ، فَيَلْزَمُهُ الضَّمَانُ، لِتَعَدِّيهِ بِذَلِكَ، حَيْثُ إِنَّهُ فَوَّتَ عَيْنَهَا بِالْخَلْطِ، فَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَخْلِيصِهَا، لِأَنَّهَا لَا تَتَمَيَّزُ، وَلَيْسَتْ مُمَاثِلَةً لِمَا خُلِطَ بِهَا، فَلَا يُمْكِنُ الْقِسْمَةُ.

أَمَّا إِذَا خَلَطَهَا بِجِنْسِهَا الْمُمَاثِلِ لَهَا جَوْدَةً وَرَدَاءَةً، كَحِنْطَةٍ بِمِثْلِهَا، أَوْ ذَهَبٍ بِمِثْلِهِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ إِذَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الْإِحْرَازِ وَالرِّفْقِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّمَلُّكِ.وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُودِعَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ قَدْ دَخَلَ، إِذْ قَدْ يَشُقُّ عَلَى الْوَدِيعِ أَنْ يَجْعَلَ كُلَّ مَا أَوْدَعَهُ عَلَى حِدَةٍ.وَلِأَنَّهُ لَوْ تَعَدَّى عَلَى الْوَدِيعَةِ فَأَكَلَهَا، ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهَا، ثُمَّ ضَاعَتْ بَعْدَ رَدِّهِ، لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَخَلَطَهُ بِمِثْلِهَا كَرَدِّ مِثْلِهَا، فَلَا يُوجِبُ الضَّمَانَ إِذَا هَلَكَتْ.

(ب) خَلْطُ الْوَدِيعِ الْوَدِيعَةَ بِمَالٍ لِصَاحِبِهَا:

45- نَقَلَ صَاحِبُ الْمُبْدِعِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ عَنِ الرِّعَايَةِ أَنَّهُ إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعُ إِحْدَى وَدِيعَتَيْ زَيْدٍ بِالْأُخْرَى بِلَا إِذْنِهِ، وَتَعَذَّرَ التَّمْيِيزُ بَيْنَهُمَا، فَفِي ضَمَانِهِ وَجْهَانِ.

وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا خَلَطَ الْوَدِيعُ الْوَدِيعَةَ بِمَالٍ آخَرَ لِصَاحِبِهَا، فَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ لَهُ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي تَفْرِيقِهِ.

وَالثَّانِي: وَهُوَ الْأَصَحُّ، أَنَّهُ يَضْمَنُ، لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِذَلِكَ، إِذْ لَمْ يَرْضَ الْمُودِعُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُخْتَلِطًا بِالْآخَرِ.

(ج) خَلْطُ غَيْرِ الْوَدِيعِ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ:

46- قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا خَلَطَ غَيْرُ الْوَدِيعِ الْوَدِيعَةَ بِمَالِهِ أَوْ بِمَالِ غَيْرِهِ، فَعَلَى الْخَالِطِ ضَمَانُهَا، لِأَنَّهُ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِلْفِعْلِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ، لِانْعِدَامِ الْخَلْطِ مِنْهُ حَقِيقَةً وَحُكْمًا.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ ضَمِنَهَا الْخَالِطُ، وَإِنْ شَاءَ شَارَكَ فِي الْعَيْنِ بِمِقْدَارِ حِصَّتِهِ، وَكَانَا شَرِيكَيْنِ.

(د) اخْتِلَاطُ الْوَدِيعَةِ بِمَالِ الْوَدِيعِ بِغَيْرِ صُنْعِهِ:

47- ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ إِذَا اخْتَلَطَتِ الْوَدِيعَةُ بِمَالِهِ بِلَا صُنْعِهِ، لِانْعِدَامِ الْفِعْلِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ مِنْ جِهَتِهِ، وَلِأَنَّهَا لَوْ تَلِفَتْ حَقِيقَةً بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ أَوْ تَفْرِيطٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَاخْتِلَاطُهَا بِغَيْرِهَا أَوْلَى.

بَلْ إِنَّ الْحَنَفِيَّةَ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ شَرِيكًا لِمَالِكِ الْوَدِيعَةِ شَرِكَةَ مِلْكٍ جَبْرِيَّةً، كُلٌّ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ، لِوُجُودِ مَعْنَى الشَّرِكَةِ، وَهُوَ اخْتِلَاطُ الْمِلْكَيْنِ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: وَإِنِ اخْتَلَطَتِ الْوَدِيعَةُ بِغَيْرِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنَ الْوَدِيعِ فَلَا ضَمَانَ فَإِنْ ضَاعَ الْبَعْضُ جَعَلَ مِنْ مَالِ الْوَدِيعِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ.

وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُمَا يَصِيرَانِ شَرِيكَيْنِ، قَالَ الْمَجْدُ: وَلَا يَبْعُدُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْهَالِكُ مِنْهُمَا.

(هـ) خَلْطُ الْوَدِيعِ وَدِيعَتَيْنِ لِشَخْصَيْنِ:

48- قَالَ الْكَاسَانِيُّ: لَوْ أَوْدَعَهُ رَجُلَانِ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَخَلَطَ الْوَدِيعُ الْمَالَيْنِ خَلْطًا لَا يَتَمَيَّزُ، فَلَا سَبِيلَ لَهُمَا عَلَى أَخْذِ الدَّرَاهِمِ، وَيَضْمَنُ الْوَدِيعُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفًا، وَيَكُونُ الْمَخْلُوطُ لَهُ.وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.

وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةِ: أَنَّهُ لَمَّا خَلَطَهُمَا خَلْطًا لَا يَتَمَيَّزُ، فَقَدْ عَجَزَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الِانْتِفَاعِ بِالْمَخْلُوطِ، فَكَانَ الْخَلْطُ مِنْهُ إِتْلَافًا لِلْوَدِيعَةِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَيَضْمَنُ.

وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: هُمَا بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَا اقْتَسَمَا الْمَخْلُوطَ نِصْفَيْنِ، وَإِنْ شَاءَا ضَمِنَا الْوَدِيعَ أَلْفَيْنِ.

وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ سَائِرُ الْمُكَيَّلَاتِ والْمَوْزُونَاتِ إِذَا خُلِطَ الْجِنْسُ بِالْجِنْسِ خَلْطًا لَا يَتَمَيَّزُ، كَالْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ بِالشَّعِيرِ، وَالدُّهْنِ بِالدُّهْنِ.

وَجْهُ قَوْلِهِمَا: أَنَّ الْوَدِيعَةَ قَائِمَةٌ بِعَيْنِهَا، لَكِنَّ عَجْزَ الْمَالِكِ عَنِ الْوُصُولِ إِلَيْهَا بِعَارِضِ الْخَلْطِ فَإِنْ شَاءَا اقْتَسَمَا لِاعْتِبَارِ جِهَةِ الْقِيَامِ، وَإِنْ شَاءَا ضَمِنَا لِاعْتِبَارِ جِهَةِ الْعَجْزِ.

وَلَوْ أَوْدَعَهُ رَجُلٌ حِنْطَةً، وَآخَرُ شَعِيرًا، فَخَلَطَهُمَا، فَهُوَ ضَامِنٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِثْلَ حَقِّهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّ الْخَلْطَ إِتْلَافٌ.

وَعِنْدَهُمَا: لَهُمَا أَنْ يَأْخُذَا الْعَيْنَ وَيَبِيعَاهَا وَيَقْتَسِمَا الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ الْحِنْطَةِ مَخْلُوطَةً بِالشَّعِيرِ، وَعَلَى قِيمَةِ الشَّعِيرِ غَيْرَ مَخْلُوطٍ بِالْحِنْطَةِ، لِأَنَّ قِيمَةَ الْحِنْطَةِ تَنْقُصُ بِخَلْطِ الشَّعِيرِ، وَهُوَ يَسْتَحِقُّ الثَّمَنَ لِقِيَامِ الْحَقِّ فِي الْعَيْنِ، وَهُوَ مُسْتَحِقُّ الْعَيْنِ، بِخِلَافِ قِيمَةِ الشَّعِيرِ، لِأَنَّ قِيمَةَ الشَّعِيرِ تَزْدَادُ بِالْخَلْطِ بِالْحِنْطَةِ، وَتِلْكَ الزِّيَادَةُ مِلْكُ الْغَيْرِ، فَلَا يَسْتَحِقُّهَا صَاحِبُ الشَّعِيرِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


19-موسوعة الفقه الكويتية (يسار)

يَسَارٌ

التَّعْرِيفُ:

1 ـ يُطْلَقُ الْيَسَارُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْغِنَى وَالسَّعَةِ، يُقَالُ: أَيْسَرَ الرَّجُلُ إِيسَارًا: صَارَ ذَا مَالٍ، وَجَاءَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الْيَسَارُ وَالْيُسْرُ وَالْمَيْسَرَةُ كُلُّ هَذَا بِمَعْنَى: الْغِنَى وَالسَّعَةُ.وَفِي التَّنْزِيلِ: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} وَالْيُسْرُ ضِدُّ الْعُسْرِ، وَفِي التَّنْزِيلِ: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}.

كَمَا يُطْلَقُ الْيَسَارُ عَلَى الْجَارِحَةِ أُخْتِ الْيَمِينِ.

وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ ـ الْغِنَى:

2 ـ الْغِنَى فِي اللُّغَةِ: السَّعَةُ فِي الْمَالِ، يُقَالُ: أَغْنَى اللَّهُ الرَّجُلَ حَتَّى غَنِيَ: صَارَ ذَا مَالٍ.

وَلَا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الِاصْطِلَاحِيُّ لِلْيَسَارِ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.

وَالْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْيَسَارِ وَالْغِنَى: الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ.

ب ـ الْإِعْسَارُ:

3 ـ الْإِعْسَارُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ أَعْسَرَ وَهُوَ ضِدُّ الْيَسَارِ.

وَالْعُسْرَةُ: قِلَّةُ ذَاتِ الْيَدِ، وَكَذَلِكَ الْإِعْسَارُ.

والْإِعْسَارُ فِي الِاصْطِلَاحِ: عَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى النَّفَقَةِ أَوْ أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ بِمَالٍ وَلَا كَسْبٍ.

وَقِيلَ: هُوَ زِيَادَةُ خَرْجِهِ عَنْ دَخْلِهِ.

وَالْيَسَارُ بِأَحَدِ مَعَانِيهِ ضِدُّ الْإِعْسَارِ.

الْأَحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْيَسَارِ:

أَوَّلًا: الْيَسَارُ بِمَعْنَى الْغِنَى وَالسَّعَةِ:

تَتَعَلَّقُ بِالْيَسَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى أَحْكَامٌ مِنْهَا: الْأَوَّلُ: طَلَبُ الْيَسَارِ وَالسَّعْيُ لِتَحْصِيلِهِ:

4 ـ طَلَبُ الْيَسَارِ وَالسَّعْيُ لِتَحْصِيلِهِ مَشْرُوعٌ، وَفِي التَّنْزِيلِ آيَاتٌ تَحُثُّ الْمُسْلِمَ عَلَى السَّعْيِ لِطَلَبِ الرِّزْقِ وَكَسْبِ الْمَالِ بِالْوَسَائِلِ الْمَشْرُوعَةِ، قَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}.

وَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ}.

وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ- رضي الله عنه- عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ، قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَجِدْ؟ قَالَ: يَعْتَمِلُ بِيَدَيْهِ فَيَنْفَعُ نَفْسَهُ وَيَتَصَدَّقُ، قَالَ: قِيلَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: يُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ الْمَلْهُوفَ، قَالَ: قِيلَ لَهُ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ؟ قَالَ: يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَوِ الْخَيْرِ، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ؟ قَالَ: يُمْسِكُ عَنِ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ».

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ- رضي الله عنهما- قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَنْ أَطْيَبِ الْكَسْبِ، قَالَ: «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ، وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ».

وَعَنْ عَائِشَةَ- رضي الله عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ».

وَالْأَصْلُ فِي طَلَبِ الْيَسَارِ الْإِبَاحَةُ، وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا أَوْ مَكْرُوهًا.

انْظُرْ مُصْطَلَحَ (اكْتِسَابٌ ف 4 ـ 6، وَغِنًى ف 6 ـ 8، كَسْبٌ 7- 8).

الثَّانِي: اعْتِبَارُ الْيَسَارِ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ:

5 ـ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اعْتِبَارِ الْيَسَارِ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِلِ الْأَصَحِّ ـ وَهُوَ مَا رَجَّحَهُ الْأَذْرَعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ ـ إِلَى اعْتِبَارِ الْيَسَارِ فِي الْكَفَاءَةِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْأَصَحِّ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْيَسَارِ فِي الْكَفَاءَةِ.

(ر: كَفَاءَةٌ ف 11، وَغِنًى ف 23).

الثَّالِثُ: أَثَرُ الْيَسَارِ فِي النَّفَقَةِ:

أ- أَثَرُ الْيَسَارِ فِي النَّفَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ:

6 ـ يُعْتَبَرُ الْيَسَارُ فِي قَدْرِ النَّفَقَةِ الزَّوْجِيَّةِ وَنَوْعِهَا، فَيَخْتَلِفُ قَدْرُهَا وَنَوْعُهَا بِيُسْرِ الزَّوْجِ وَعُسْرِهِ؛ لقوله تعالى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ}.

وَقَوْلِهِ جَلَّ شَأْنُهُ: {عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ}.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (نَفَقَةٌ ف 1، غِنًى ف 16).

ب- أَثَرُ الْيَسَارِ فِي نَفَقَةِ الْقَرِيبِ:

7 ـ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَفَقَةُ الْقَرِيبِ عَلَى الْقَرِيبِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ مُوسِرًا بِفَاضِلٍ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي (نَفَقَةٌ ف 50- 55، 60).

الرَّابِعُ: أَثَرُ الْيَسَارِ فِي الْكَفَّارَاتِ الْمُرَتَّبَةِ:

8 ـ يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْعِتْقِ فِي كَفَّارَاتِ الظِّهَارِ، وَقَتْلِ النَّفْسِ، وَالْإِفْطَارِ بِالْجِمَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَنْ يَكُونَ الْمُكَفِّرُ مُوسِرًا، بِأَنْ يَمْلِكَ رَقَبَةً تُجْزِئُهُ لِلْكَفَّارَةِ أَوْ ثَمَنَهَا فَاضِلًا عَنْ كِفَايَةِ نَفْسِهِ وَكِفَايَةِ عِيَالِهِ: نَفَقَةً وَكُسْوَةً وَسُكْنَى وَأَثَاثًا لَا بُدَّ مِنْهُ، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ مَا ذُكِرَ تَنْتَقِلُ إِلَى الْخِصَالِ الْأُخْرَى، وَهَذَا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمُظَاهِرَ إِذَا عَجَزَ عَنِ الْعِتْقِ وَقْتَ الْأَدَاءِ صَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.

أَمَّا الْقَادِرُ وَقْتَ الْأَدَاءِ عَلَى عِتْقِ الرَّقَبَةِ، بِأَنْ كَانَ عِنْدَهُ ثَمَنُهَا أَوْ مَا يُسَاوِي ثَمَنَ رَقَبَةٍ مِنْ دَابَّةٍ أَوْ دَارٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَى ذَلِكَ لِأَجْلِ مَرَضٍ أَوْ لِمَنْصِبٍ، كَمَا إِذَا كَانَ مِثْلُهُ لَا يَخْدِمُ نَفْسَهُ، أَوْ سُكْنَى مَسْكَنٍ، فَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ حِينَئِذٍ، وَلَا يُتْرَكُ لَهُ قُوتُهُ وَلَا النَّفَقَةُ الْوَاجِبَةُ عَلَيْهِ، وَلَا يُعْذَرُ بِالِاحْتِيَاجِ تَشْدِيدًا عَلَيْهِ، حَيْثُ ارْتَكَبَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (كَفَارَّاتٌ ف 68، غِنًى ف 15).

حَدُّ الْيَسَارِ:

أ ـ حَدُّ الْيَسَارِ فِي الزَّكَاةِ:

9 ـ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ حَدَّ الْيَسَارِ الْغِنَى) الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ هُوَ أَنْ يَمْلِكَ الْمُكَلَّفُ نِصَابًا مِنَ الْمَالِ الْفَاضِلِ عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ.

وَانْظُرْ تَفْصِيلَ ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (زَكَاةٌ ف 28، 31، غِنًى ف 14، زَكَاةُ الْفِطْرِ ف 6).

ب ـ حَدُّ الْيَسَارِ فِي تَحْرِيمِ السُّؤَالِ:

10- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ الْغِنَى الَّذِي لَا يُشْرَعُ مَعَهُ السُّؤَالُ.

وَلِلتَّفْصِيلِ انْظُرْ مُصْطَلَحَ (غِنًى ف 12، سُؤَالٌ ف9).

ج- حَدُّ الْيَسَارِ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ:

11- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ الْقَائِلُونَ بِاعْتِبَارِ الْيَسَارِ فِي الْكَفَاءَةِ فِي حَدِّهِ، وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (كَفَاءَةٌ ف 11، غِنًى ف 23).

د ـ حَدُّ الْيَسَارِ فِي النَّفَقَاتِ:

حَدُّ يَسَارِ الزَّوْجِ فِي فَرْضِ نَفَقَةِ الْمُوسِرِينَ لِزَوْجَتِهِ:

12- ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ تَحْدِيدَ يَسَارِ الزَّوْجِ الَّذِي تُقَدَّرُ مَعَهُ نَفَقَةُ الْمُوسِرِينَ لِلزَّوْجَةِ مَوْكُولٌ إِلَى الْعُرْفِ، وَالنَّظَرِ إِلَى الْحَالِ مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الْإِنْفَاقِ وَعَدَمِهِ.

قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: صَرَّحُوا بِبَيَانِ الْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ فِي نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ عَرَّفَهُمَا فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ، وَلَعَلَّهُمْ وَكَلُوا ذَلِكَ إِلَى الْعُرْفِ وَالنَّظَرِ إِلَى الْحَالِ مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الْإِنْفَاقِ وَعَدَمِهِ.

وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي تَحْدِيدِ يَسَارِ الزَّوْجِ وَإِعْسَارِهِ الَّذَيْنِ يَخْتَلِفُ قَدْرُ الْوَاجِبِ مِنَ النَّفَقَةِ بِاخْتِلَافِهِمَا أَوْجُهٌ

أَحَدُهَا وَهُوَ الْمَذْهَبُ: أَنَّ الْمُعْسِرَ هُوَ مِسْكِينُ الزَّكَاةِ، وَهُوَ مَنْ قَدَرَ عَلَى مَالٍ أَوْ كَسْبٍ يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَلَا يَكْفِيهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ فَقِيرَهَا كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَمنْ فَوْقِ الْمِسْكِينِ إِنْ كَانَ لَوْ كُلِّفَ إِنْفَاقَ مَدِينٍ رَجَعَ مِسْكِينًا فَمُتَوَسِّطٌ، وَإِلاَّ بِأَنْ لَمْ يَرْجِعْ مِسْكِينًا فَمُوسِرٌ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِالرُّخْصِ وَالرَّخَاءِ وَقِلَّةِ الْعِيَالِ وَكَثْرَتِهِمْ.

وَفِي وَجْهٍ آخَرَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْمُوسِرَ مَنْ يَزِيدُ دَخْلُهُ عَلَى خَرْجِهِ، وَالْمُعْسِرُ عَكْسُهُ، وَالْمُتَوَسِّطُ مَنْ تَسَاوَى خَرْجُهُ وَدَخْلُهُ.

وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ، وَحَكَاهُ الْبَغَوِيُّ.

وَفِي وَجْهٍ عِنْدَهُمْ أَيْضًا: أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْكَسْبِ، فَمَنْ قَدَرَ عَلَى نَفَقَةِ الْمُوسِرِينَ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَمَنْ فِي نَفَقَتِهِ مِنْ كَسْبِهِ لَا مِنْ أَصْلِ مَالِهِ فَهُوَ مُوسِرٌ، وَمَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُنْفِقَ مِنْ كَسْبِهِ فَمُعْسِرٌ، وَمَنْ قَدَرَ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ كَسْبِهِ نَفَقَةَ الْمُتَوَسِّطِينَ فَمُتَوَسِّطٌ، وَبِهِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ.

وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: الْمُوسِرُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى النَّفَقَةِ بِمَالِهِ أَوْ كَسْبِهِ، وَالْمُعْسِرُ: مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا لَا بِمَالِهِ وَلَا بِكَسْبِهِ، وَقِيلَ: الْمُعْسِرُ مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ، وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.

وَالْمُتَوَسِّطُ: مَنْ يَقْدِرُ عَلَى بَعْضِ النَّفَقَةِ بِمَالِهِ أَوْ كَسْبِهِ.

وَقَالَ صَاحِبُ الرِّعَايَةِ: مِسْكِينُ الزَّكَاةِ مُعْسِرٌ، وَمَنْ فَوْقَهُ مُتَوَسِّطٌ، وَإِلاَّ فَهُوَ مُوسِرٌ.

وَلِلتَّفْصِيلِ فِيمَا يُرَاعَى فِي نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ مِنْ حَالِ الزَّوْجَيْنِ مِنْ حَيْثُ الْيَسَارُ وَالْإِعْسَارُ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (غِنًى ف 16، وَنَفَقَةٌ ف9).

حَدُّ الْيَسَارِ فِي نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ:

13- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ الْيَسَارِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ الْأَقَارِبِ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي (نَفَقَةٌ ف 52، 55، 66).

هـ ـ حَدُّ الْيَسَارِ فِي الْأُضْحِيَّةِ:

14- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْغِنَى فِيمَنْ تُسَنُّ لَهُ الْأُضْحِيَّةُ أَوْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَفِي حَدِّ الْغِنَى عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُهُ.

وَالتَّفْصِيلُ فِي مُصْطَلَحِ (غِنًى ف 21، أُضْحِيَّةٌ ف 7، 16).

و ـ حَدُّ يَسَارِ مَنْ يَتَحَمَّلُ الدِّيَةَ مِنَ الْعَاقِلَةِ:

15- اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ الْيَسَارِ الْمُشْتَرَطِ فِيمَنْ يَتَحَمَّلُ الدِّيَةَ مِنَ الْعَاقِلَةِ.

وَالتَّفْصِيلُ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (غِنًى ف 18).

ثَانِيًا: الْيَسَارُ بِمَعْنَى الْعُضْوِ الْأَيْسَرِ لِلْإِنْسَانِ:

تَتَعَلَّقُ بِالْيَسَارِ بِهَذَا الْمَعْنَى أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أ ـ مَا يُنْدَبُ تَقْدِيمُ الْيَسَارِ فِيهِ:

16- الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي تَقْدِيمِ الْيَسَارِ عَلَى الْيَمِينِ: أَنَّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيمِ يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَامُنُ، وَمَا كَانَ بِضِدِّهِ يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَاسُرُ.

16- فَمِمَّا يُنْدَبُ فِيهِ التَّيَاسُرُ دُخُولُ الْخَلَاءِ: فَيُنْدَبُ لِدَاخِلِ الْخَلَاءِ الْمِرْحَاضِ) أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي الدُّخُولِ فِيهِ، وَأَنْ يُؤَخِّرَهَا فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ، وَبِمَعْنَى الرِّجْلِ بَدَلُهَا مِنْ فَاقِدِهَا.

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ التَّعْبِيرَ بِالْخَلَاءِ وَبِالدُّخُولِ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ}.

فَالَّذِي يَرْغَبُ فِي قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِي الصَّحْرَاءِ يُنْدَبُ لَهُ أَنْ يُقَدِّمَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فِي مَوْضِعِ جُلُوسِهِ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ، وَأَنْ يُؤَخِّرَهَا عِنْد الِانْصِرَافِ مِنْهُ، وَقَالُوا: فَدَنَاءَةُ الْمَوْضِعِ قَبْلَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ فِيهِ تَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْقَصْدِ قَبْلَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ كَالْخَلَاءِ الْجَدِيدِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ أَحَدٌ فِيهِ حَاجَةً، وَمِثْلُ مَا ذُكِرَ: كُلُّ مَكَانٍ مُتَقَذِّرٍ وَدَنِيءٍ.

(ر: قَضَاءُ الْحَاجَةِ ف 8، 32).

18- وَيُسَنُّ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْيَسَارِ بَعْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ لِلِاتِّبَاعِ فَقَدْ جَاءَ فِي الْخَبَرِ عَنْ سَلْمَانَ- رضي الله عنه-: «نَهَانَا ـ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- ـ أَنْ يَسْتَنْجِيَ أَحَدُنَا بِيَمِينِهِ».

وَلِلتَّفْصِيلِ (ر: اسْتِنْجَاءٌ ف 30).

ب ـ مَا يُنْدَبُ تَأْخِيرُ الْيَسَارِ فِيهِ:

19- الْأَصْلُ اسْتِحْبَابُ تَأْخِيرِ الْيَسَارِ عَنِ الْيَمِينِ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَالتَّشْرِيفِ، وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ اسْتِحْبَابُ تَأْخِيرِ الْيَسَارِ عَنِ الْيَمِينِ فِي الْخُرُوجِ مِنَ الْمَسْجِدِ وَالْوُضُوءِ وَاللِّبَاسِ وَخِصَالِ الْفِطْرَةِ، وَمَا إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ.

(ر: تَيَامُنٌ ف 4 ـ 13).

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


20-المعجم الغني (حَظٌّ)

حَظٌّ- الجمع: حُظُوظٌ. [حظظ]، (مصدر: حَظَّ):

1- "هَذَا مِنْ حَظِّهِ": مِنْ نَصِيبِهِ. "لَيْسَ أحْسَنَ مِنْهُ حَظًّا".

2- "لَهُ حَظٌّ غَرِيبٌ": يَتَمَتَّعُ بِيُسْرٍ.

3- "مِنْ حُسْنِ حَظِّهِ": مِنْ حُسْنِ طَالِعِهِ. "مِنْ سُوءِ حَظِّهِ".

4- "أتَمَنَّى لَكَ حَظًّا سَعِيدًا": سَعَادَةً.

5- "لِحُسْنِ الحَظِّ": لِحُسْنِ الْمُصَادَفَةِ.

6- "جَرَّبَ حَظَّهُ": كَرَّرَ الْمُحَاوَلَةَ لِلْكَسْبِ وَالفَوْزِ.

الغني-عبدالغني أبوالعزم-صدر: 1421هـ/2001م


21-المعجم الغني (سُهولَةٌ)

سُهولَةٌ- [سهل]، (مصدر: سَهُلَ)، "أَجابَ بِسُهولَةٍ": بِبَساطَةٍ، بِيُسْرِ، بِلا عَناءٍ أَوْ صُعُوبَةٍ. "وَجَدَ سُهولَةً في العَمَلِ".

الغني-عبدالغني أبوالعزم-صدر: 1421هـ/2001م


22-المعجم الغني (يُسْرٌ)

يُسْرٌ- [يسر]، (مصدر: يَسُرَ):

1- "عَاشَ فِي يُسْرٍ": فِي بَحْبُوحَةِ عَيْشٍ، فِي رَغَدٍ وَغِنىً وَسَعَةٍ.

2- "يَشْتَغِلُ بِيُسْرٍ": بِلُطْفٍ، بِلا تَعَبٍ وَلَا مَشَقَّةٍ. "حَمَلَهَا بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ بِيُسْرٍ".

3- "عَرَفَ يُسْرًا بَعْدَ عُسْرٍ": اِنْفِرَاجًا، فَرَجًا. {إنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 6]:

4- "وَلَا أَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَعَمَّ إِفْلَاسًا وَلَا أَشَدَّ نَكْبَةً وَلَا أَكْثَرَ تَحَوُّلًا مِنْ يُسْرٍ إِلَى عُسْرٍ". (الجاحظ)

الغني-عبدالغني أبوالعزم-صدر: 1421هـ/2001م


23-لسان العرب (يسر)

يَسَرَ: اليَسْرُ: اللِّينُ وَالِانْقِيَادُ يَكُونُ ذَلِكَ للإِنسان وَالْفَرَسِ، وَقَدْ يَسَرَ يَيْسِرُ.

وياسَرَه: لايَنَهُ؛ أَنشد ثَعْلَبٌ:

قَوْمٌ إِذا شُومِسُوا جَدَّ الشِّماسُ بِهِمْ ***ذاتَ العِنادِ، وإِن ياسَرْتَهُمْ يَسَرُوا

وياسَرَه أَي ساهَلَه.

وَفِي الْحَدِيثِ: «إِن هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ»؛ اليُسْرُ ضِدُّ الْعُسْرِ، أَراد أَنه سَهْلٌ سَمْح قَلِيلٌ التَّشْدِيدَ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا».

وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: مَنْ أَطاع الإِمام وياسَرَ الشَّريكَ أَي سَاهَلَهُ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «كَيْفَ تركتَ الْبِلَادَ؟ فَقَالَ: تَيَسَّرَتْ» أَي أَخصبت، وَهُوَ مِنَ اليُسْرِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ، وَقَدْ ذُكِرَ فِي فَصْلِ الْعَيْنِ».

وَفِي الْحَدِيثِ: «تَياسَرُوا فِي الصَّداق» أَي تَسَاهَلُوا فِيهِ وَلَا تُغالُوا.

وَفِي الْحَدِيثِ: «اعْمَلُوا وسَدِّدوا وَقَارَبُوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ» أَي مُهَيَّأٌ مصروفٌ مُسَهَّلٌ.

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ وَقَدْ يُسِّرَ لَهُ طَهُورٌ أَي هُيِّئَ ووُضِع.

وَمِنْهُ الْحَدِيثُ: قَدْ تَيَسَّرا لِلْقِتَالِ "أَي تَهَيَّآ لَهُ واسْتَعَدّا.

اللَّيْثُ: يُقَالُ إِنه ليَسْرٌ خَفِيفٌ ويَسَرٌ إِذا كَانَ لَيِّنَ الِانْقِيَادِ، يُوصَفُ بِهِ الإِنسان وَالْفَرَسُ؛ وأَنشد:

إِني، عَلَى تَحَفُّظِي ونَزْرِي ***أَعْسَرُ، إِن مارَسْتَنِي بعُسْرِ

ويَسَرٌ لِمَنْ أَراد يُسْرِي "وَيُقَالُ: إِن قَوَائِمَ هَذَا الْفَرَسِ ليَسَرَات خِفافٌ؛ يَسَرٌ إِذا كُنَّ طَوْعَه، وَالْوَاحِدَةُ يَسْرَةٌ ويَسَرَةٌ.

واليَسَرُ: السَّهْلُ؛ وَفِي قَصِيدِ كَعْبٍ: " تَخْدِي عَلَى يَسَراتٍ وَهِيَ لاهِيةٌ "اليَسَراتُ: قَوَائِمُ النَّاقَةِ.

الْجَوْهَرِيُّ: اليَسَرات الْقَوَائِمُ الْخِفَافُ.

ودابةٌ حَسَنَةُ التَّيْسُورِ أَي حَسَنَةُ نَقْلِ الْقَوَائِمِ.

ويَسَّرَ الفَرَسَ: صَنَعه.

وَفَرَسٌ حسنُ التَّيْسورِ أَي حَسَنُ السِّمَنِ، اسْمٌ كالتَّعْضُوضِ.

أَبو الدُّقَيْش: يَسَرَ فلانٌ فرسَه، فَهُوَ مَيْسُورٌ، مصنوعٌ سَمِين؛ قَالَ المَرَّارُ يَصِفُ فَرَسًا:

قَدْ بلَوْناه عَلَى عِلَّاتِه ***وَعَلَى التَّيْسُورِ مِنْهُ والضُّمُرْ

والطَّعْنُ اليَسْرُ: حِذاءَ وجهِك.

وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «اطْعَنُوا اليَسْرَ»؛ هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ السِّينِ الطَّعْنُ حذاءَ الْوَجْهِ.

وَوَلَدَتِ المرأَة وَلَدًا يَسَرًا أَي فِي سُهُولَةٍ، كقولك سَرَحًا، وَقَدْ أَيْسَرَتْ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَزَعَمَ اللِّحْيَانِيُّ أَن الْعَرَبَ تَقُولُ فِي الدُّعَاءِ وأَذْكَرَتْ أَتَتْ بِذِكْرٍ، ويَسَرَتِ الناقةُ: خَرَجَ وَلَدُهَا سَرَحًا؛ وأَنشد ابْنُ الأَعرابي:

فَلَوْ أَنها كَانَتْ لِقَاحِي كَثِيرَةً ***لَقَدْ نَهِلَتْ مِنْ ماءِ حُدٍّ وعَلَّتِ

وَلَكِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثًا مَياسِرًا ***وحائلَ حُولٍ أَنْهَرَتْ فأَحَلَّتِ

ويَسَّرَ الرجلُ سَهُلَتْ وِلادَةُ إِبله وَغَنَمِهِ وَلَمْ يَعْطَبْ مِنْهَا شَيْءٍ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:

بِتْنا إِليه يَتَعاوَى نَقَدُه ***مُيَسِّرَ الشاءِ كَثِيرًا عَدَدُه

وَالْعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ يَسَرَتِ الغَنَمُ إِذا وَلَدَتْ وتهيأَت لِلْوِلَادَةِ.

ويَسَّرَتِ الْغَنَمُ: كَثُرَتْ وَكَثُرَ لَبَنُهَا وَنَسْلُهَا، وَهُوَ مِنَ السُّهُولَةِ؛ قَالَ أَبو أُسَيْدَةَ الدُّبَيْرِيُ:

إِنَّ لَنَا شَيْخَيْنِ لَا يَنْفَعانِنَا ***غَنِيَّيْن، لَا يُجْدِي عَلَيْنَا غِناهُما

هُمَا سَيِّدَانا يَزْعُمانِ، وإِنما ***يَسُودَانِنا أَنْ يَسَّرْتْ غَنَماهما

أَي لَيْسَ فِيهِمَا مِنَ السِّيَادَةِ إِلا كَوْنُهُمَا قَدْ يَسَّرَتْ غَنِمَاهُمَا، والسُّودَدَ يُوجِبُ البذلَ وَالْعَطَاءَ والحِراسَة وَالْحِمَايَةَ وَحُسْنَ التَّدْبِيرِ وَالْحُلْمَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمَا مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ.

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ رَجُلٌ مُيَسِّرٌ، بِكَسْرِ السِّينِ، وَهُوَ خِلَافُ المُجَنِّب.

ابْنُ سِيدَهْ: ويَسَّرَتِ الإِبلُ كَثُرَ لَبَنُهَا كَمَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الْغَنَمِ.

واليُسْرُ واليَسارُ والمَيْسَرَةُ والمَيْسُرَةُ، كُلُّهُ: السُّهولة والغِنى؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: لَيْسَتِ المَيْسُرَةُ عَلَى الْفِعْلِ وَلَكِنَّهَا كالمَسْرُبة والمَشْرُبَة فِي أَنهما لَيْسَتَا عَلَى الْفِعْلِ.

وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ}؛ قال ابْنُ جِنِّي: قِرَاءَةُ مُجَاهِدٍ: " فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسُرهِ، قَالَ: هُوَ مِنْ بَابِ مَعْوُنٍ ومَكْرُمٍ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى حَذْفِ الْهَاءِ.

والمَيْسَرَةُ والمَيْسُرَةُ: السَّعَة وَالْغِنَى.

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وقرأَ بَعْضُهُمْ فَنَظْرَةٌ إِلى مَيْسُرِهِ "، بالإِضافة؛ قَالَ الأَخفش: وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ لأَنه لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَفْعُلٌ، بِغَيْرِ الْهَاءِ، وأَما مَكْرُمٌ ومَعْوُن فَهُمَا جَمْعُ مَكْرُمَةٍ ومَعُونَةٍ.

وأَيْسَرَ الرجلُ إِيسارًا ويُسْرًا؛ عَنْ كُرَاعٍ وَاللِّحْيَانِيِّ: صَارَ ذَا يَسارٍ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَن اليُسْرَ الِاسْمُ والإِيْسار الْمَصْدَرُ.

ورجلٌ مُوسِرٌ، وَالْجَمْعُ مَياسِيرُ؛ عَنْ سِيبَوَيْهِ؛ قَالَ أَبو الْحَسَنِ: وإِنما ذَكَرْنَا مِثْلَ هَذَا الْجَمْعِ لأَن حُكْمَ مِثْلِ هَذَا أَن يُجْمَعَ بِالْوَاوِ وَالنُّونِ فِي الْمُذَكَّرِ وبالأَلف وَالتَّاءِ فِي الْمُؤَنَّثِ.

واليُسْر: ضِدُّ العُسْرِ، وَكَذَلِكَ اليُسُرُ مِثْلُ عُسْرٍ وعُسُرٍ.

التَّهْذِيبُ: واليَسَرُ والياسِرُ مِنَ الْغِنَى والسَّعَة، وَلَا يُقَالُ يَسارٌ.

الْجَوْهَرِيُّ: اليَسار واليَسارة الغِنى.

غَيْرُهُ: وَقَدْ أَيْسَر الرَّجُلُ أَي اسْتَغْنَى يُوسِرُ، صَارَتِ الْيَاءُ وَاوًا لِسُكُونِهَا وَضَمَّةِ مَا قَبْلَهَا؛ وَقَالَ:

لَيْسَ تَخْفَى يَسارَتي قَدْرَ يومٍ ***وَلَقَدْ يُخْفي شِيمَتي إِعْسارِي

وَيُقَالُ: أَنْظِرْني حَتَّى يَسارِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ لأَنه مَعْدُولٌ عَنِ الْمَصْدَرِ، وَهُوَ المَيْسَرَةُ، قَالَ الشَّاعِرُ:

فقلتُ امْكُثي حَتَّى يَسارِ لَعَلَّنا ***نَحُجُّ مَعًا، قالتْ: أَعامًا وقابِلَه؟

وتَيَسَّر لِفُلَانٍ الخروجُ واسْتَيْسَرَ لَهُ بِمَعْنَى أَي تهيأَ.

ابْنُ سِيدَهْ: وتَيَسَّر الشَّيْءُ واسْتَيْسَر تَسَهَّل.

وَيُقَالُ: أَخذ مَا تَيَسَّر وَمَا اسْتَيْسَر، وَهُوَ ضِدُّ مَا تَعَسَّر والْتَوَى.

وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ: «ويَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِن اسْتَيْسَرتا لَهُ أَو عِشْرِينَ دِرْهَمًا»؛ اسْتَيْسَرَ اسْتَفْعَلَ مِنَ اليُسْرِ؛ أي مَا تَيَسَّرَ وسَهُلَ، وَهَذَا التَّخْيِيرُ بَيْنَ الشاتَيْنِ وَالدَّرَاهِمِ أَصل فِي نَفْسِهِ وَلَيْسَ بِبَدَلٍ فَجَرَى مَجْرَى تَعْدِيلِ الْقِيمَةِ لِاخْتِلَافِ ذَلِكَ فِي الأَزمنة والأَمكنة، وإِنما هُوَ تَعْوِيضٌ شَرْعِيٌّ كالغُرَّةِ فِي الْجَنِينِ والصَّاع فِي المُصَرَّاةِ، والسِّرُّ فِيهِ أَن الصَّدَقَةَ كَانَتْ تُؤْخَذُ فِي الْبَرَارِي وَعَلَى الْمِيَاهِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ سُوقٌ وَلَا يُرى مُقَوِّمٌ يُرْجِعُ إِليه، فَحَسُنَ فِي الشَّرْعِ أَن يُقَدَّر شَيْءٌ يَقْطَعُ النِّزَاعَ وَالتَّشَاجُرَ.

أَبو زَيْدٍ: تَيَسَّر النَّهَارُ تَيَسُّرًا إِذا بَرَدَ.

وَيُقَالُ: أَيْسِرْ أَخاك أَي نَفِّسْ عَلَيْهِ فِي الطَّلَبِ وَلَا تُعْسِرْهُ أَي لَا تُشَدِّدْ عَلَيْهِ وَلَا تُضَيِّقْ.

وَقَوْلُهُ تعالى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ}؛ قِيلَ: مَا تَيَسَّر مِنَ الإِبل وَالْبَقَرِ وَالشَّاءِ، وَقِيلَ: مِنْ بَعِيرٍ أَو بَقَرَةٍ أَو شَاةٍ.

ويَسَّرَه هُوَ: سَهَّله، وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: يَسَّرَه ووَسَّعَ عَلَيْهِ وسَهَّلَ.

وَالتَّيْسِيرُ يَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ؛ وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى، فَهَذَا فِي الْخَيْرِ، وَفِيهِ: فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى "، فَهَذَا فِي الشَّرِّ؛ وأَنشد سِيبَوَيْهِ:

أَقام وأَقْوَى ذاتَ يومٍ، وخَيْبَةٌ ***لأَوَّلِ مَنْ يَلْقَى وشَرٌّ مُيَسَّرُ

والميسورُ: ضِدُّ الْمَعْسُورِ.

وَقَدْ يَسَّرَه اللَّهُ لليُسرى أَي وفَّقَه لَهَا.

الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى}، يَقُولُ: سَنُهَيِّئُه للعَوْد إِلى الْعَمَلِ الصَّالِحِ؛ قَالَ: وَقَالَ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى، قَالَ: إِن قَالَ قَائِلٌ كَيْفَ كَانَ نُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى وَهَلْ فِي العُسْرى تَيْسِيرٌ؟ قَالَ: هَذَا كَقَوْلِهِ تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ، فالبشارَةُ فِي الأَصل الفَرَحُ فإِذا جُمِعَتْ فِي كَلَامَيْنِ أَحدهما خَيْرٌ وَالْآخِرُ شَرٌّ جَازَ التَّيْسِيرُ فِيهِمَا.

والميسورُ: مَا يُسِّرَ.

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: هَذَا قَوْلُ أَهل اللُّغَةِ، وأَما سِيبَوَيْهِ فَقَالَ: هُوَ مِنَ الْمَصَادِرِ الَّتِي جَاءَتْ عَلَى لَفْظِ مَفْعُولٍ وَنَظِيرُهُ الْمَعْسُورُ؛ قَالَ أَبو الْحَسَنِ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ لأَنه لَا فِعْلَ لَهُ إِلا مَزِيدًا، لَمْ يَقُولُوا يَسَرْتُه فِي هَذَا الْمَعْنَى، وَالْمَصَادِرُ الَّتِي عَلَى مِثَالِ مَفْعُولٍ لَيْسَتْ عَلَى الْفِعْلِ الْمَلْفُوظِ بِهِ، لأَن فَعَلَ وفَعِلَ وفَعُلَ إِنما مَصَادِرُهَا الْمُطَّرِدَةُ بِالزِّيَادَةِ مَفْعَل كَالْمَضْرَبِ، وَمَا زَادَ عَلَى هَذَا فَعَلَى لَفْظِ المُفَعَّل كالمُسَرَّحِ مِنْ قَوْلِهِ: " أَلم تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القَوافي "وإِنما يَجِيءُ الْمَفْعُولُ فِي الْمَصْدَرِ عَلَى تَوَهُّمِ الْفِعْلِ الثُّلَاثِيِّ وإِن لَمْ يُلْفَظْ بِهِ كَالْمَجْلُودِ مِنْ تَجَلَّد، وَلِذَلِكَ يُخَيِّلُ سِيبَوَيْهِ الْمَفْعُولَ فِي الْمَصْدَرِ إِذا وَجَدَهُ فِعْلًا ثُلَاثِيًّا عَلَى غَيْرِ لَفْظِهِ، أَلا تَرَاهُ قَالَ فِي الْمَعْقُولِ: كأَنه حَبَسَ لَهُ عَقْلَهُ؟ وَنَظِيرُهُ المعسورُ وَلَهُ نَظَائِرُ.

واليَسَرَةُ: مَا بَيْنَ أَسارير الْوَجْهِ وَالرَّاحَةِ.

التَّهْذِيبُ: واليَسَرَة تَكُونُ فِي الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى وَهُوَ خَطٌّ يَكُونُ فِي الرَّاحَةِ يَقْطَعُ الْخُطُوطَ الَّتِي فِي الرَّاحَةِ كأَنها الصَّلِيبُ.

اللَّيْثُ: اليَسَرَة فُرْجَةُ مَا بَيْنَ الأَسِرَّةِ مِنْ أَسرارِ الرَّاحَةِ يُتَيَمَّنُ بِهَا، وَهِيَ مِنْ عَلَامَاتِ السَّخَاءِ.

الْجَوْهَرِيُّ: الْيُسْرَةُ، بِالتَّحْرِيكِ، أَسرار الْكَفِّ إِذا كَانَتْ غَيْرَ مُلْتَزِقَةٍ، وَهِيَ تُسْتَحَبُّ، قَالَ شَمِرٌ: وَيُقَالُ فِي فُلَانٍ يَسَرٌ؛ وأَنشد: " فَتَمَتَّى النَّزْعَ في يَسَرِه "قَالَ: هَكَذَا رُوِيَ عَنِ الأَصمعي، قَالَ: وَفَسَّرَهُ حِيَال وَجْهِهِ.

واليَسْرُ مِنَ الفَتْلِ: خِلَافُ الشَّزْر.

الأَصمعي: الشَّزْرُ مَا طَعَنْتَ عَنْ يَمِينِكَ وَشَمَالِكَ، واليَسْرُ مَا كَانَ حِذاء وَجْهِكَ؛ وَقِيلَ: الشَّزْرُ الفَتْلُ إِلى فَوْقٍ واليَسْرُ إِلى أَسفل، وَهُوَ أَن تَمُدَّ يمينكَ نحوَ جَسَدِكَ؛ وَرَوَى ابْنُ الأَعرابي: " فَتُمْتَى النَّزْعَ فِي يُسَرِه "جَمَعَ يُسْرَى، وَرَوَاهُ أَبو عُبَيْدٍ: فِي يُسُرِه، جَمْعُ يَسارٍ.

واليَسارُ: اليَدُ اليُسْرى.

والمَيْسَرَةُ: نقيضُ الميمنةِ.

واليَسار واليِسار: نقيضُ الْيَمِينِ؛ الْفَتْحُ عِنْدَ ابْنِ السِّكِّيتِ أَفصح وَعِنْدَ ابْنِ دُرَيْدٍ الْكَسْرُ، وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِمُ اسْمٌ فِي أَوّله يَاءٌ مَكْسُورَةٌ إِلا فِي اليَسار يِسار، وإِنما رَفَضَ ذَلِكَ اسْتِثْقَالًا لِلْكَسْرَةِ فِي الْيَاءِ، وَالْجَمْعِ يُسْرٌ؛ عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، ويُسُرٌ؛ عَنْ أَبي حَنِيفَةَ.

الْجَوْهَرِيُّ: وَالْيَسَارُ خِلَافُ الْيَمِينِ، وَلَا تَقُلِ اليِسار بِالْكَسْرِ.

واليُسْرَى خِلَافُ اليُمْنَى، والياسِرُ كاليامِن، والمَيْسَرَة كالمَيْمَنة، والياسرُ نَقِيضُ الْيَامِنِ، واليَسْرَة خلافُ اليَمْنَة.

وياسَرَ بِالْقَوْمِ: أَخَذَ بِهِمْ يَسْرَةً، ويَسَر يَيْسِرُ: أَخذ بِهِمْ ذَاتَ اليَسار؛ عَنْ سِيبَوَيْهِ.

الْجَوْهَرِيُّ: تَقُولُ ياسِرْ بأَصحابك أَي خُذْ بِهِمْ يَسارًا، وتياسَرْ يَا رجلُ لُغَةٌ فِي ياسِرْ، وَبَعْضُهُمْ يُنْكِرُهُ.

أَبو حَنِيفَةَ: يَسَرَني فلانٌ يَيْسِرُني يَسْرًا جَاءَ عَلَى يَسارِي.

ورجلٌ أَعْسَرُ يَسَرٌ: يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، والأُنثى عَسْراءُ يَسْراءُ، والأَيْسَرُ نَقِيضُ الأَيْمَنِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «كَانَ عُمَرُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَعْسَرَ أَيْسَرَ»؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: هَكَذَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ، وأَما كَلَامُ الْعَرَبِ فَالصَّوَابُ أَنه أَعْسَرُ يَسَرٌ، وَهُوَ الَّذِي يَعْمَلُ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، وَهُوَ الأَضْبَطُ.

قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: " كَانَ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَعْسَرَ يَسَرًا "، وَلَا تَقُلْ أَعْسَرَ أَيْسَرَ.

وَقَعَدَ فلانٌ يَسْرَةً أَي شَأْمَةً.

وَيُقَالُ: ذَهَبَ فُلَانٌ يَسْرَةً مِنْ هَذَا.

وَقَالَ الأَصمعي: اليَسَرُ الَّذِي يَسَارُهُ فِي الْقُوَّةِ مِثْلَ يَمِينِهِ، قَالَ: وإِذا كَانَ أَعْسَرَ وَلَيْسَ بِيَسَرٍ كَانَتْ يَمِينُهُ أَضعف مِنْ يَسَارِهِ.

وَقَالَ أَبو زَيْدٍ: رَجُلٌ أَعْسَرُ يَسَرٌ وأَعْسَرُ أَيْسَرُ، قَالَ: أَحسبه مأْخوذًا مِنَ اليَسَرَةِ فِي الْيَدِ، قَالَ: وَلَيْسَ لِهَذَا أَصل؛ اللَّيْثُ: رَجُلٌ أَعْسَرُ يَسَرٌ وامرأَة عَسْراءُ يَسَرَةٌ.

والمَيْسِرُ: اللَّعِبُ بالقِداح، يَسَرَ يَيْسَرُ يَسْرًا.

واليَسَرُ: المُيَسَّرُ المُعَدُّ، وَقِيلَ: كَلُّ مُعَدٍّ يَسَرٌ.

واليَسَرُ: الْمُجْتَمِعُونَ عَلَى المَيْسِرِ، وَالْجَمْعُ أَيْسار؛ قَالَ طَرَفَةُ:

وهمُ أَيْسارُ لُقْمانَ، إِذا ***أَغْلَتِ الشَّتْوَةُ أَبْداءَ الجُزُرْ

واليَسَرُ: الضَّرِيبُ.

والياسِرُ: الَّذِي يَلي قِسْمَةَ الجَزُورِ، وَالْجَمْعُ أَيْسارٌ، وَقَدْ تَياسَرُوا.

قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: وَقَدْ سَمِعْتُهُمْ يَضَعُونَ الياسِرَ مَوْضِعَ اليَسَرِ واليَسَرَ موضعَ الياسِرِ.

التَّهْذِيبُ: وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}؛ قَالَ مُجَاهِدٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قمارٌ فَهُوَ مِنْ الْمَيْسِرِ حَتَّى لعبُ الصِّبْيَانِ بالجَوْزِ.

وَرُوِيَ عَنْ" عَلِيٍّ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، أَنه قَالَ: الشِّطْرَنْج مَيْسِرُ العَجَمِ "؛ شَبَّهَ اللَّعِبَ بِهِ بِالْمَيْسِرِ، وَهُوَ الْقَدَاحُ وَنَحْوَ ذَلِكَ.

قَالَ عَطَاءٌ فِي الْمَيْسِرِ: إِنه القِمارُ بالقِداح فِي كُلِّ شَيْءٍ.

ابْنُ الأَعرابي: الياسِرُ لَهُ قِدْحٌ وَهُوَ اليَسَرُ واليَسُورُ؛ وأَنشد:

بِمَا قَطَّعْنَ مِنْ قُرْبى قَرِيبٍ ***وَمَا أَتْلَفْنَ مِنْ يَسَرٍ يَسُورِ

وَقَدْ يَسَرَ يَيْسِرُ إِذا جَاءَ بِقِدْحِه للقِمار.

وَقَالَ ابْنُ شُمَيْلٍ: الياسِرُ الجَزَّار.

وَقَدْ يَسَرُوا أَي نَحَرُوا.

ويَسَرْتُ النَّاقَةَ: جَزَّأْتُ لَحْمَهَا.

ويَسَرَ القومُ الجَزُورَ أَي اجْتَزَرُوها وَاقْتَسَمُوا أَعضاءها؛ قَالَ سُحَيْمُ بْنُ وُثَيْلٍ اليربوعي:

أَقولُ لَهُمْ بالشَّعْبِ إِذ يَيْسِرونَني ***أَلم تَعْلَمُوا أَنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَم؟

كَانَ وَقَعَ عَلَيْهِ سِباءٌ فضُربَ عَلَيْهِ بِالسِّهَامِ، وَقَوْلُهُ يَيْسِرونَني هُوَ مِنَ المَيْسر أَي يُجَزِّئُونني وَيَقْتَسِمُونَنِي.

وَقَالَ أَبو عُمَر الجَرْمِيُّ: يُقَالُ أَيضًا اتَّسَرُوها يَتَّسرُونها اتِّسارًا، عَلَى افْتَعَلُوا، قَالَ: وَنَاسٌ يَقُولُونَ يأْتَسِرُونها ائْتِسارًا، بِالْهَمْزِ، وَهُمْ مُؤْتَسِرون، كَمَا قَالُوا فِي اتَّعَدَ.

والأَيْسارُ: وَاحِدُهُمْ يَسَرٌ، وَهُمُ الَّذِينَ يَتقامَرُون.

والياسِرونَ: الَّذِينَ يَلُونَ قِسْمَةَ الجَزُور؛ وَقَالَ فِي قَوْلِ الأَعشى: " والجاعِلُو القُوتِ عَلَى الياسِرِ يَعْنِي الجازرَ.

والمَيْسِرُ: الجَزُورُ نَفْسُهُ، سُمِّيَ مَيْسِرًا لأَنه يُجَزَّأُ أَجْزاء فكأَنه مَوْضِعُ التَّجْزِئَةِ.

وَكُلُّ شَيْءٍ جَزَّأْته، فَقَدَ يَسَرْتَه.

والياسِرُ: الجازرُ لأَنه يُجَزِّئ لَحْمَ الجَزُور، وَهَذَا الأَصل فِي الْيَاسِرِ، "ثُمَّ يُقَالُ لِلضَّارِبِينَ بِالْقِدَاحِ والمُتَقامِرِينَ عَلَى الجَزُور: ياسِرُون، لأَنهم جَازِرُونَ إِذا كَانُوا سَبَبًا لِذَلِكَ.

الْجَوْهَرِيُّ: الياسِرُ اللَّاعِبُ بالقداحِ، وَقَدْ يَسَر يَيْسِرُ، فَهُوَ ياسِرٌ ويَسَرٌ، وَالْجَمْعُ أَيْسارٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:

فأَعِنْهُمُ وايْسِرْ ما يَسَرُوا بِهِ ***وإِذا هُمُ نَزَلوا بضَنْكٍ فانزِلِ

قَالَ: هَذِهِ رِوَايَةُ أَبي سَعِيدٍ ولن تُحْذَفِ الْيَاءُ فِيهِ وَلَا في يَيْعِرُ ويَيْنِعُ كما حُذِفَتْ فِي يَعِد وأَخواته، لتَقَوِّي إِحدى الياءَين بالأُخرى، وَلِهَذَا قَالُوا فِي لُغَةِ بَنِي أَسد: يِيْجَلُ، وَهُمْ لَا يَقُولُونَ يِعْلَم لِاسْتِثْقَالِهِمُ الْكَسْرَةَ عَلَى الْيَاءِ، فإِن قَالَ: فَكَيْفَ لَمْ يَحْذِفُوهَا مَعَ التَّاءِ والأَلف وَالنُّونِ؟ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْيَاءِ، وَالْيَاءُ هِيَ الأَصل، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَن فَعَلْتُ وفَعَلْتَ وفَعَلَتا مَبْنِيَّاتٌ عَلَى فَعَلَ.

واليَسَر والياسِرُ بِمَعْنَى؛ قَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:

وكأَنهنَّ رِبابَةٌ، وكأَنه ***يَسَرٌ يَفِيض عَلَى القِداحِ ويَصْدَعُ

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ عِنْدَ قَوْلِ الْجَوْهَرِيِّ وَلَمْ تُحْذَفِ الْيَاءُ فِي يَيْعِر ويَيْنع كما حذفت فِي يَعِدُ لِتُقَوِّيَ إِحدى الياءَين بالأُخرى، قَالَ: قَدْ وُهِمْ فِي ذَلِكَ لأَن الْيَاءَ لَيْسَ فِيهَا تَقْوِيَةً لِلْيَاءِ، أَلا تَرَى أَن بَعْضَ الْعَرَبِ يَقُولُ فِي يَيْئِسُ يَئِسُ مِثْلُ يَعِدُ؟ فَيَحْذِفُونَ الْيَاءَ كَمَا يَحْذِفُونَ الْوَاوَ لِثِقْلِ الْيَاءَيْنِ وَلَا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ مَعَ الْهَمْزَةِ وَالتَّاءِ وَالنُّونِ لأَنه لَمْ يَجْتَمِعْ فِيهِ يَاءَانِ، وإِنما حذفت الواو من يَعِدُ لِوُقُوعِهَا بَيْنَ يَاءٍ وَكَسْرَةٍ فَهِيَ غَرِيبَةٌ مِنْهُمَا، فأَما الْيَاءُ فَلَيْسَتْ غَرِيبَةً مِنَ الْيَاءِ وَلَا مِنَ الْكَسْرَةِ، ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: فَكَيْفَ لَمْ يَحْذِفُوهَا مَعَ التَّاءِ والأَلف وَالنُّونِ؟ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ الثَّلَاثَةُ مُبْدَلَةٌ مِنَ الْيَاءِ، وَالْيَاءُ هِيَ الأَصل؛ قَالَ الشَّيْخُ: إِنما اعْتَرَضَ بِهَذَا لأَنه زَعَمَ أَنما صَحَّتِ الْيَاءُ فِي يَيْعِرُ لِتُقَوِّيَهَا بِالْيَاءِ الَّتِي قَبْلَهَا فَاعْتَرَضَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: إِن الْيَاءَ ثَبَتَتْ وإِن لَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا يَاءً فِي مِثْلِ تَيْعِرُ ونَيْعِرُ وأَيْعِرُ، فأَجاب بأَن هَذِهِ الثَّلَاثَةَ بَدَلٌ مِنَ الْيَاءِ، وَالْيَاءُ هِيَ الأَصل، قَالَ: وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَذْهَبْ إِليه أَحد غَيْرُهُ، أَلا تَرَى أَنه لَا يَصْحُّ أَن يُقَالَ هَمْزَةُ الْمُتَكَلِّمِ فِي نَحْوِ أَعِدُ بَدَلٌ مِنْ يَاءِ الْغَيْبَةِ فِي يَعِدُ وَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ فِي تَاءِ الْخِطَابِ أَنت تَعِدُ إِنها بَدَلٌ مِنْ يَاءِ الْغَيْبَةِ فِي يَعِدُ، وَكَذَلِكَ التَّاءُ فِي قَوْلِهِمْ هِيَ تَعِدُ لَيْسَتْ بَدَلًا مِنَ الْيَاءِ الَّتِي هِيَ لِلْمُذَكَّرِ الْغَائِبِ فِي يَعِدُ، وَكَذَلِكَ نُونُ الْمُتَكَلِّمِ وَمَنْ مَعَهُ فِي قَوْلِهِمْ نَحْنُ نَعِدُ لَيْسَ بَدَلًا مِنَ الْيَاءِ الَّتِي لِلْوَاحِدِ الْغَائِبِ، وَلَوْ أَنه قَالَ: إِن الأَلف وَالتَّاءَ وَالنُّونَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْيَاءِ فِي بَنَاتِ الْيَاءِ فِي يَيْعِر كَمَا كَانَتْ مَحْمُولَةً عَلَى الْيَاءِ حِينَ حُذِفَتِ الْوَاوُ مَنْ يَعِدُ لَكَانَ أَشبه مِنْ هَذَا الْقَوْلِ الظَّاهِرِ الْفَسَادِ.

أَبو عَمْرٍو: اليَسَرَةُ وسْمٌ فِي الْفَخِذَيْنِ، وَجَمْعُهَا أَيْسارٌ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مُقْبِلٍ:

فَظِعْتَ إِذا لَمْ يَسْتَطِعْ قَسْوَةَ السُّرى ***وَلَا السَّيْرَ رَاعِي الثَّلَّةِ المُتَصَبِّحُ

عَلَى ذاتِ أَيْسارٍ، كأَنَّ ضُلُوعَها ***وأَحْناءَها العُلْيا السَّقِيفُ المُشَبَّحُ

يَعْنِي الوَسْمَ فِي الْفَخِذَيْنِ، وَيُقَالُ: أَراد قَوَائِمَ لَيِّنَةً، وَقَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي شَرْحِ الْبَيْتِ: الثُّلَّةُ الضأْن وَالْمُشَبَّحُ الْمُعَرَّضُ؛ يُقَالُ: شَبَّحْتُه إِذا عَرَّضْتَه، وَقِيلَ: يَسَراتُ الْبَعِيرِ قَوَائِمُهُ؛ وَقَالَ ابْنُ فَسْوَةَ:

لَهَا يَسَراتٌ للنَّجاءِ، كأَنها ***مَواقِعُ قَيْنٍ ذِي عَلاةٍ ومِبْرَدِ

قَالَ: شَبَّهَ قَوَائِمَهَا بِمَطَارِقِ الحدَّاد؛ وَجَعَلَ لَبِيدٌ الْجَزُورَ" مَيْسِرًا فَقَالَ:

واعْفُفْ عَنِ الجاراتِ، وامْنَحْهُنَّ ***مَيْسِرَكَ السَّمِينا

الْجَوْهَرِيُّ: المَيْسِرُ قِمارُ الْعَرَبِ بالأَزلام.

وَفِي الْحَدِيثِ: «إِن الْمُسْلِمَ مَا لَمْ يَغْشَ دَناءَةً يَخْشَعُ لَهَا إِذا ذُكِرَتْ ويَفْري بِهِ لِئامُ النَّاسِ كالياسِرِ الفالِجِ»؛ الياسِرُ مِنَ المَيْسِر وَهُوَ القِمارُ.

واليُسْرُ فِي حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ: «لَا بأْس أَن يُعَلَّقَ اليُسْرُ عَلَى الدَّابَّةِ»، قَالَ: اليُسْرُ، بِالضَّمِّ، عُودٌ يُطْلِق البولَ.

قَالَ الأَزهري: هُوَ عُودُ أُسْرٍ لَا يُسْرٍ، والأُسْرُ احْتِبَاسُ الْبَوْلِ.

واليَسِيرُ: الْقَلِيلُ.

وَشَيْءٌ يَسِيرٌ أَي هَيِّنٌ.

ويُسُرٌ: دَحْلٌ لِبَنِي يَرْبُوعٌ؛ قَالَ طَرَفَةُ:

أَرَّقَ العينَ خَيالٌ لَمْ يَقِرْ ***طَافَ، والركْبُ بِصَحْراءِ يُسُرْ

وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ اليُسُرَ وَقَالَ: إِنه بِالدَّهْنَاءِ، وأَنشد بَيْتَ طَرَفَةَ.

يَقُولُ: أَسهر عَيْنَيْ خَيَالٌ طَافَ فِي النَّوْمِ وَلَمْ يَقِرْ، هُوَ مِنَ الوَقارِ، يُقَالُ: وَقَرَ فِي مَجْلِسِهِ، أَي خَيالُها لَا يَزَالُ يَطُوفُ ويَسْري وَلَا يَتَّدعُ.

ويَسارٌ وأَيْسَرُ وياسِرٌ: أَسماء.

وياسِرُ مُنْعَمٍ: مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ حِمْيَرٍ.

ومَياسِرُ ويَسارٌ: اسْمُ مَوْضِعٍ؛ قَالَ السُّلَيْكُ:

دِماء ثلاثةٍ أَرْدَتْ قَناتي ***وخادِف طَعْنَةٍ بقَفا يَسارِ

أَراد بخاذِفِ طعنةٍ أَنه ضارِطٌ مِنْ أَجل الطَّعْنَةِ؛ وَقَالَ كَثِيرٌ:

إِلى ظُعُنٍ بالنَّعْفِ نَعْفِ مياسِرٍ ***حَدَتْها تَوالِيها ومارَتْ صُدورُها

وأَما قَوْلُ لَبِيدٍ أَنشده ابْنُ الأَعرابي:

دَرى باليَسارى جِنَّةً عبْقَرِيَّةً ***مُسَطَّعَةَ الأَعْناقِ بُلْقَ القَوادِم

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فإِنه لَمْ يُفَسِّرِ الْيَسَارَى، قَالَ: وأُراه مَوْضِعًا.

والمَيْسَرُ: نَبْتٌ رِيفيّ يُغْرَسُ غَرْسًا وَفِيهِ قَصَفٌ؛ الْجَوْهَرِيُّ وَقَوْلُ الْفَرَزْدَقِ يُخَاطِبُ جَرِيرًا:

وإِني لأَخْشَى، إِن خَطَبْتَ إِليهمُ، ***عَلَيْكَ الَّذِي لَاقَى يَسارُ الكَواعِبِ

هُوَ اسْمُ عَبْدٍ كَانَ يَتَعَرَّضُ لِبَنَاتِ مَوْلَاهُ فَجَبَبْنَ مذاكيره.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


24-تهذيب اللغة (يسر)

يسر: قال الليث: يقال إنه ليَسْرٌ خفيفٌ ويَسَرٌ: إذا كان ليّنَ الانقياد، يوصَف به الإنسان والفَرَس، وأنشد:

إنِّي على تَحَفُّظي ونَزْرِي *** أعسَرُ إن مارَسْتَني بعُسْرِ

ويَسْرٌ لمن أَراد يُسْرِي

ويقال: إن قوائمَ هذا الفرس ليَسَراتٌ خفافٌ: إذا كُنّ طوعَه، والواحدة يَسرة وعسرة.

وروى عن عمر: أنه كان أَعسرَ أَيسر.

قال أبو عبيد: هكذا روِي في الحديث، وأما كلام العرب فإنه: أعسرُ يسرٌ، وهو الذي يعمل بيديْه جميعا، وهو الأضبط.

ويقال: فلان يَسرةً من هذا.

وقال شمر: قال الأصمعيّ: اليَسر الذي يساره في القوّةِ مثلُ يمينه قال فإذا كان أعسر وليس بيَسرٍ كانت يمينه أضعفَ من يساره.

وقال أبو زيد: رجلٌ أعسرُ يَسرٌ، وأعسرُ أَيسر.

قال: وأحسَبه مأخوذا من اليَسرة في اليد، وليس لهذا أصل، واليسرة تكون في اليُمنى واليُسرى، وهو خَطّ يكون في الراحة يُقطِّع الخطوطَ التي تكون في الراحة كأنّها الصَّليب.

قال شمر: ويقال في فلان يَسر، وأنشد:

* فتَمنَّى النَّزْعَ من يَسَرِهْ *

هكذا رُوِي عن الأصمعيّ قال: وفسّره حِيالَ وجهه.

أبو عبيد عن الأصمعي قال: الشَّزْرُ: ما طعَنْتَ عن يمينك وشِمالك، واليَسرُ: ما كان حذاءَ وجهِك.

وقال غيرُه: الشزْرُ: الفَتْل إلى فوق، واليَسرُ إلى أَسفَل، ورواه ابن الأعرابيّ: فتَمنى النَّزْع من يُسرِه.

جمعُ يُسرى.

ورواه أبو عبيدة في يُسره.

يريد: جمع يسار.

قال الليث: أعسرُ يَسرُ، وامرأةٌ عَسراء يَسرةٌ: تعمل بيديها جميعا.

وقال ابن السكّيت: يقال فلان أعسَرُ يَسرةٌ: تعمل بيديها جميعا.

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


25-تهذيب اللغة (يسرٌ)

يسرٌ: إذا كان يعمل بكلْتَا يديْه.

وكان عمرُ أعسرَ يَسرا، ولا تقُل أعْسر أيْسَر.

وقال الليث: اليسرة مُزْجةُ ما بين الأسرّة من أسرارِ الراحة يُتَيَمّن بها، وهي من علامات السخاء.

واليسار: اليَدُ اليسرى.

والياسر كاليامِن، والمَيْسرَة كالمَيْمَنة.

واليَسر واليسار: اليَدُ اليُسرى.

والياسر من الغِنى والسّعة ولا يقال يَسار.

وقال أبو الدُّقيش: يسر فلان فرَسَه فهو مَيْسور مصنوعٌ سمين، وإنه لحَسن التّيْسُور إذا كان حسنَ السِّمَن.

قال المرّار يصفُ فرسا:

قد بلَوْناه على عِلّاته *** وعلى التَّيْسُورِ منه والضُّمُرْ

ويقال: خُذْ ما تَيَسَّر وما اسْتَيْسَرَ؛ وهو ضِدّ ما تَعسّر والْتَوَى.

وقال أبو زيد: تَيسَّر النهارُ تَيسُّرا: إذا بَرَدَ.

ويقال: أَيْسِرْ أخاك، أي: نَفِّس عليه في الطَّلب ولا تُعْسِره، أي: لا تُشَدِّد عليه ولا تضيِّق.

سلمة عن الفراء في قول الله عزوجل: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى} [الليل: 7]، قال: سنهيّئُه للعوْدة إلى العمل الصالح.

والعرب تقول: قد يسّرت الغنم: إذا ولدت وتهيأت للولادة.

قال: وقال: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى} [الليل: 10] يقول القائل: كيف كان تيسّره للعسرى؟ وهل في العسرى تيسير؟ قال الفراء: وهذا كقول الله عزوجل: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 3]، فالبشارة في الأصل المفرِح.

فإذا جمعت في كلامين أحدهما خير، والآخر شر، جاز التبشير فيهما جميعا.

أبو عدنان عن الأصمعي قال: اليَسَرُ: الذي يساره في القوة مثل يمينه.

قال: ومثله الأضبط.

قال: وإذا كان أعسر، وليس بيَسر، كانت يمينه أضعف من يساره.

وقال الله جلّ وعزّ: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} [البقرة: 219]، قال مجاهد: كلُّ شيء فيه قِمار فهو من المَيْسِر حتى لِعبُ الصّبيان بالجَوْز.

ورُوِيَ عن عليّ أنه قال: الشِّطْرَنْج مَيسِرُ العَجَم؛ ونحو ذلك قال عطاء في المَيسر أنه القِمار بالقِداح في كلّ شيء.

شمر عن ابن الأعرابيّ: الياسِر: الّذي له قِدْح وهو اليَسَر واليَسُور؛ وأَنشَد:

بما قَطَّعْن من قُرْبى قَريبٍ *** ومَا أَتْلَفْنَ من يَسَرٍ يَسُورِ

قال: وقد يَسَر يَيْسِر: إذا جاء بقِدْحه لِلقِمار.

وقال ابن شُميل: الياسِر: الجَزّار.

وقد يَسَروا: أي: نَحَروا.

ويَسَرْتُ الناقةَ: جَزّأْتَ لَحمَها.

وقال أبو عُبيد: الأيْسار واحدهم يَسرٌ: وهم الذين يُقامِرون، قال: والياسِرُون: الذين يَلُون قِسمةَ الجَزُور.

وقال في قول الأعشى:

* والجاعِلُو القُوتِ على الياسرِ*

يعني الجَزّار.

قال: وقال أبو عُبيدة في قول الشاعر:

أقولُ لأهْل الشّعب إذ يَيْسرُونني *** ألم تَيْأَسُوا أَنّي ابنُ فارسِ زَهْدَمِ

إنه من المَيْسر أي تجتزرونني وتقتَسِمُونني وجَعل لَبيدٌ الجزورَ مَيْسِرا فقال:

واعفُفْ عن الجاراتِ وام *** نَحْهُنَ مَيْسِرَك السَّمِينَا

وقال القُتَيْبيّ: المَيسر: الجَزُور نفسُه؛ سمِّي مَيْسِرا لأنه يجزَّأُ أَجْزاء؛ فكأنه موضعُ التّجزئة، وكلّ شيء جزّأتَه فقد يَسرْته، والياسِر: الجازِر.

لأنه يُجَزِّىء لحمَ الجزور.

وهذا الأصل في الياسر.

ثم يقال للضاربين بالقداح والمغامرين على الجزور: ياسرون لأنهم جازرون: إذ كانوا سببا لذلك.

أبو عُبيد عن أَبي عمرو: اليَسَرة: وَسْمٌ في الفَخِذَين.

وجمعُها أَيْسَار.

ومنه قول ابن مقبل:

على ذات أيسار كأن ضلوعها *** وأحناءها العليا السّقيف المشبّح

يعني الوسم في الفخذين.

ويقال: أراد قوائم ابنه.

وقال غيره: يَسَراتُ البعيرِ قوائمُه، وقال ابن فَسْوَة:

لها يَسَراتٌ للنَّجَاءِ كأَنَّها *** مَواقِعُ قَيْنٍ ذي عَلاةٍ ومِبْرَدِ

قال: شبَّه قوائِمَها بمطَارقِ الحَدّاد.

أبو عُبيد: يَسَّرَت الغَنَمُ: إذا كَثُرت وكَثُرَ ألبانُها ونَسْلُها، وأَنشَد:

هُما سَيِّدَانا يَزْعُمانِ وإنّما *** يَسُودانِنا أنْ يَسَّرَتْ غَنَماهُمَا

حُكي ذلك عن الكسائي.

ويقال: مَيْسَرة ومَيْسُرة: لليسار الغني.

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


انتهت النتائج