1-العربية المعاصرة (نقم)

نقَمَ على/نقَمَ من يَنقِم، نَقْمًا ونُقُومًا، فهو ناقِم، والمفعول منقوم عليه.

* نقَم على جاره: اشتدّ سُخْطُه عليه (نقَم على صديقه تصرُّفَه: أنكره وعابه عليه).

* نقَم عليه كذا/نقَم منه كذا: أنكره وعابه (نقَمتِ الإدارةُ من أحد موظَّفيها لاستهتاره بالنّظام- {وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ} [قرآن]).

نقِمَ/نقِمَ من يَنقَم، نَقَمًا، فهو ناقم، والمفعول مَنْقوم.

* نقِمَ منه الشَّيءَ/نقِمَ من الشَّيءِ: نقَمه، أنكره وعابه {وَمَا نَقِمُوا مِنْهُمْ إلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [قرآن]).

انتقمَ من ينتقم، انتِقامًا، فهو مُنتقِم، والمفعول مُنتقَم منه.

* انتقم من خصمِه: عاقَبَه (التأخُّر في الانتقام يجعل الضربةَ أشدّ قسوة- وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إلاَّ أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا [حديث] - {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} [قرآن]).

انتقام [مفرد]: مصدر انتقمَ من.

* ذو انتقام: من صفات الله تعالى، ومعناه: المبالغ في العقوبة لمن يشاء، المسلِّط بلاءه على العُصاة.

انتقاميَّة [مفرد]:

1 - اسم مؤنَّث منسوب إلى انتقام: (أعمال/عمليَّات انتقاميَّة- تشنّ إسرائيلُ حملة انتقاميَّة ضدّ المقاومة الفلسطينيَّة) (*) أضرار انتقاميّة: تعويض يقرِّره المحلّفون للمصاب نتيجة الإهمال الجسيم أو الفعل المتعمّد ويكون التعويض بأكثر من قيمة الأذى الفعليّ.

2 - مصدر صناعيّ من انتقام: نزعة عدوانيّة لإلحاق الضَّرر بالآخرين انتقامًا منهم (تتَّسم السياسة الأمريكيّة بالعدوانيّة والانتقاميّة في التعامل مع العراق).

مُنتقِم [مفرد]: اسم فاعل من انتقمَ من.

* المُنتقِم: اسم من أسماء الله الحسنى، ومعناه: المُبالغ في العقوبة لمن يشاء، المُسلِّط بلاءَه على العُصاة.

نَقْم [مفرد]: مصدر نقَمَ على/نقَمَ من.

نَقَم [مفرد]: مصدر نقِمَ/نقِمَ من.

نِقْمة [مفرد]: جمعه نِقْمات ونِقَم:

1 - عُقوبَة (انتقم منه شرَّ نقمة- النِّقمة من جنس العمل) (*) نِقمة عامّة: استياء عامّ.

2 - عكس نِعْمة.

نُقوم [مفرد]: مصدر نقَمَ على/نقَمَ من.

العربية المعاصرة-أحمد مختار عمر وآخرون-صدر: 1429هـ/2008م


2-شمس العلوم (الفاء)

الكلمة: الفاء. الجذر: فيي. الوزن: فَعَل.

[الفاء]: هذا الحرف، يقال: كتب فاءً حسنة، وتصغيرها فُييَّةٌ.

ولها مواضع: تكون من أصل الكلمة نحو: فرح، حفر، حَرَف، وتكون للعطف، ومعناها التعقيب، وكون الثاني بعد الأول، كقولك: جاء زيد فعمرو، ورأيت زيدا فعمرا، ومررت بزيدٍ فعمروٍ، والمعنى أن عَمْرا بعد زيد في ذلك كله من غير قال الله تعالى: {وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} أي: ولا يعتذرون بحق، ولو كانت فاء الجواب لحذف النون.

وتكون للجواب وتسمى أيضا فاء الجزاء.

وتكون في جواب أمّا لازمة كقوله تعالى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ} وتكون في جواب الشرط كقوله تعالى: {فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} وكقوله: {فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ}، وفي قراءة نافع بغير فاء، وقد جوز حذف الفاء في جواب الشرط نحو هذا للضرورة، كقول حسان:

من يفعل الحسنات الله يشكرها *** والشر بالشر عند الله مثلان

والفعل المستقبل معها في جواب

الشرط مرفوع بتقدير الابتداء كقوله تعالى: {فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ} أي: فهو ينتقم الله منه.

وتكون في جواب الأمر والنهي والتمني والجحد والاستفهام والعَرْض فَيُنصب الفعل بإضمار (أن) فالأمر كقولك: زرني فأزوركَ، قال

يا ناق سيري عَنَقا فسيحا *** إلى سليمان فنستريحا

ونحوٌ من الأمر الدعاء كقولك: رب ارزقني مالًا فأنفقَ منه.

والنهي كقوله تعالى: {لا تَفْتَرُوا عَلَى اللهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ}.

والتمني كقوله تعالى: {يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا}.

والجحد كقولك: «ما أنت بكريم فأكرمَك» قال الله تعالى: {فَتَطْرُدَهُمْ}.

والاستفهام كقوله تعالى: {فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا}.

والعرض كقولك: ألا تنزل بنا فنحسنَ إليك.

ويجوز رفع هذه الجوابات كلها على الاستئناف والقطع من الأول كقول جميل:

ألم تسألِ الربعَ القواء فَيَنطِق *** وهل تخبرنْكَ اليومَ بيداءُ سملقُ

أي: فهو ينطق، ولو أراد الجواب لَنَصَبَ.

ويقال في قوله تعالى: فيضاعفُه بالرفع: إنه على الاستئناف.

وقيل: هو معطوف على قوله {يُقْرِضُ}، وتكون الفاء للاستئناف كقوله: {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ}، وتكون بمعنى الواو التي بمنزلة رُبَّ، كقوله:

فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع

ويقال: إنها زائدة في قوله: {بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ} وقيل: هي للجزاء.

شمس العلوم-نشوان بن سعيد الحميري-توفي: 573هـ/1177م


3-التوقيف على مهمات التعاريف (العدوى)

العدوى: بالفتح: اسم من الإعداء، وهو أن تجاوز العلة صاحبها إلى غيره، ومنه حديث "لا عدوى"، أي لا يعدي شيء شيئا. والعدوى طلبك إلى وال يعديك على من ظلمك أي ينتقم منه باعتدائه عليك، وينصرك عليه، ومن ذلك قول الفقهاء: مسافة العدوى استعاروها من هذه العدوى لأن صاحبها يصل فيها الذهاب بالعود بعدو واحد لما فيه من القوة والجلد.

التوقيف على مهمات التعاريف-زين الدين محمد المدعو بعبدالرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري-توفي: 1031هـ/1622م


4-العباب الزاخر (حبس)

حبس

الحَبْسُ: ضِدُّ النَّخلِيَة، يقال: حَبَسْتُه أحْبِسُه حَبْسًا ومَحْبَسًا -بفتح الباء-.

والحَبْس -أيضًا-: الشجاعة.

والحَبْسُ -بالفتح؛ ويقال: بالكسر-: موضِعٌ، وقيل: جَبَلٌ، وبالوجهين يُروى قول الحارِث بن حِلزَة اليَشكُري:

«لِمن الدِّيارُ عَفَوْنَ بالحبْسِ *** آياتُها كمَهَارِقِ الفُرْسِ»

وكذلك بالوجهين يُروى قول بِشر بن أبي خازم الأسدي:

«وأصعَدَتِ الرِّبابُ فليسَ منها *** بصَاراتٍ ولا بالحبْسِ نارُ»

وقال أبو عمرو: الحَبْسُ: الجبل العظيم، وأنشَدَ:

«كأنَّه حَبْسُ بِلَيلٍ مُـظْـلِـمُ *** جَلّلَ عِطْفَيْهِ سَحابٌ مُرْهِمُ»

«عَجَنَّسٌ عُرَاهِمُ عَجَمْجَـمُ»

قال ثعلب: وقد يكون الجبل حَبْسًا: أي أسْوَدَ؛ وتكون فيه بقعة بيضاء.

وكلأٌ حابِس: إذا كان غامِرًا لا تتجاوزه راعية لاخضراره.

وحابِس بن سعد الطائي، وحابِس أبو حيّضة التَّميمي، والأقرع بن حابِس بن عقال الدّارِميُّ -رضي الله عنهم-: لهم صحبة، وكان الأقرع عالِم العَرَب في زمانه، قال عمرو بن الخُثارِم البَجَلِيُّ:

«يا أقرع بن حابِـسَ يا أقـرع *** إنّي أخوكَ فانُظرًا ما تَصْنَع»

«إنّك إن يُصرَعُ أخوك تُصرَع»

والحُبْسَة- بالضم-: الاسم من الإحتباس، يقال: الصمت حُبْسَة.

وقال المُبَرَّد: الحُبسَة: تعذُّر الكلام عند إرادته، والعُقلَة: التواء اللسان عند إرادة الكلام.

وحَبَسْتُ فَرَسًا في سبيل الله؛ فهو محبوس وحبيس.

وحَبيسٌ: موضِع بالرّقَّة فيه قبور قوم ممن شَهِدَ صِفِّين مع علّيٍ رضي الله عنهم-.

وذاةُ حَبيسٍ: موضع بمكَّة -حرسها الله تعالى- وهناك الجبل الأسود الذي يقال له: أظلم.

وفي النوادر: جعلني فلان رَبيطَة لكذا وحَبيسَة: أي يَذهَب فيفعل الشيء وأُوخَذُ به.

والحِبسُ -بالكسر-: خَشَبَة أو حجارة تُبنى في مجرى الماء لِتَحبِسَ الماء فيشرب القوم ويَسْقوا أموالَهم، قال:

«فَشِمْتُ فيها كَعَمودِ الحِبْسِ»

وقال أبو عمرو: الحِبْسُ: مثل المَصْنَعَة، وجمعُه أحْباس، يُجعَل للماء.

والحِبْسُ: الماء المستنقِع.

وقال ابنُ عبّاد: الحِبْسُ: الماء المجموع لا مادة له.

وقال ابن الأعرابي: الحِبْس: حجارة تكون في فُوَّهَة النهر تمنع طُغيان الماء. وقال العامري: الحِبْس: صِنعٌ يصنع للماء ويُدسُّ عَمود في شِعْبِه، قال: وقد يقال بالفتح.

وقال الليث: حَبَسْتُ الفِراشَ بالمِحبَسِ: وهو المِقرَمَة. وكذلك الحِبْسُ عن غَيره: للثوب الذي يُطرَح على ظهر الفراش للنَّوم.

والحِبْس- أيضًا-: نِطاق الهَودَج.

والحِبْس: سِوار من فِضَّة يٌجعل في وَسَطِ القِرام، وهو سِتر يُجمَع به ليضيء البيت.

وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- أبا عبيدة بن الجرّاح- رضي الله عنه- يوم الفتحِ على الحُبُسِ -بضمَّتين- أو الحُبَّسِ -مثال رُكَّعٍ- أو الحُسَّرِ. وهم الرَّجَّالة عن القُتْبيّ قال: سُمُّوا بذلك لِتَحَبُّسِهِم عن الرُّكبانِ وتأخَّرهم، قال: وأحسِب الواحد حبيسًا، فَعيلٌ بمعنى مفعولٍ، ويجوز أن يكون واحِدُهُم حابِسًا؛ كأنَّهُ يحبِسُ من يسير من الرُّكبان بمَسيرِه.

وفي حديث شُرَيح بن الحارث: جاء محمد -صلى الله عليه وسلّم- بإطلاقِ الحُبُسِ. هي جَمْعُ حَبيسٍ، أراد ما كان أهل الجاهلية يحبِسونها من ظهور الحوامي والسوائِب والبَحائِر وما أشبهها، فنزل القرآن بإحلال ما حرَّموا منها فذلك إطلاقُها.

والحُبُسُ -في غير هذا-: كلُّ شيء وَقَفَه صاحبُه وّقفًا مؤبَّدًا من نخلٍ وكرم، يَحبِس أصله ويُسَبِّلُ غَلَّتَه. ومن ذلك ما رُوِيَ أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلَّم- ندب الناس إلى الصدقة، فقيل له: قد مَنَعَ أبو جَهَم وخالِد بن الوليد والعبّاس، فقال: أمّا أبو جَهْم فلم يَنتَقِم منّا إلاّ أنْ أغْناهُ الله ورسوله من فضلِه، وأمّا خالد بن الوليد فإن الناس يظلِمونَ خالدًا؛ إنَّ خالدًا قد جعل رَقيقَه وأمواله وأعْتُدَهُ حُبُسًا في سبيل الله، وأما العبّاس فإنَّها عليه ومثلُها مَعَها. المعنى: أنّه كان أخَّرَ عنهُ الصدقة عامين، وليس وجهُ ذلك إلاّ أن تكون حاجَةٌ بالعبّاس -رضي الله عنه- إليها. والأعتُدُ: جمع العتاد؛ وهو ما يُعِدُّه الإنسان من آلةِ الحرب.

والحبائسُ: الإبلُ التي كانت تُحبَسُ عند البيوت لكرمها، قال ذو الرمّة يصِفُ فَحلًا:

«سِبَحْلًا أبا شَرْخَيْنِ أحيا بناتِـهِ *** مَقَاليتُها فهيَ اللُّبابُ الحَبَائسُ»

وحُبسانُ -مثال عُثمان-: ماءٌ غربيَّ طريق الحاج من الكوفة.

وأحْبَسْتُ فَرَسًا في سبيل الله: أي وقَفتُ؛ فهو مُحبَس وحَبيس. قال ابنُ دُرَيد: وهذا أحدُ ما جاء على فَعيل من أفعَل.

وحبَّستُ الفِراشَ بالمِحْبَسِ تَحْبيسًا: أي سَتَرتُه به، مِثْلُ حَبَسْتُهُ حَبْسًا.

وتَحبيس الشيء: ألاّ يورَثَ ولا يُبَاع ولا يوهَبَ، لكن يُتْرَك أصلَهَ ويُجعَل ثَمَرُهُ في سبيل الله.

واحتَبَسَ الشيء، مثل حَبَسَهُ، واحْتَبَسَ -أيضًا- بنَفْسِه، يتعدّى ولا يتعدّى.

وتحبَّسَ على كذا: أي حَبَسَ نفسه على ذلك.

وحابَسَ الرجل صاحِبَه، قال العجّاج:

«إذا الولوعُ بالوَلُوعِ لَـبَّـسـا *** حَتْفَ الحمامِ والنُّحوسِ النُّحَّا»

«وحابَسَ الناسُ الأمورَ الحُبَّسا *** وجَدْتَنا أعزَّ مَنْ تَنَـفَّـسـا»

العباب الزاخر واللباب الفاخر-رضي الدين الحسن بن محمد بن الحسن بن حيدر العدوي العمري القرشي الصغاني الحنفي-توفي: 650هـ/1252م


5-المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث (نقم)

(نقم) - قوله تعالى: {هَلْ تَنْقِمُونَ}.

يقال: نقَمَ يَنْقِمُ، ونَقِمَ يَنْقَمُ: أنْكَر وكَرِهَ أَشَدَّ الكَرَاهَةِ نَقُومًا ونِقْمَةً.

- وفي الحديث: "ما يَنْقِمُ ابنُ جَميل إلّا أنّه كانَ فَقِيرًا فأغناه الله"

قال عبدُ الغافِرِ: يُقالَ: نَقِم منه الِإحْسَانَ؛ إذا جعل الاحسَانَ مما يُؤدّيِه إلىِ كُفْر النِّعْمَةِ: أي أدَّاه غِنَاه إلى أَنْ كَفَر نِعَمةَ الله، فما يَنِقم شيئًا في مَنْع الزَّكاة، إلّا أن يَكفُرَ النِّعمَة. ونَقَمْتُ على الرّجُلِ أنْقِمُ؛ إذا عِبْتَ عليه.

- وفي حَديث عمر - رضي الله عنه -: "إنْ يُقتَل يَنْقَمْ"

: أي إن قَتَلتَه كَان له مَن يَنتَقِمُ مِنك.

قال القُتَبِىّ: كانوا في الجَاهِليَّةِ يزعُمُون أن الجنَّ تَطْلُبُ بثأرِ الجانِّ، فَرُبّما مَاتَ قاتِلُه، وربما أصَابَه خَبَلٌ.

فرَوَى ابن مَسْعودٍ - رضي الله عنه -: "أنَّ النَّبِىَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: مَنْ خَشِىَ إرْبَهُنَّ فَلَيْسَ مِنّا" فأمَرَ بقَتلِهنَّ.

- ومنه الحَديث: "أنّه مَا انْتَقَم لِنَفْسه قطُّ إلّا أَن تُنْتَهَكَ مَحارِمُ الله تَعالى"

: أي مَا عَاقبَ أحَدًا عَلى مَكْرُوهٍ أَتاه مِن قِبَلهِ نِقمةً.

المجموع المغيث في غريبي القرآن-محمد بن عمر بن أحمد بن عمر بن محمد الأصبهاني المديني، أبو موسى-توفي: 581هـ/1185م


6-موسوعة الفقه الكويتية (الإمامة الكبرى 1)

الْإِمَامَةُ الْكُبْرَى -1

التَّعْرِيفُ:

1- (الْإِمَامَةُ): مَصْدَرُ أَمَّ الْقَوْمَ وَأَمَّ بِهِمْ.إِذَا تَقَدَّمَهُمْ وَصَارَ لَهُمْ إِمَامًا.وَالْإِمَامُ- وَجَمْعُهُ أَئِمَّةٌ-: كُلُّ مَنِ ائْتَمَّ بِهِ قَوْمٌ سَوَاءٌ أَكَانُوا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ: كَمَا فِي قوله تعالى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} أَمْ كَانُوا ضَالِّينَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ}.

ثُمَّ تَوَسَّعُوا فِي اسْتِعْمَالِهِ، حَتَّى شَمَلَ كُلَّ مَنْ صَارَ قُدْوَةً فِي فَنٍّ مِنْ فُنُونِ الْعِلْمِ.فَالْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ قُدْوَةٌ فِي الْفِقْهِ، وَالْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ قُدْوَةٌ فِي الْحَدِيثِ...إِلَخْ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا أُطْلِقَ لَا يَنْصَرِفُ إِلاَّ إِلَى صَاحِبِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، وَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْبَاقِي إِلاَّ بِالْإِضَافَةِ، لِذَلِكَ عَرَّفَ الرَّازِيَّ الْإِمَامَ بِأَنَّهُ: كُلُّ شَخْصٍ يُقْتَدَى بِهِ فِي الدِّينِ.

وَالْإِمَامَةُ الْكُبْرَى فِي الِاصْطِلَاحِ: رِئَاسَةٌ عَامَّةٌ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا خِلَافَةً عَنِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- وَسُمِّيَتْ كُبْرَى تَمْيِيزًا لَهَا عَنِ الْإِمَامَةِ الصُّغْرَى، وَهِيَ إِمَامَةُ الصَّلَاةِ وَتُنْظَرُ فِي مَوْضِعِهَا.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ- الْخِلَافَةُ:

2- الْخِلَافَةُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ خَلَفَ يَخْلُفُ خِلَافَةً: أَيْ: بَقِيَ بَعْدَهُ أَوْ قَامَ مَقَامَهُ، وَكُلُّ مَنْ يَخْلُفُ شَخْصًا آخَرَ يُسَمَّى خَلِيفَةً، لِذَلِكَ سُمِّيَ مَنْ يَخْلُفُ الرَّسُولَ- صلى الله عليه وسلم- فِي إِجْرَاءِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَرِئَاسَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا خَلِيفَةً، وَيُسَمَّى الْمَنْصِبُ خِلَافَةً وَإِمَامَةً.

أَمَّا فِي الِاصْطِلَاحِ الشَّرْعِيِّ: فَهِيَ تُرَادِفُ الْإِمَامَةَ، وَقَدْ عَرَّفَهَا ابْنُ خَلْدُونٍ بِقَوْلِهِ: هِيَ حَمْلُ الْكَافَّةِ عَلَى مُقْتَضَى النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ، فِي مَصَالِحِهِمُ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَالدُّنْيَوِيَّةِ الرَّاجِعَةِ إِلَيْهَا، ثُمَّ فَسَّرَ هَذَا التَّعْرِيفَ بِقَوْلِهِ: فَهِيَ فِي الْحَقِيقَةِ خِلَافَةٌ عَنْ صَاحِبِ الشَّرْعِ فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.

ب- الْإِمَارَةُ:

3- الْإِمَارَةُ لُغَةً: الْوِلَايَةُ، وَالْوِلَايَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَامَّةً، فَهِيَ الْخِلَافَةُ أَوِ الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً عَلَى نَاحِيَةٍ كَأَنْ يَنَالَ أَمْرَ مِصْرٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ عَلَى عَمَلٍ خَاصٍّ مِنْ شُئُونِ الدَّوْلَةِ كَإِمَارَةِ الْجَيْشِ وَإِمَارَةِ الصَّدَقَاتِ، وَتُطْلَقُ عَلَى مَنْصِبِ أَمِيرٍ.

ج- السُّلْطَةُ:

4- السُّلْطَةُ هِيَ: السَّيْطَرَةُ وَالتَّمَكُّنُ وَالْقَهْرُ وَالتَّحَكُّمُ وَمِنْهُ السُّلْطَانُ وَهُوَ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ التَّحَكُّمِ وَالسَّيْطَرَةِ فِي الدَّوْلَةِ، فَإِنْ كَانَتْ سُلْطَتُهُ قَاصِرَةً عَلَى نَاحِيَةٍ خَاصَّةٍ فَلَيْسَ بِخَلِيفَةٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً فَهُوَ الْخَلِيفَةُ، وَقَدْ وُجِدَتْ فِي الْعُصُورِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمُخْتَلِفَةِ خِلَافَةٌ بِلَا سُلْطَةٍ، كَمَا وَقَعَ فِي أَوَاخِرِ الْعَبَّاسِيِّينَ، وَسُلْطَةٌ بِلَا خِلَافَةٍ كَمَا كَانَ الْحَالُ فِي عَهْدِ الْمَمَالِيكِ د- الْحُكْمُ:

5- الْحُكْمُ هُوَ فِي اللُّغَةِ: الْقَضَاءُ، يُقَالُ: حَكَمَ لَهُ وَعَلَيْهِ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا، فَالْحَاكِمُ هُوَ الْقَاضِي فِي عُرْفِ اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ.

وَقَدْ تَعَارَفَ النَّاسُ فِي الْعَصْرِ الْحَاضِرِ عَلَى إِطْلَاقِهِ عَلَى مَنْ يَتَوَلَّى السُّلْطَةَ الْعَامَّةَ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

6- أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى وُجُوبِ عَقْدِ الْإِمَامَةِ، وَعَلَى أَنَّ الْأُمَّةَ يَجِبُ عَلَيْهَا الِانْقِيَادُ لِإِمَامٍ عَادِلٍ، يُقِيمُ فِيهِمْ أَحْكَامَ اللَّهِ، وَيَسُوسُهُمْ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَتَى بِهَا رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذَا الْإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِ.

وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ، بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الصَّحَابَةَ- رضي الله عنهم-، بِمُجَرَّدِ أَنْ بَلَغَهُمْ نَبَأُ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- بَادَرُوا إِلَى عَقْدِ اجْتِمَاعٍ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَاشْتَرَكَ فِي الِاجْتِمَاعِ كِبَارُ الصَّحَابَةِ، وَتَرَكُوا أَهَمَّ الْأُمُورِ لَدَيْهِمْ فِي تَجْهِيزِ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- وَتَشْيِيعِ جُثْمَانِهِ الشَّرِيفِ، وَتَدَاوَلُوا فِي أَمْرِ خِلَافَتِهِ.

وَهُمْ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَادِئِ الْأَمْرِ حَوْلَ الشَّخْصِ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُبَايَعَ، أَوْ عَلَى الصِّفَاتِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تَتَوَفَّرَ فِيمَنْ يَخْتَارُونَهُ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي وُجُوبِ نَصْبِ إِمَامٍ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مُطْلَقًا إِنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى ذَلِكَ، وَبَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ- رضي الله عنه-، وَوَافَقَ بَقِيَّةُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا حَاضِرِينَ فِي السَّقِيفَةِ، وَبَقِيَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ فِي كُلِّ الْعُصُورِ، فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا عَلَى وُجُوبِ نَصْبِ الْإِمَامِ.

وَهَذَا الْوُجُوبُ وُجُوبُ كِفَايَةٍ، كَالْجِهَادِ وَنَحْوِهِ، فَإِذَا قَامَ بِهَا مَنْ هُوَ أَهْلٌ لَهَا سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْكَافَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ بِهَا أَحَدٌ، أَثِمَ مِنَ الْأُمَّةِ فَرِيقَانِ:

أ- أَهْلُ الِاخْتِيَارِ وَهُمْ: أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ، حَتَّى يَخْتَارُوا إِمَامًا لِلْأُمَّةِ.

ب- أَهْلُ الْإِمَامَةِ وَهُمْ: مَنْ تَتَوَفَّرُ فِيهِمْ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ، إِلَى أَنْ يُنْصَبَ أَحَدُهُمْ إِمَامًا.

مَا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ الْإِمَامِ بِهِ:

7- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى جَوَازِ تَسْمِيَةِ الْإِمَامِ: خَلِيفَةً، وَإِمَامًا، وَأَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ.

فَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ إِمَامًا فَتَشْبِيهًا بِإِمَامِ الصَّلَاةِ فِي وُجُوبِ الِاتِّبَاعِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِيمَا وَافَقَ الشَّرْعَ، وَلِهَذَا سُمِّيَ مَنْصِبُهُ بِالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى.

وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ خَلِيفَةً فَلِكَوْنِهِ يَخْلُفُ النَّبِيَّ- صلى الله عليه وسلم- فِي حِرَاسَةِ الدِّينِ وَسِيَاسَةِ الدُّنْيَا فِي الْأُمَّةِ، فَيُقَالُ خَلِيفَةٌ بِإِطْلَاقٍ، وَخَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-.

وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ تَسْمِيَتِهِ خَلِيفَةَ اللَّهِ، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ تَسْمِيَتِهِ بِخَلِيفَةِ اللَّهِ، لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ- رضي الله عنه- نَهَى عَنْ ذَلِكَ لَمَّا دُعِيَ بِهِ، وَقَالَ: لَسْتُ خَلِيفَةَ اللَّهِ، وَلَكِنِّي خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-.وَلِأَنَّ الِاسْتِخْلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْغَائِبِ، وَاَللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.وَأَجَازَهُ بَعْضُهُمُ اقْتِبَاسًا مِنَ الْخِلَافَةِ الْعَامَّةِ لِلْآدَمِيِّينَ فِي قوله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} وَقَوْلِهِ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ}.

مَعْرِفَةُ الْإِمَامِ بِاسْمِهِ وَعَيْنِهِ:

8- لَا تَجِبُ مَعْرِفَةُ الْإِمَامِ بِاسْمِهِ وَعَيْنِهِ عَلَى كَافَّةِ الْأُمَّةِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَعْرِفُوا أَنَّ الْخِلَافَةَ أَفْضَتْ إِلَى أَهْلِهَا، لِمَا فِي إِيجَابِ مَعْرِفَتِهِ عَلَيْهِمْ بِاسْمِهِ وَعَيْنِهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالْحَرَجِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ الَّذِينَ تَنْعَقِدُ بِبَيْعَتِهِمُ الْخِلَافَةُ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.

حُكْمُ طَلَبِ الْإِمَامَةِ:

9- يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الطَّالِبِ، فَإِنْ كَانَ لَا يَصْلُحُ لَهَا إِلاَّ شَخْصٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَهَا، وَوَجَبَ عَلَى أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ أَنْ يُبَايِعُوهُ.

وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ لَهَا جَمَاعَةٌ صَحَّ أَنْ يَطْلُبَهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَوَجَبَ اخْتِيَارُ أَحَدِهِمْ، وَإِلاَّ أُجْبِرَ أَحَدُهُمْ عَلَى قَبُولِهَا جَمْعًا لِكَلِمَةِ الْأُمَّةِ.وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ كُرِهَ لَهُ طَلَبُهَا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ صَالِحٍ لَهَا حَرُمَ عَلَيْهِ طَلَبُهَا.

شُرُوطُ الْإِمَامَةِ:

10- يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِلْإِمَامِ شُرُوطًا، مِنْهَا مَا هُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.

فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ مِنْ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ:

أ- الْإِسْلَامُ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي جَوَازِ الشَّهَادَةِ.وَصِحَّةُ الْوِلَايَةِ عَلَى مَا هُوَ دُونَ الْإِمَامَةِ فِي الْأَهَمِّيَّةِ.قَالَ تَعَالَى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا} وَالْإِمَامَةُ كَمَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: أَعْظَمُ (السَّبِيلِ)، وَلِيُرَاعَى مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ.

ب- التَّكْلِيفُ: وَيَشْمَلُ الْعَقْلَ، وَالْبُلُوغَ، فَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ، لِأَنَّهُمَا فِي وِلَايَةِ غَيْرِهِمَا، فَلَا يَلِيَانِ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَاءَ فِي الْأَثَرِ « تَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ رَأْسِ السَّبْعِينَ، وَإِمَارَةِ الصِّبْيَانِ »

ج- الذُّكُورَةُ: فَلَا تَصِحُّ إِمَارَةُ النِّسَاءِ، لِخَبَرِ: « لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً » وَلِأَنَّ هَذَا الْمَنْصِبَ تُنَاطُ بِهِ أَعْمَالٌ خَطِيرَةٌ وَأَعْبَاءٌ جَسِيمَةٌ تَتَنَافَى مَعَ طَبِيعَةِ الْمَرْأَةِ، وَفَوْقَ طَاقَتِهَا.فَيَتَوَلَّى الْإِمَامُ قِيَادَةَ الْجُيُوشِ وَيَشْتَرِكُ فِي الْقِتَالِ بِنَفْسِهِ أَحْيَانًا. د- الْكِفَايَةُ وَلَوْ بِغَيْرِهِ، وَالْكِفَايَةُ هِيَ الْجُرْأَةُ وَالشَّجَاعَةُ وَالنَّجْدَةُ، بِحَيْثُ يَكُونُ قَيِّمًا بِأَمْرِ الْحَرْبِ وَالسِّيَاسَةِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالذَّبِّ عَنِ الْأُمَّةِ.

هـ- الْحُرِّيَّةُ: فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لِمَنْ فِيهِ رِقٌّ، لِأَنَّهُ مَشْغُولٌ فِي خِدْمَةِ سَيِّدِهِ.

و- سَلَامَةُ الْحَوَاسِّ وَالْأَعْضَاءِ مِمَّا يَمْنَعُ اسْتِيفَاءَ الْحَرَكَةِ لِلنُّهُوضِ بِمَهَامِّ الْإِمَامَةِ.وَهَذَا الْقَدْرُ مِنَ الشُّرُوطِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

11- أَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِيهِ مِنَ الشُّرُوطِ فَهُوَ:

أ- الْعَدَالَةُ وَالِاجْتِهَادُ.ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْعَدَالَةَ وَالِاجْتِهَادَ شَرْطَا صِحَّةٍ، فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ أَوِ الْمُقَلِّدِ إِلاَّ عِنْدَ فَقْدِ الْعَدْلِ وَالْمُجْتَهِدِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُمَا شَرْطَا أَوْلَوِيَّةٍ، فَيَصِحُّ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ وَالْعَامِّيِّ، وَلَوْ عِنْدَ وُجُودِ الْعَدْلِ وَالْمُجْتَهِدِ.

ب- السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَسَلَامَةُ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ.ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهَا شُرُوطُ انْعِقَادٍ، فَلَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَمَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ابْتِدَاءً، وَيَنْعَزِلُ إِذَا طَرَأَتْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى الْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَخْرُجُ بِهَا عَنْ أَهْلِيَّةِ الْإِمَامَةِ إِذَا طَرَأَتْ عَلَيْهِ.

وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، فَلَا يَضُرُّ الْإِمَامَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ فِي خَلْقِهِ عَيْبٌ جَسَدِيٌّ أَوْ مَرَضٌ مُنَفِّرٌ، كَالْعَمَى وَالصَّمَمِ وَقَطْعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالْجَدْعِ وَالْجُذَامِ، إِذْ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ قُرْآنٌ وَلَا سُنَّةٌ وَلَا إِجْمَاعٌ.

ج- النَّسَبُ:

وَيُشْتَرَطُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قُرَشِيًّا لِحَدِيثِ: « الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ » وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ عُمَرَ: لَوْ كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ حَيًّا لَوَلَّيْتُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ هَاشِمِيًّا وَلَا عَلَوِيًّا بِاتِّفَاقِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ الْأُوَلَ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ لَمْ يَكُونُوا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَلَمْ يَطْعَنْ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي خِلَافَتِهِمْ، فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ.

دَوَامُ الْإِمَامَةِ:

12- يُشْتَرَطُ لِدَوَامِ الْإِمَامَةِ دَوَامُ شُرُوطِهَا، وَتَزُولُ بِزَوَالِهَا إِلاَّ الْعَدَالَةَ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَثَرِ زَوَالِهَا عَلَى مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي: عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لَيْسَتِ الْعَدَالَةُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْوِلَايَةِ، فَيَصِحُّ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ الْإِمَامَةَ عِنْدَهُمْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَإِذَا قُلِّدَ إِنْسَانٌ الْإِمَامَةَ حَالَ كَوْنِهِ عَدْلًا، ثُمَّ جَارَ فِي الْحُكْمِ، وَفَسَقَ بِذَلِكَ أَوْ غَيْرِهِ لَا يَنْعَزِلُ، وَلَكِنْ يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ إِنْ لَمْ يَسْتَلْزِمْ عَزْلُهُ فِتْنَةً، وَيَجِبُ أَنْ يُدْعَى لَهُ بِالصَّلَاحِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَجِبُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ، كَذَا نَقَلَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَكَلِمَتُهُمْ قَاطِبَةً مُتَّفِقَةٌ فِي تَوْجِيهِهِ عَلَى أَنَّ وَجْهَهُ: هُوَ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ- رضي الله عنهم- صَلَّوْا خَلْفَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَقَبِلُوا الْوِلَايَةَ عَنْهُمْ.وَهَذَا عِنْدَهُمْ لِلضَّرُورَةِ وَخَشْيَةَ الْفِتْنَةِ.

وَقَالَ الدُّسُوقِيُّ: يَحْرُمُ الْخُرُوجُ عَلَى الْإِمَامِ الْجَائِرِ لِأَنَّهُ لَا يُعْزَلُ السُّلْطَانُ بِالظُّلْمِ وَالْفِسْقِ وَتَعْطِيلِ الْحُقُوقِ بَعْدَ انْعِقَادِ إِمَامَتِهِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ وَعْظُهُ وَعَدَمُ الْخُرُوجِ عَلَيْهِ، إِنَّمَا هُوَ لِتَقْدِيمِ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ، إِلاَّ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ إِمَامٌ عَدْلٌ، فَيَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ وَإِعَانَةُ ذَلِكَ الْقَائِمِ.

وَقَالَ الْخَرَشِيُّ: رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: إِنْ كَانَ الْإِمَامُ مِثْلَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَبَ عَلَى النَّاسِ الذَّبُّ عَنْهُ وَالْقِتَالُ مَعَهُ، وَأَمَّا غَيْرُهُ فَلَا، دَعْهُ وَمَا يُرَادُ مِنْهُ، يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنَ الظَّالِمِ بِظَالِمٍ، ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا.

وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّ الْجَرْحَ فِي عَدَالَةِ الْإِمَامِ، وَهُوَ الْفِسْقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا تَبِعَ فِيهِ الشَّهْوَةَ، وَالثَّانِي مَا تَعَلَّقَ فِيهِ بِشُبْهَةٍ.فَأَمَّا الْأَوَّلُ مِنْهُمَا فَمُتَعَلِّقٌ بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ، وَهُوَ ارْتِكَابُهُ لِلْمَحْظُورَاتِ وَإِقْدَامُهُ عَلَى الْمُنْكَرَاتِ تَحْكِيمًا لِلشَّهْوَةِ وَانْقِيَادًا لِلْهَوَى، فَهَذَا فِسْقٌ يَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ وَمِنِ اسْتِدَامَتِهَا، فَإِذَا طَرَأَ عَلَى مَنِ انْعَقَدَتْ إِمَامَتُهُ خَرَجَ مِنْهَا، فَلَوْ عَادَ إِلَى الْعَدَالَةِ لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِمَامَةِ إِلاَّ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: يَعُودُ إِلَى الْإِمَامَةِ بِعَوْدَةِ الْعَدَالَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسْتَأْنَفَ لَهُ عَقْدٌ وَلَا بَيْعَةٌ، لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ وَلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ فِي اسْتِئْنَافِ بَيْعَتِهِ.

وَأَمَّا الثَّانِي مِنْهُمَا فَمُتَعَلِّقٌ بِالِاعْتِقَادِ الْمُتَأَوَّلِ بِشُبْهَةٍ تَعْتَرِضُ، فَيُتَأَوَّلُ لَهَا خِلَافُ الْحَقِّ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا: فَذَهَبَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّهَا تَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ وَمِنِ اسْتِدَامَتِهَا، وَيَخْرُجُ مِنْهَا بِحُدُوثِهِ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَوَى حُكْمُ الْكُفْرِ بِتَأْوِيلٍ وَغَيْرِ تَأْوِيلٍ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَ حَالُ الْفِسْقِ بِتَأْوِيلٍ وَغَيْرِ تَأْوِيلٍ.وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْبَصْرَةِ: إِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنِ انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ، وَلَا يَخْرُجُ بِهِ مِنْهَا، كَمَا لَا يَمْنَعُ مِنْ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ وَجَوَازِ الشَّهَادَةِ.

وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: إِذَا وُجِدَتْ هَذِهِ الصِّفَاتُ حَالَةَ الْعَقْدِ، ثُمَّ عُدِمَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ نَظَرْتَ، فَإِنْ كَانَ جَرْحًا فِي عَدَالَتِهِ، وَهُوَ الْفِسْقُ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنِ اسْتِدَامَةِ الْإِمَامَةِ.سَوَاءٌ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِأَفْعَالِ الْجَوَارِحِ.وَهُوَ ارْتِكَابُ الْمَحْظُورَاتِ، وَإِقْدَامُهُ عَلَى الْمُنْكَرَاتِ اتِّبَاعًا لِشَهْوَتِهِ، أَوْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِالِاعْتِقَادِ، وَهُوَ الْمُتَأَوِّلُ لِشُبْهَةٍ تَعْرِضُ يَذْهَبُ فِيهَا إِلَى خِلَافِ الْحَقِّ.وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِهِ (أَحْمَدَ) فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ فِي الْأَمِيرِ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ وَيَغُلُّ، يُغْزَى مَعَهُ، وَقَدْ كَانَ يَدْعُو الْمُعْتَصِمَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ دَعَاهُ إِلَى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ.

وَقَالَ حَنْبَلٌ: فِي وِلَايَةِ الْوَاثِقِ اجْتَمَعَ فُقَهَاءُ بَغْدَادَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالُوا: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَفَاقَمَ وَفَشَا- يَعْنُونَ إِظْهَارَ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ- نُشَاوِرُكَ فِي أَنَّا لَسْنَا نَرْضَى بِإِمْرَتِهِ وَلَا سُلْطَانِهِ.فَقَالَ: عَلَيْكُمْ بِالنَّكِيرِ بِقُلُوبِكُمْ، وَلَا تَخْلَعُوا يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، وَلَا تَشُقُّوا عَصَا الْمُسْلِمِينَ.وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ، وَذَكَرَ الْحَسَنَ بْنَ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ الزَّيْدِيَّ فَقَالَ: كَانَ يَرَى السَّيْفَ، وَلَا نَرْضَى بِمَذْهَبِهِ.

مَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْإِمَامَةُ:

تَنْعَقِدُ الْإِمَامَةُ بِطُرُقٍ ثَلَاثَةٍ، بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ:

أَوَّلًا- الْبَيْعَةُ:

13- وَالْمُرَادُ بِالْبَيْعَةِ بَيْعَةُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، وَهُمْ: عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ وَرُؤَسَاؤُهُمْ وَوُجُوهُ النَّاسِ، الَّذِينَ يَتَيَسَّرُ اجْتِمَاعُهُمْ حَالَةَ الْبَيْعَةِ بِلَا كُلْفَةٍ عُرْفًا، وَلَكِنْ هَلْ يُشْتَرَطُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ؟

اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ، فَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ جَمَاعَةٌ دُونَ تَحْدِيدِ عَدَدٍ مُعَيَّنٍ.وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهَا لَا تَنْعَقِدُ إِلاَّ بِجُمْهُورِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، بِالْحُضُورِ وَالْمُبَاشَرَةِ بِصَفْقَةِ الْيَدِ، وَإِشْهَادِ الْغَائِبِ مِنْهُمْ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ، لِيَكُونَ الرِّضَا بِهِ عَامًّا، وَالتَّسْلِيمُ بِإِمَامَتِهِ إِجْمَاعًا.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ، لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ وَمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَذَكَرُوا أَقْوَالًا خَمْسَةً فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: أَقَلُّ مَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْإِمَامَةُ خَمْسَةٌ، يَجْتَمِعُونَ عَلَى عَقْدِهَا أَوْ يَعْقِدُ أَحَدُهُمْ بِرِضَا الْبَاقِينَ، وَاسْتَدَلُّوا بِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهَا انْعَقَدَتْ بِخَمْسَةٍ اجْتَمَعُوا عَلَيْهَا، ثُمَّ تَابَعَهُمُ النَّاسُ فِيهَا.وَجَعَلَ عُمَرُ الشُّورَى فِي سِتَّةٍ لِيَعْقِدُوا لِأَحَدِهِمْ بِرِضَا الْخَمْسَةِ.

وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَنْعَقِدُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ، لِأَنَّهَا أَشَدُّ خَطَرًا مِنَ الْجُمُعَةِ، وَهِيَ لَا تَنْعَقِدُ بِأَقَلَّ مِنْ أَرْبَعِينَ، وَالرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَدَدٌ مُعَيَّنٌ، بَلْ لَا يُشْتَرَطُ عَدَدٌ، حَتَّى لَوِ انْحَصَرَتْ أَهْلِيَّةُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ بِوَاحِدٍ مُطَاعٍ كَفَتْ بَيْعَتُهُ لِانْعِقَادِ الْإِمَامَةِ، وَلَزِمَ عَلَى النَّاسِ الْمُوَافَقَةُ وَالْمُتَابَعَةُ. شُرُوطُ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ

14- يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ لِأَهْلِ الِاخْتِيَارِ أُمُورًا، هِيَ: الْعَدَالَةُ بِشُرُوطِهَا، وَالْعِلْمُ بِشُرُوطِ الْإِمَامَةِ، وَالرَّأْيُ وَالْحِكْمَةُ وَالتَّدْبِيرُ.

وَيَزِيدُ الشَّافِعِيَّةُ شَرْطًا آخَرَ وَهُوَ: أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي أَحْكَامِ الْإِمَامَةِ إِنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ مِنْ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُجْتَهِدٌ إِنْ كَانَ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ جَمَاعَةً.

15- ثَانِيًا: وِلَايَةُ الْعَهْدِ (الِاسْتِخْلَافُ):

وَهِيَ: عَهْدُ الْإِمَامِ بِالْخِلَافَةِ إِلَى مَنْ يَصِحُّ إِلَيْهِ الْعَهْدُ لِيَكُونَ إِمَامًا بَعْدَهُ.قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: انْعِقَادُ الْإِمَامَةِ بِعَهْدِ مَنْ قَبْلَهُ مِمَّا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ، وَوَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى صِحَّتِهِ، لِأَمْرَيْنِ عَمِلَ الْمُسْلِمُونَ بِهِمَا وَلَمْ يَتَنَاكَرُوهُمَا.

أَحَدُهُمَا: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ- رضي الله عنه- عَهِدَ بِهَا إِلَى عُمَرَ- رضي الله عنه-، فَأَثْبَتَ الْمُسْلِمُونَ إِمَامَتَهُ بِعَهْدِهِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ عُمَرَ- رضي الله عنه- عَهِدَ بِهَا إِلَى أَهْلِ الشُّورَى، فَقَبِلَتِ الْجَمَاعَةُ دُخُولَهُمْ فِيهَا، وَهُمْ أَعْيَانُ الْعَصْرِ اعْتِقَادًا لِصِحَّةِ الْعَهْدِ بِهَا وَخَرَجَ بَاقِي الصَّحَابَةِ مِنْهَا، وَقَالَ عَلِيٌّ لِلْعَبَّاسِ ( (حِينَ عَاتَبَهُ عَلَى الدُّخُولِ فِي الشُّورَى: كَانَ أَمْرًا عَظِيمًا فِي أُمُورِ الْإِسْلَامِ لَمْ أَرَ لِنَفْسِي الْخُرُوجَ مِنْهُ فَصَارَ الْعَهْدُ بِهَا إِجْمَاعًا فِي انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامُ أَنْ يَعْهَدَ بِهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْتَهِدَ رَأْيَهُ فِي الْأَحَقِّ بِهَا وَالْأَقْوَمِ بِشُرُوطِهَا، فَإِذَا تَعَيَّنَ لَهُ الِاجْتِهَادُ فِي وَاحِدٍ نَظَرَ فِيهِ:

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَدًا وَلَا وَالِدًا جَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لَهُ وَبِتَفْوِيضِ الْعَهْدِ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَشِرْ فِيهِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا هَلْ يَكُونُ ظُهُورُ الرِّضَا مِنْهُمْ شَرْطًا فِي انْعِقَادِ بَيْعَتِهِ أَوْ لَا؟ فَذَهَبَ بَعْضُ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ إِلَى أَنَّ رِضَا أَهْلِ الِاخْتِيَارِ لِبَيْعَتِهِ شَرْطٌ فِي لُزُومِهَا لِلْأُمَّةِ، لِأَنَّهَا حَقٌّ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ، فَلَمْ تَلْزَمْهُمْ إِلاَّ بِرِضَا أَهْلِ الِاخْتِيَارِ مِنْهُمْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ بَيْعَتَهُ مُنْعَقِدَةٌ وَأَنَّ الرِّضَا بِهَا غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، لِأَنَّ بَيْعَةَ عُمَرَ- رضي الله عنه- لَمْ تَتَوَقَّفْ عَلَى رِضَا الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّ الْإِمَامَ أَحَقُّ بِهَا فَكَانَ اخْتِيَارُهُ فِيهَا أَمْضَى، وَقَوْلُهُ فِيهَا أَنْفَذَ.

وَإِنْ كَانَ وَلِيُّ الْعَهْدِ وَلَدًا أَوْ وَالِدًا فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي جَوَازِ انْفِرَادِهِ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لَهُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ.

أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لِوَلَدٍ وَلَا لِوَالِدٍ، حَتَّى يُشَاوِرَ فِيهِ أَهْلَ الِاخْتِيَارِ فَيَرَوْنَهُ أَهْلًا لَهَا، فَيَصِحُّ مِنْهُ حِينَئِذٍ عَقْدُ الْبَيْعَةِ لَهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَزْكِيَةٌ لَهُ تَجْرِي مَجْرَى الشَّهَادَةِ، وَتَقْلِيدُهُ عَلَى الْأُمَّةِ يَجْرِي مَجْرَى الْحُكْمِ، وَهُوَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ لِوَالِدٍ وَلَا لِوَلَدٍ، وَلَا يَحْكُمَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتُّهْمَةِ الْعَائِدَةِ إِلَيْهِ بِمَا جُبِلَ مِنَ الْمَيْلِ إِلَيْهِ.

وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يُفْرَدَ بِعَقْدِهَا لِوَلَدٍ، وَوَالِدٍ، لِأَنَّهُ أَمِيرُ الْأُمَّةِ نَافِذُ الْأَمْرِ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ.فَغَلَبَ حُكْمُ الْمَنْصِبِ عَلَى حُكْمِ النَّسَبِ، وَلَمْ يُجْعَلْ لِلتُّهْمَةِ طَرِيقًا عَلَى أَمَانَتِهِ وَلَا سَبِيلًا إِلَى مُعَارَضَتِهِ، وَصَارَ فِيهَا كَعَهْدِهِ بِهَا إِلَى غَيْرِ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ، وَهَلْ يَكُونُ رِضَا أَهْلِ الِاخْتِيَارِ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَهْدِ مُعْتَبَرًا فِي لُزُومِهِ لِلْأُمَّةِ أَوْ لَا؟ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ.

وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لِوَالِدِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهَا لِوَلَدِهِ، لِأَنَّ الطَّبْعَ يَبْعَثُ عَلَى مُمَايَلَةِ الْوَلَدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَبْعَثُ عَلَى مُمَايَلَةِ الْوَالِدِ، وَلِذَلِكَ كَانَ كُلُّ مَا يَقْتَنِيهِ فِي الْأَغْلَبِ مَذْخُورًا لِوَلَدِهِ دُونَ وَالِدِهِ.

فَأَمَّا عَقْدُهَا لِأَخِيهِ وَمَنْ قَارَبَهُ مِنْ عَصَبَتِهِ وَمُنَاسِبِيهِ فَكَعَقْدِهَا لِلْبُعَدَاءِ الْأَجَانِبِ فِي جَوَازِ تَفَرُّدِهِ بِهَا.

وَقَالَ ابْنُ خَلْدُونٍ، بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ الْكَلَامَ فِي الْإِمَامَةِ وَمَشْرُوعِيَّتِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَصْلَحَةِ، وَأَنَّ حَقِيقَتَهَا لِلنَّظَرِ فِي مَصَالِحِ الْأُمَّةِ لِدِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.

قَالَ: فَالْإِمَامُ هُوَ وَلِيُّهُمْ وَالْأَمِينُ عَلَيْهِمْ، يَنْظُرُ لَهُمْ ذَلِكَ فِي حَيَاتِهِ، وَيَتْبَعُ ذَلِكَ أَنْ يَنْظُرَ لَهُمْ بَعْدَ مَمَاتِهِ، وَيُقِيمَ لَهُمْ مَنْ يَتَوَلَّى أُمُورَهُمْ كَمَا كَانَ هُوَ يَتَوَلاَّهَا، وَيَثِقُونَ بِنَظَرِهِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، كَمَا وَثِقُوا بِهِ فِيمَا قَبْلُ، وَقَدْ عُرِفَ ذَلِكَ مِنَ الشَّرْعِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِهِ وَانْعِقَادِهِ، إِذْ وَقَعَ بِعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ- رضي الله عنه- لِعُمَرِ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَأَجَازُوهُ، وَأَوْجَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِهِ طَاعَةَ عُمَرَ- رضي الله عنه- وَعَنْهُمْ، وَكَذَلِكَ عَهِدَ عُمَرُ فِي الشُّورَى إِلَى السِّتَّةِ بَقِيَّةِ الْعَشَرَةِ، وَجَعَلَ لَهُمْ أَنْ يَخْتَارُوا لِلْمُسْلِمِينَ، فَفَوَّضَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، حَتَّى أَفْضَى ذَلِكَ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَاجْتَهَدَ وَنَاظَرَ الْمُسْلِمِينَ فَوَجَدَهُمْ مُتَّفِقِينَ عَلَى عُثْمَانَ وَعَلَى عَلِيٍّ، فَآثَرَ عُثْمَانَ بِالْبَيْعَةِ عَلَى ذَلِكَ لِمُوَافَقَتِهِ إِيَّاهُ عَلَى لُزُومِ الِاقْتِدَاءِ بِالشَّيْخَيْنِ فِي كُلِّ مَا يَعْرِضُ لَهُ دُونَ اجْتِهَادِهِ، فَانْعَقَدَ أَمْرُ عُثْمَانَ لِذَلِكَ، وَأَوْجَبُوا طَاعَتَهُ، وَالْمَلأَُ مِنَ الصَّحَابَةِ حَاضِرُونَ لِلْأُولَى وَالثَّانِيَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْعَهْدِ، عَارِفُونَ بِمَشْرُوعِيَّتِهِ، وَالْإِجْمَاعُ حُجَّةٌ كَمَا عُرِفَ، وَلَا يُتَّهَمُ الْإِمَامُ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَإِنْ عَهِدَ إِلَى أَبِيهِ أَوِ ابْنِهِ، لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عَلَى النَّظَرِ لَهُمْ فِي حَيَاتِهِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَحْتَمِلَ فِيهَا تَبِعَةً بَعْدَ مَمَاتِهِ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِاتِّهَامِهِ فِي الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ، أَوْ لِمَنْ خَصَّصَ التُّهْمَةَ بِالْوَلَدِ دُونَ الْوَالِدِ، فَإِنَّهُ بَعِيدٌ عَنِ الظِّنَّةِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَتْ هُنَاكَ دَاعِيَةٌ تَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ إِيثَارِ مَصْلَحَةٍ أَوْ تَوَقُّعِ مَفْسَدَةٍ فَتَنْتَفِي الظِّنَّةُ فِي ذَلِكَ رَأْسًا.

هَذَا، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَهَا شُورَى بَيْنَ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ مِنْ أَهْلِ الْإِمَامَةِ، فَيَتَعَيَّنُ مَنْ عَيَّنُوهُ بَعْدَ مَوْتِ الْإِمَامِ، لِأَنَّ عُمَرَ- رضي الله عنه- جَعَلَ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ، فَاتَّفَقُوا عَلَى عُثْمَانَ- رضي الله عنه-، فَلَمْ يُخَالِفْ مِنَ الصَّحَابَةِ أَحَدٌ، فَكَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا.

اسْتِخْلَافُ الْغَائِبِ:

16- صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ يَصِحُّ اسْتِخْلَافُ غَائِبٍ عَنِ الْبَلَدِ، إِنْ عُلِمَ حَيَاتُهُ، وَيُسْتَقْدَمُ بَعْدَ مَوْتِ الْإِمَامِ، فَإِنْ طَالَ غِيَابُهُ وَتَضَرَّرَ الْمُسْلِمُونَ بِغِيَابِهِ يَجُوزُ لِأَهْلِ الِاخْتِيَارِ نَصْبُ نَائِبٍ عَنْهُ، وَيَنْعَزِلُ النَّائِبُ بِقُدُومِهِ. شُرُوطُ صِحَّةِ وِلَايَةِ الْعَهْدِ:

17- يَشْتَرِطُ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لِصِحَّةِ وِلَايَةِ الْعَهْدِ شُرُوطًا مِنْهَا:

أ- أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَخْلِفُ جَامِعًا لِشُرُوطِ الْإِمَامَةِ، فَلَا يَصِحُّ الِاسْتِخْلَافُ مِنَ الْإِمَامِ الْفَاسِقِ أَوِ الْجَاهِلِ.

ب- أَنْ يَقْبَلَ وَلِيُّ الْعَهْدِ فِي حَيَاةِ الْإِمَامِ، فَإِنْ تَأَخَّرَ قَبُولُهُ عَنْ حَيَاةِ الْإِمَامِ تَكُونُ وَصِيَّةً بِالْخِلَافَةِ، فَيَجْرِي فِيهَا أَحْكَامُ الْوَصِيَّةِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلٌ بِبُطْلَانِ الْوَصِيَّةِ فِي الِاسْتِخْلَافِ، لِأَنَّ الْإِمَامَ يَخْرُجُ عَنِ الْوِلَايَةِ بِالْمَوْتِ.

ج- أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الْعَهْدِ مُسْتَجْمِعًا لِشُرُوطِ الْإِمَامَةِ، وَقْتَ عَهْدِ الْوِلَايَةِ إِلَيْهِ، مَعَ اسْتِدَامَتِهَا إِلَى مَا بَعْدَ مَوْتِ الْإِمَامِ، فَلَا يَصِحُّ- عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ- عَهْدُ الْوِلَايَةِ إِلَى صَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ فَاسِقٍ وَإِنْ كَمُلُوا بَعْدَ وَفَاةِ الْإِمَامِ، وَتَبْطُلُ بِزَوَالِ أَحَدِ الشُّرُوطِ مِنْ وَلِيِّ الْعَهْدِ فِي حَيَاةِ الْإِمَامِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ الْعَهْدِ إِلَى صَبِيٍّ وَقْتَ الْعَهْدِ، وَيُفَوَّضُ الْأَمْرُ إِلَى وَالٍ يَقُومُ بِهِ، حَتَّى يَبْلُغَ وَلِيُّ الْعَهْدِ.وَصَرَّحُوا أَيْضًا بِأَنَّهُ إِذَا بَلَغَ جُدِّدَتْ بَيْعَتُهُ وَانْعَزَلَ الْوَالِي الْمُفَوَّضُ عَنْهُ بِبُلُوغِهِ.

ثَالِثًا: الِاسْتِيلَاءُ بِالْقُوَّةِ:

18- قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي ثُبُوتِ إِمَامَةِ الْمُتَغَلِّبِ وَانْعِقَادِ وِلَايَتِهِ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا اخْتِيَارٍ، فَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْعِرَاقِ إِلَى ثُبُوتِ وِلَايَتِهِ، وَانْعِقَادِ إِمَامَتِهِ، وَحَمْلِ الْأُمَّةِ عَلَى طَاعَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَعْقِدْهَا أَهْلُ الِاخْتِيَارِ، لِأَنَّ مَقْصُودَ الِاخْتِيَارِ تَمْيِيزُ الْمُوَلَّى، وَقَدْ تَمَيَّزَ هَذَا بِصِفَتِهِ.وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ إِمَامَتَهُ لَا تَنْعَقِدُ إِلاَّ بِالرِّضَا وَالِاخْتِيَارِ، لَكِنْ يَلْزَمُ أَهْلَ الِاخْتِيَارِ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لَهُ، فَإِنْ تَوَقَّفُوا أَثِمُوا لِأَنَّ الْإِمَامَةَ عَقْدٌ لَا يَتِمُّ إِلاَّ بِعَاقِدٍ.

وَقَالَ أَبُو يَعْلَى: الْإِمَامَةُ تَنْعَقِدُ مِنْ وَجْهَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: بِاخْتِيَارِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ.

وَالثَّانِي: بِعَهْدِ الْإِمَامِ مِنْ قَبْلُ.

فَأَمَّا انْعِقَادُهَا بِاخْتِيَارِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، فَلَا تَنْعَقِدُ إِلاَّ بِجُمْهُورِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ.قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: الْإِمَامُ: الَّذِي يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ، كُلُّهُمْ يَقُولُ: هَذَا إِمَامٌ.

وَظَاهِرُ هَذَا: أَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِجَمَاعَتِهِمْ.

وَرُوِيَ عَنْهُ مَا دَلَّ عَلَى أَنَّهَا تَثْبُتُ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ، وَلَا تَفْتَقِرُ إِلَى الْعَقْدِ.فَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبْدُوسِ بْنِ مَالِكٍ الْعَطَّارِ: وَمَنْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ بِالسَّيْفِ حَتَّى صَارَ خَلِيفَةً وَسُمِّيَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَبِيتَ وَلَا يَرَاهُ إِمَامًا، بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا.وَقَالَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ- فِي الْإِمَامِ يَخْرُجُ عَلَيْهِ مَنْ يَطْلُبُ الْمُلْكَ، فَيَكُونُ مَعَ هَذَا قَوْمٌ وَمَعَ هَذَا قَوْمٌ-: تَكُونُ الْجُمُعَةُ مَعَ مَنْ غَلَبَ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ صَلَّى بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ الْحَرَّةِ.وَقَالَ: نَحْنُ مَعَ مَنْ غَلَبَ.

وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى: أَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ »

حَاجَّهُمْ عُمَرُ، وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ- رضي الله عنهما-.مُدَّ يَدَكَ أُبَايِعْكَ فَلَمْ يَعْتَبِرِ الْغَلَبَةَ وَاعْتَبَرَ الْعَقْدَ مَعَ وُجُودِ الِاخْتِلَافِ.

وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: مَا ذَكَرَهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَقَوْلُهُ: نَحْنُ مَعَ مَنْ غَلَبَ وَلِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تَقِفُ عَلَى عَقْدٍ لَصَحَّ رَفْعُهُ وَفَسْخُهُ بِقَوْلِهِمْ وَقَوْلِهِ، كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ (أَيِ الْمُتَغَلِّبَ) لَوْ عَزَلَ نَفْسَهُ أَوْ عَزَلُوهُ لَمْ يَنْعَزِلْ، دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى عَقْدِهِ.

وَلِأَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ خَرَجَ عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا، حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكَرْهًا، فَصَارَ إِمَامًا يَحْرُمُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ، وَلِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ، وَإِرَاقَةِ دِمَائِهِمْ، وَذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ.وَلِخَبَرِ: « اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ أَجْدَعُ ».

وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ.

وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ قَوْلًا: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ إِمَامَةِ الْمُتَغَلِّبِ اسْتِجْمَاعُ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ.كَمَا يَشْتَرِطُ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا: أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى الْأَمْرِ بَعْدَ مَوْتِ الْإِمَامِ الْمُبَايَعِ لَهُ، وَقَبْلَ نَصْبِ إِمَامٍ جَدِيدٍ بِالْبَيْعَةِ، أَوْ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَى حَيٍّ مُتَغَلِّبٍ مِثْلِهِ.أَمَّا إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى الْأَمْرِ وَقَهَرَ إِمَامًا مُوَلًّى بِالْبَيْعَةِ أَوْ بِالْعَهْدِ فَلَا تَثْبُتُ إِمَامَتُهُ، وَيَبْقَى الْإِمَامُ الْمَقْهُورُ عَلَى إِمَامَتِهِ شَرْعًا.

اخْتِيَارُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ:

19- اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَعَيَّنَ لِأَهْلِ الِاخْتِيَارِ وَاحِدٌ هُوَ أَفْضَلُ الْجَمَاعَةِ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِمَامَةِ، فَظَهَرَ بَعْدَ الْبَيْعَةِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، انْعَقَدَتْ بِبَيْعَتِهِمْ إِمَامَةُ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ.كَمَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَوِ ابْتَدَءُوا بَيْعَةَ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ لِعُذْرٍ، كَكَوْنِ الْأَفْضَلِ غَائِبًا أَوْ مَرِيضًا، أَوْ كَوْنِ الْمَفْضُولِ أَطْوَعَ فِي النَّاسِ، وَأَقْرَبَ إِلَى قُلُوبِهِمُ، انْعَقَدَتْ بَيْعَةُ الْمَفْضُولِ وَصَحَّتْ إِمَامَتُهُ، وَلَوْ عَدَلُوا عَنِ الْأَفْضَلِ فِي الِابْتِدَاءِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَجُزْ.

أَمَّا الِانْعِقَادُ فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي انْعِقَادِ بَيْعَةِ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّ بَيْعَتَهُ لَا تَنْعَقِدُ، لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ إِذَا دَعَا إِلَى أَوْلَى الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ.

وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ جَائِزَةٌ لِلْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ، وَصَحَّتْ إِمَامَتُهُ إِذَا تَوَفَّرَتْ فِيهِ شُرُوطُ الْإِمَامَةِ.كَمَا يَجُوزُ فِي وِلَايَةِ الْقَضَاءِ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ لِأَنَّ زِيَادَةَ الْفَضْلِ مُبَالَغَةٌ فِي الِاخْتِيَارِ، وَلَيْسَتْ شَرْطًا فِيهِ.وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَوْمَ السَّقِيفَةِ: قَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ: أَبِي عُبَيْدَة بْنِ الْجَرَّاحِ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.وَهُمَا عَلَى فَضْلِهِمَا دُونَ أَبِي بَكْرٍ فِي الْفَضْلِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ.

وَدَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى بَيْعَةِ سَعْدٍ، وَلَمْ يَكُنْ أَفْضَلَ الصَّحَابَةِ بِالِاتِّفَاقِ، ثُمَّ عَهِدَ عُمَرُ- رضي الله عنه- إِلَى سِتَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ.

وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّهُ لَوْ بُويِعَ أَحَدُهُمْ فَهُوَ الْإِمَامُ الْوَاجِبُ طَاعَتُهُ.فَصَحَّ بِذَلِكَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ- رضي الله عنهم- عَلَى جَوَازِ إِمَامَةِ الْمَفْضُولِ.

عَقْدُ الْبَيْعَةِ لِإِمَامَيْنِ:

20- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ كَوْنُ إِمَامَيْنِ فِي الْعَالَمِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَجُوزُ إِلاَّ إِمَامٌ وَاحِدٌ.وَاسْتَدَلُّوا بِخَبَرِ: « إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا ».وقوله تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا}

وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ: أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حَرَّمَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ التَّفَرُّقَ وَالتَّنَازُعَ، وَإِذَا كَانَ إِمَامَانِ فَقَدْ حَصَلَ التَّفَرُّقُ الْمُحَرَّمُ، فَوُجِدَ التَّنَازُعُ وَوَقَعَتِ الْمَعْصِيَةُ لِلَّهِ تَعَالَى.

فَإِنْ عُقِدَتْ لِاثْنَيْنِ مَعًا بَطَلَتْ فِيهِمَا، أَوْ مُرَتَّبًا فَهِيَ لِلسَّابِقِ مِنْهُمَا.وَيُعَزَّرُ الثَّانِي وَمُبَايِعُوهُ؛ لِخَبَرِ: « إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الْآخِرَ مِنْهُمَا ».وَإِنْ جُهِلَ السَّابِقُ مِنْهُمَا بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِمَا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لِامْتِنَاعِ تَعَدُّدِ الْأَئِمَّةِ، وَعَدَمِ الْمُرَجِّحِ لِأَحَدِهِمَا.

وَعِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: بُطْلَانُ الْعَقْدِ، وَالثَّانِيَةُ: اسْتِعْمَالُ الْقُرْعَةِ.وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا تَبَاعَدَتِ الْبِلَادُ، وَتَعَذَّرَتِ الِاسْتِنَابَةُ، جَازَ تَعَدُّدُ الْأَئِمَّةِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


7-موسوعة الفقه الكويتية (بغاة 1)

بُغَاةٌ -1

التَّعْرِيفُ:

1- يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: بَغَى عَلَى النَّاسِ بَغْيًا: أَيْ ظَلَمَ وَاعْتَدَى، فَهُوَ بَاغٍ وَالْجَمْعُ بُغَاةٌ، وَبَغَى: سَعَى بِالْفَسَادِ، وَمِنْهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ.

وَالْفُقَهَاءُ لَا يَخْرُجُونَ فِي الْجُمْلَةِ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى إِلاَّ بِوَضْعِ بَعْضِ قُيُودٍ فِي التَّعْرِيفِ فَقَدْ عَرَّفُوا الْبُغَاةَ بِأَنَّهُمُ: الْخَارِجُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ الْحَقِّ بِتَأْوِيلٍ، وَلَهُمْ شَوْكَةٌ.

وَيُعْتَبَرُ بِمَنْزِلَةِ الْخُرُوجِ: الِامْتِنَاعُ مِنْ أَدَاءِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ الَّذِي يَطْلُبُهُ الْإِمَامُ، كَالزَّكَاةِ.

وَيُطْلَقُ عَلَى مَنْ سِوَى الْبُغَاةِ اسْمُ (أَهْلِ الْعَدْلِ) وَهُمُ الثَّابِتُونَ عَلَى مُوَالَاةِ الْإِمَامِ.

الْأَلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ- الْخَوَارِجُ:

2- يَقُولُ الْجُرْجَانِيُّ: هُمُ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْعُشْرَ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ السُّلْطَانِ.وَهُمْ فِي الْأَصْلِ كَانُوا فِي صَفِّ الْإِمَامِ عَلِيٍّ- رضي الله عنه- فِي الْقِتَالِ، وَخَرَجُوا عَلَيْهِ لَمَّا قَبِلَ التَّحْكِيمَ.قَالُوا: لِمَ تُحَكِّمْ وَأَنْتَ عَلَى حَقٍّ.

وَيَقُولُ ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّهُمْ يَرَوْنَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ- رضي الله عنه- عَلَى بَاطِلٍ بِقَبُولِهِ التَّحْكِيمَ، وَيُوجِبُونَ قِتَالَهُ، وَيَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَيَسْبُونَ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيَّهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ فِي نَظَرِهِمْ كُفَّارٌ.

وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ بُغَاةٌ، وَلَا يَرَوْنَ تَكْفِيرَهُمْ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّهُمْ كُفَّارٌ مُرْتَدُّونَ.وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَهْلَ الْحَدِيثِ عَلَى تَكْفِيرِهِمْ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبِرِّ أَنَّ الْإِمَامَ عَلِيًّا- رضي الله عنه- سُئِلَ عَنْهُمْ: أَكُفَّارٌ هُمْ؟ قَالَ: مِنَ الْكُفْرِ فَرُّوا.قِيلَ: فَمُنَافِقُونَ؟ قَالَ: إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلًا.قِيلَ فَمَا هُمْ؟ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ أَصَابَتْهُمْ فِتْنَةٌ، فَعَمُوا وَصَمُّوا، وَبَغَوْا عَلَيْنَا، وَقَاتَلُوا فَقَاتَلْنَاهُمْ.وَقَالَ لَهُمْ: لَكُمْ عَلَيْنَا ثَلَاثٌ: لَا نَمْنَعُكُمْ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ تَذْكُرُوا فِيهَا اسْمَ اللَّهِ، وَلَا نَبْدَؤُكُمْ بِقِتَالٍ، وَلَا نَمْنَعُكُمُ الْفَيْءَ مَا دَامَتْ أَيْدِيكُمْ مَعَنَا.

وَيَقُولُ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنْ تَظَاهَرَ الْخَوَارِجُ بِاعْتِقَادِهِمْ، وَهُمْ عَلَى اخْتِلَاطٍ بِأَهْلِ الْعَدْلِ، جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَزِّرَهُمْ.

وَتَفْصِيلُ الْكَلَامِ فِي مُصْطَلَحِ (فِرَق).

ب- الْمُحَارِبُونَ:

3- الْمُحَارِبُونَ: لَفْظٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الْحِرَابَةِ مَصْدَرُ حَرَبَ، وَحَرَبَهُ يَحْرُبُهُ: إِذَا أَخَذَ مَالَهُ، وَالْحَارِبُ: الْغَاصِبُ النَّاهِبُ.

وَعَبَّرَ عَنْهَا الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: بِقَطْعِ الطَّرِيقِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ الْخُرُوجُ عَلَى الْمَارَّةِ لِأَخْذِ الْمَالِ عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ، عَلَى وَجْهٍ يَمْنَعُ الْمَارَّةَ مِنَ الْمُرُورِ، فَيَنْقَطِعُ الطَّرِيقُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْقَطْعُ مِنْ جَمَاعَةٍ أَمْ وَاحِدٍ، بَعْدَ أَنْ يَكُونَ لَهُ قُوَّةُ الْقَطْعِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الْقَطْعُ بِسِلَاحٍ أَمْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْعَصَا وَالْحَجَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.وَتُسَمَّى الْحِرَابَةُ بِالسَّرِقَةِ الْكُبْرَى.

أَمَّا كَوْنُهَا سَرِقَةً؛ فَبِاعْتِبَارِ أَنَّ قَاطِعَ الطَّرِيقِ يَأْخُذُ الْمَالَ خُفْيَةً عَنْ عَيْنِ الْإِمَامِ الَّذِي عَلَيْهِ حِفْظُ الْأَمْنِ.وَأَمَّا كَوْنُهَا كُبْرَى؛ فَلِأَنَّ ضَرَرَهُ يَعُمُّ، حَيْثُ يَقْطَعُ الطَّرِيقَ عَلَى الْجَمَاعَةِ بِزَوَالِ الْأَمْنِ.

فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحِرَابَةِ وَالْبَغْيِ هُوَ أَنَّ الْبَغْيَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ تَأْوِيلٍ، أَمَّا الْحِرَابَةُ فَالْغَرَضُ مِنْهَا الْإِفْسَادُ فِي الْأَرْضِ.

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلْبَغْيِ:

4- الْبَغْيُ حَرَامٌ، وَالْبُغَاةُ آثِمُونَ، وَلَكِنْ لَيْسَ الْبَغْيُ خُرُوجًا عَنِ الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سَمَّى الْبُغَاةَ مُؤْمِنِينَ فِي قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} إِلَى أَنْ قَالَ: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ}، وَيَحِلُّ قِتَالُهُمْ، وَيَجِبُ عَلَى النَّاسِ مَعُونَةُ الْإِمَامِ فِي قِتَالِهِمْ.وَمَنْ قُتِلَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَثْنَاءَ قِتَالِهِمْ فَهُوَ شَهِيدٌ.وَيَسْقُطُ قِتَالُهُمْ إِذَا فَاءُوا إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَيَقُولُ الصَّنْعَانِيُّ: إِذَا فَارَقَ أَحَدٌ الْجَمَاعَةَ وَلَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِمْ وَلَا قَاتَلَهُمْ يُخَلَّى وَشَأْنَهُ؛ إِذْ مُجَرَّدُ الْخِلَافِ عَلَى الْإِمَامِ لَا يُوجِبُ قِتَالَ الْمُخَالِفِ.

وَفِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَغَيْرُهُ قَالَ النَّبِيُّ- عليه الصلاة والسلام- لِابْنِ مَسْعُودٍ: «يَا ابْنَ مَسْعُودٍ: أَتَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيمَنْ بَغَى مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ؟ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.قَالَ: حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ أَلاَّ يُتْبَعَ مُدْبِرُهُمْ، وَلَا يُقْتَلَ أَسِيرُهُمْ، وَلَا يُذَفَّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ».

وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْبَغْيَ لَيْسَ اسْمَ ذَمٍّ؛ لِأَنَّ الْبُغَاةَ خَالَفُوا بِتَأْوِيلٍ جَائِزٍ فِي اعْتِقَادِهِمْ، لَكِنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِيهِ، فَلَهُمْ نَوْعُ عُذْرٍ؛ لِمَا فِيهِمْ مِنْ أَهْلِيَّةِ الِاجْتِهَادِ.

وَقَالُوا: إِنَّ مَا وَرَدَ فِي ذَمِّهِمْ، وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مِنْ وَصْفِهِمْ بِالْعِصْيَانِ أَوِ الْفِسْقِ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا أَهْلِيَّةَ فِيهِ لِلِاجْتِهَادِ، أَوْ لَا تَأْوِيلَ لَهُ.وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ تَأْوِيلُهُ قَطْعِيَّ الْبُطْلَانِ.

5- وَقَدْ بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ أَنْوَاعَ الْبُغَاةِ مِنْ حَيْثُ جَوَازُ فِعْلِهِمْ، أَوْ كَوْنُهُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً كَمَا يَلِي:

أ- الْبُغَاةُ إِذَا لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ لَيْسُوا بِفَاسِقِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ مُخْطِئُونَ فِي تَأْوِيلِهِمْ، كَالْمُجْتَهِدِينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، يَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ.وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ.وَكَذَا إِنْ تَكَلَّمُوا بِالْخُرُوجِ لَكِنْ لَمْ يَعْزِمُوا عَلَى الْخُرُوجِ بَعْدُ، فَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُمْ؛ لِأَنَّ الْعَزْمَ عَلَى الْجِنَايَةِ لَمْ يُوجَدْ.وَمِثَالُ ذَلِكَ: مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِمَّنْ عَصَى الْإِمَامَ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ، مِنْ أَنَّهُ مَكَثَ أَشْهُرًا لَمْ يُبَايِعِ الْخَلِيفَةَ ثُمَّ بَايَعَهُ.يَقُولُ الْقُرْطُبِيُّ: وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ لَعْنَ الْبُغَاةِ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ وَتَفْسِيقَهُمْ.

ب- إِنْ خَالَطَ الْبُغَاةَ أَهْلُ الْعَدْلِ، وَتَظَاهَرُوا بِاعْتِقَادِهِمْ، دُونَ مُقَاتَلَتِهِمْ جَازَ لِلْإِمَامِ تَعْزِيرُهُمْ؛ إِذِ التَّظَاهُرُ بِاعْتِقَادِهِمْ، وَنَشْرُهُ بَيْنَ أَهْلِ الْعَدْلِ دُونَ قِتَالٍ يُعْتَبَرُ مِنَ الصَّغَائِرِ.

ج- إِذَا اجْتَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِمَامٍ، وَصَارُوا آمَنِينَ بِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِظُلْمٍ ظَلَمَهُمْ إِيَّاهُ، وَلَكِنْ لِدَعْوَى الْحَقِّ وَالْوِلَايَةِ.فَقَالُوا: الْحَقُّ مَعَنَا، وَيَدَّعُونَ الْوِلَايَةَ، وَلَهُمْ تَأْوِيلٌ وَمَنَعَةٌ، فَهُمْ أَهْلُ بَغْيٍ، فَعَلَى كُلِّ مَنْ يَقْوَى عَلَى الْقِتَالِ مُنَاصَرَةُ الْإِمَامِ عَلَيْهِمْ.قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَمِنَ الْبُغَاةِ الْخَوَارِجُ.

وَيَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ: إِذَا خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ فَهُمْ فُسَّاقٌ.

شُرُوطُ تَحَقُّقِ الْبَغْيِ:

6- يَتَحَقَّقُ الْبَغْيُ بِمَا يَلِي:

أ- أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُونَ عَلَى الْإِمَامِ جَمَاعَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُمْ شَوْكَةٌ، وَخَرَجُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ لِإِرَادَةِ خَلْعِهِ بِتَأْوِيلٍ فَاسِدٍ.فَلَوْ خَرَجَ عَلَيْهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَكَانُوا حَرْبِيِّينَ لَا بُغَاةً.وَلَوْ خَرَجَتْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا طَلَبِ إِمْرَةٍ لَكَانُوا قُطَّاعَ طَرِيقٍ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ قُوَّةٌ وَمَنَعَةٌ، وَلَا يُخْشَى قِتَالُهُمْ، وَلَوْ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ.وَلَوْ خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ بِحَقٍّ- كَدَفْعِ ظُلْمٍ- فَلَيْسُوا بِبُغَاةٍ، وَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَتْرُكَ الظُّلْمَ وَيُنْصِفَهُمْ، وَلَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ مَعُونَةُ الْإِمَامِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِعَانَةً عَلَى الظُّلْمِ، وَلَا أَنْ يُعِينُوا تِلْكَ الطَّائِفَةَ الْخَارِجَةَ؛ لِأَنَّ فِيهِ إِعَانَةً عَلَى خُرُوجِهِمْ، وَاتِّسَاعِ الْفِتْنَةِ، وَقَدْ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَيْقَظَ الْفِتْنَةَ.

وَأَمَّا مَنْ خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ بِمَنَعَةٍ، بِتَأْوِيلٍ يُقْطَعُ بِفَسَادِهِ، مُسْتَحِلِّينَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ، مِمَّا كَانَ قَطْعِيَّ التَّحْرِيمِ، كَتَأْوِيلِ الْمُرْتَدِّينَ، فَلَيْسُوا بِبُغَاةٍ؛ لِأَنَّ الْبَاغِيَ تَأْوِيلُهُ مُحْتَمِلٌ لِلصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، وَلَكِنَّ فَسَادَهُ هُوَ الْأَظْهَرُ، وَهُوَ مُتَّبِعٌ لِلشَّرْعِ فِي زَعْمِهِ، وَالْفَاسِدُ مِنْهُ مُلْحَقٌ بِالصَّحِيحِ، إِذَا ضُمَّتْ إِلَيْهِ الْمَنَعَةُ فِي حَقِّ الدَّفْعِ.

ب- أَنْ يَكُونَ النَّاسُ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى إِمَامٍ وَصَارُوا بِهِ آمَنِينَ، وَالطُّرُقَاتُ بِهِ آمِنَةٌ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ يَكُونُ عَاجِزًا، أَوْ جَائِرًا ظَالِمًا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ وَعَزْلُهُ، إِنْ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ فِتْنَةٌ، وَإِلاَّ فَالصَّبْرُ أَوْلَى مِنَ التَّعَرُّضِ لِإِفْسَادِ ذَاتِ الْبَيْنِ.

ج- أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ، أَيْ بِإِظْهَارِ الْقَهْرِ.وَقِيلَ: بِالْمُقَاتَلَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ يَعْصِي الْإِمَامَ لَا عَلَى سَبِيلِ الْمُغَالَبَةِ لَا يَكُونُ مِنَ الْبُغَاةِ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ الْقَهْرِ لَا يَكُونُ بَاغِيًا.

د- وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِاشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ لِلْخَارِجِينَ مُطَاعٌ فِيهِمْ، يَصْدُرُونَ عَنْ رَأْيِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا مَنْصُوبًا؛ إِذْ لَا شَوْكَةَ لِمَنْ لَا مُطَاعَ لَهُمْ.

وَقِيلَ: بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ إِمَامٌ مَنْصُوبٌ مِنْهُمْ،

هَذَا وَلَا يُشْتَرَطُ لِتَحَقُّقِ الْبَغْيِ انْفِرَادُهُمْ بِنَحْوِ بَلَدٍ وَلَكِنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لِمُقَاتَلَتِهِمْ.

الْإِمَامُ الَّذِي يُعْتَبَرُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ بَغْيًا:

7- مَنِ اتَّفَقَ، الْمُسْلِمُونَ عَلَى إِمَامَتِهِ وَبَيْعَتِهِ، وَثَبَتَتْ إِمَامَتُهُ، وَجَبَتْ طَاعَتُهُ وَمَعُونَتُهُ، وَمِثْلُهُ مَنْ تَثْبُتُ إِمَامَتُهُ بِعَهْدِ إِمَامٍ قَبْلَهُ إِلَيْهِ؛ إِذِ الْإِمَامُ يَصِيرُ إِمَامًا بِالْمُبَايَعَةِ أَوْ بِالِاسْتِخْلَافِ مِمَّنْ قَبْلَهُ.وَلَوْ خَرَجَ رَجُلٌ عَلَى الْإِمَامِ فَقَهَرَهُ، وَغَلَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ، حَتَّى أَذْعَنُوا لَهُ وَتَابَعُوهُ، صَارَ إِمَامًا يَحْرُمُ قِتَالُهُ وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ.وَيُنْظَرُ لِلتَّفْصِيلِ بَحْثُ (الْإِمَامَةِ الْكُبْرَى).

أَمَارَاتُ الْبَغْيِ:

8- إِذَا تَكَلَّمَ جَمَاعَةٌ فِي الْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ وَمُخَالَفَةِ أَوَامِرِهِ، وَأَظْهَرُوا الِامْتِنَاعَ، وَكَانُوا مُتَحَيِّزِينَ مُتَهَيِّئِينَ لِقَصْدِ الْقِتَالِ، لِخَلْعِ الْإِمَامِ وَطَلَبِ الْإِمْرَةِ لَهُمْ، وَكَانَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ يُبَرِّرُ فِي نَظَرِهِمْ مَسْلَكَهُمْ دُونَ الْمُقَاتَلَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ أَمَارَةَ بَغْيِهِمْ.

وَيَنْبَغِي إِذَا مَا بَلَغَ الْإِمَامَ أَمْرُهُمْ، وَأَنَّهُمْ يَشْتَرُونَ السِّلَاحَ وَيَتَأَهَّبُونَ لِلْقِتَالِ، أَنْ يَأْخُذَهُمْ وَيَحْبِسَهُمْ حَتَّى يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ، وَيُحْدِثُوا تَوْبَةً؛ دَفْعًا لِلشَّرِّ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّهُ لَوِ انْتَظَرَ أَنْ يَبْدَءُوهُ بِالْقِتَالِ، فَرُبَّمَا لَا يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ، لِتَقَوِّي شَوْكَتِهِمْ وَتَكَثُّرِ جَمْعِهِمْ، خُصُوصًا وَالْفِتْنَةُ يُسْرِعُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْفَسَادِ.وَيَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي بَدْئِهِمْ بِالْقِتَالِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ.

وَكَذَلِكَ فَإِنَّ مُخَالَفَتَهُمْ لِلْإِمَامِ لِمَنْعِ حَقِّ اللَّهِ، أَوْ لآِدَمِيٍّ كَزَكَاةٍ، وَكَأَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ مِمَّا جَبَوْهُ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَخَرَاجِ الْأَرْضِ، مَعَ التَّحَيُّزِ وَالتَّهَيُّؤِ لِلْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ عَلَى وَجْهِ الْمُغَالَبَةِ، وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ أَمَارَةَ بَغْيِهِمْ.

أَمَّا لَوْ أَظْهَرُوا رَأْيَ الْخَوَارِجِ، كَتَكْفِيرِ فَاعِلِ الْكَبِيرَةِ وَتَرْكِ الْجَمَاعَاتِ وَاسْتِبَاحَةِ دِمَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالِهِمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَرْتَكِبُوا ذَلِكَ، وَلَمْ يَقْصِدُوا الْقِتَالَ، وَلَمْ يَخْرُجُوا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ أَمَارَةَ الْبَغْيِ، حَتَّى لَوِ امْتَازُوا بِمَوْضِعٍ يَتَجَمَّعُونَ فِيهِ، لَكِنْ إِنْ حَصَلَ مِنْهُمْ ضَرَرٌ تَعَرَّضْنَا لَهُمْ إِلَى زَوَالِ الضَّرَرِ.

بَيْعُ السِّلَاحِ لِأَهْلِ الْفِتْنَةِ

9- ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ السِّلَاحِ لِلْبُغَاةِ وَأَهْلِ الْفِتْنَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا سَدٌّ لِذَرِيعَةِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَكَذَا مَا كَانَ فِي مَعْنَى الْبَيْعِ مِنْ إِجَارَةٍ أَوْ مُعَاوَضَةٍ، وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الْفِتْنَةِ».

وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِكَرَاهَةِ بَيْعِ السِّلَاحِ لَهُمْ كَرَاهَةً تَحْرِيمِيَّةً؛ لِأَنَّهُ إِعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}؛ وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ أَخْذُ سِلَاحِهِمْ بِمَا أَمْكَنَ، حَتَّى لَا يَسْتَعْمِلُوهُ فِي الْفِتْنَةِ، فَمَنْعُ بَيْعِهِ لَهُمْ أَوْلَى.

وَالَّذِي يُكْرَهُ هُوَ بَيْعُ السِّلَاحِ نَفْسِهِ الْمُعَدِّ لِلِاسْتِعْمَالِ.وَإِنْ لَمْ يَدْرِ أَنَّ طَالِبَ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ لَا يُكْرَهُ الْبَيْعُ لَهُ؛ لِأَنَّ الْغَلَبَةَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لِأَهْلِ الصَّلَاحِ، وَالْأَحْكَامُ تُبْنَى عَلَى الْغَالِبِ.

وَأَمَّا مَا لَا يُقَاتَلُ بِهِ إِلاَّ بِصَنْعَةٍ كَالْحَدِيدِ، فَلَا يُكْرَهُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَقَعُ بِعَيْنِ السِّلَاحِ، بِخِلَافِ الْحَدِيدِ، وَقَاسُوهُ عَلَى الْخَشَبِ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الْمَعَازِفُ، فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ بَيْعُهُ؛ لِأَنَّ عَيْنَهُ لَيْسَ مُنْكَرًا، وَإِنَّمَا الْمُنْكَرُ فِي اسْتِعْمَالِهِ الْمَحْظُورِ.

وَالْحَدِيدُ وَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ تَحْرِيمًا بَيْعُهُ لِأَهْلِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَهْلِ الْبَغْيِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَفَرَّغُونَ لِاسْتِعْمَالِ الْحَدِيدِ سِلَاحًا؛ لِأَنَّ فَسَادَهُمْ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ بِالتَّوْبَةِ، أَوْ بِتَفْرِيقِ جَمْعِهِمْ، بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ.

وَاسْتَظْهَرَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّ الْكَرَاهَةَ تَنْزِيهِيَّةٌ، وَقَالَ: وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِهَذَا.

وَاجِبُ الْإِمَامِ نَحْوَ الْبُغَاةِ:

أ- قَبْلَ الْقِتَالِ:

10- يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَدْعُوَ الْبُغَاةِ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ إِلَى الْعَوْدَةِ إِلَى الْجَمَاعَةِ، وَالدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ رَجَاءَ الْإِجَابَةِ، وَقَبُولِ الدَّعْوَةِ، لَعَلَّ الشَّرَّ يَنْدَفِعُ بِالتَّذْكِرَةِ؛ لِأَنَّهُ تُرْجَى تَوْبَتُهُمْ، وَيَسْأَلُهُمْ عَنْ سَبَبِ خُرُوجِهِمْ، فَإِنْ كَانَ لِظُلْمٍ مِنْهُ أَزَالَهُ، وَإِنْ ذَكَرُوا عِلَّةً يُمْكِنُ إِزَالَتُهَا أَزَالَهَا، وَإِنْ ذَكَرُوا شُبْهَةً كَشَفَهَا؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَدَأَ الْأَمْرَ بِالْإِصْلَاحِ قَبْلَ الْقِتَالِ فَقَالَ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}.وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَفُّهُمْ وَدَفْعُ شَرِّهِمْ، لَا قَتْلُهُمْ.فَإِذَا أَمْكَنَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ كَانَ أَوْلَى مِنَ الْقِتَالِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ بِالْفَرِيقَيْنِ.وَلَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يُخَافَ شَرُّهُمْ.وَإِنْ طَلَبُوا الْإِنْظَارَ- وَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْ قَصْدِهِمُ الرُّجُوعَ إِلَى الطَّاعَةِ- أَمْهَلَهُمْ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ: يُنْظِرُهُمْ إِلَى مُدَّةٍ قَرِيبَةٍ كَيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ.

وَإِنْ أَصَرُّوا عَلَى بَغْيِهِمْ، بَعْدَ أَنْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ أَمِينًا نَاصِحًا لِدَعْوَتِهِمْ، نَصَحَهُمْ نَدْبًا بِوَعْظٍ تَرْغِيبًا وَتَرْهِيبًا، وَحَسَّنَ لَهُمُ اتِّحَادَ كَلِمَةِ الدِّينِ وَعَدَمَ شَمَاتَةِ الْكَافِرِينَ، فَإِنْ أَصَرُّوا آذَنَهُمْ بِالْقِتَالِ.

وَإِنْ قَاتَلَهُمْ بِلَا دَعْوَةٍ جَازَ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ.

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يَجِبُ إِنْذَارُهُمْ وَدَعْوَتُهُمْ مَا لَمْ يُعَاجِلُوهُ.

وَكَوْنُ الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ عَارِفًا فَطِنًا وَاجِبٌ، إِنْ بُعِثَ لِلْمُنَاظَرَةِ وَكَشْفِ الشُّبْهَةِ، وَإِلاَّ فَمُسْتَحَبٌّ.

وَفَصَّلَ الْكَاسَانِيُّ فَقَالَ: إِنْ عَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّهُمْ يُجَهِّزُونَ السِّلَاحَ وَيَتَأَهَّبُونَ لِلْقِتَالِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ، وَيَحْبِسَهُمْ حَتَّى يَتُوبُوا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ حَتَّى تَعَسْكَرُوا وَتَأَهَّبُوا لِلْقِتَالِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى رَأْيِ الْجَمَاعَةِ أَوَّلًا، فَإِنَّ الْإِمَامَ عَلِيًّا- رضي الله عنه- لَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِ أَهْلُ حَرُورَاءَ، نَدَبَ إِلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ- رضي الله عنهما- لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الْعَدْلِ، فَإِنْ أَجَابُوا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ...وَإِنْ قَاتَلَهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُمْ، فَهُمْ مُسْلِمُونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.

وَقَدْ أَسْنَدَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا خَرَجَتِ الْحَرُورِيَّةُ اعْتَزَلُوا فِي دَارٍ، وَكَانُوا سِتَّةَ آلَافٍ، فَقُلْتُ لِعَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ: لَعَلِّي أُكَلِّمُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ.قَالَ إِنِّي أَخَافُهُمْ عَلَيْكَ.قُلْتُ: كَلاَّ.فَلَبِسْتُ ثِيَابِي، وَمَضَيْتُ إِلَيْهِمْ، حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ مُجْتَمِعُونَ.

وَقُلْتُ: أَتَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ- صلى الله عليه وسلم- مِنْ عِنْدِ ابْنِ عَمِّ النَّبِيِّ وَصِهْرِهِ وَعَلَيْهِمْ نَزَلَ الْقُرْآنُ، وَهُمْ أَعْرَفُ بِتَأْوِيلِهِ مِنْكُمْ.وَلَيْسَ فِيكُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ.وَقُلْتُ: هَاتُوا مَا نَقَمْتُمْ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ وَخَتَنِهِ.قَالُوا: ثَلَاثٌ.أَنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ} وَأَنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، فَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَقَدْ حَلَّتْ لَنَا نِسَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْنَا دِمَاؤُهُمْ.وَأَنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ يَكُونُ أَمِيرَ الْكَافِرِينَ.قُلْتُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَرَأْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَحَدَّثْتُكُمْ مِنْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ- صلى الله عليه وسلم- مَا يَرُدُّ قَوْلَكُمْ هَذَا، تَرْجِعُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ.قُلْتُ: أَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَأَنَا أَقْرَأُ عَلَيْكُمْ أَنْ قَدْ صَيَّرَ اللَّهُ حُكْمَهُ إِلَى الرِّجَالِ فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبُعُ دِرْهَمٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} إِلَى قَوْلِهِ {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا} أَنْشُدُكُمُ اللَّهَ أَحُكْمُ الرِّجَالِ فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ أَحَقُّ، أَمْ فِي أَرْنَبٍ ثَمَنُهَا رُبُعُ دِرْهَمٍ؟.وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ قَاتَلَ وَلَمْ يَسْبِ وَلَمْ يَغْنَمْ، أَتَسْبُونَ أُمَّكُمْ عَائِشَةَ، فَتَسْتَحِلُّونَ مِنْهَا مَا تَسْتَحِلُّونَ مِنْ غَيْرِهَا، وَهِيَ أُمُّكُمْ؟ لَئِنْ فَعَلْتُمْ لَقَدْ كَفَرْتُمْ.فَإِنْ قُلْتُمْ: لَيْسَتْ أُمَّنَا فَقَدْ كَفَرْتُمْ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ}.وَأَمَّا قَوْلُكُمْ: إِنَّهُ مَحَا نَفْسَهُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ.فَإِنَّ «رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- دَعَا قُرَيْشًا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، عَلَى أَنْ يَكْتُبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا، فَقَالَ لِكَاتِبِهِ: اكْتُبْ: هَذَا مَا قَضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ.فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ، وَلَكِنِ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي.يَا عَلِيُّ اكْتُبْ: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ»، فَرَسُولُ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ عَلِيٍّ، وَقَدْ مَحَا نَفْسَهُ وَلَمْ يَكُنْ مَحْوُ ذَلِكَ مَحْوًا مِنَ النُّبُوَّةِ.فَرَجَعَ مِنْهُمْ أَلْفَانِ وَبَقِيَ سَائِرُهُمْ، فَقُوتِلُوا.

وَيُصَرِّحُ الْأَلُوسِيُّ أَنَّهُ يَجِبُ قَبْلَ الْقِتَالِ إِزَالَةُ الشُّبْهَةِ بِالْحُجَجِ النَّيِّرَةِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ، وَدَعْوَةِ الْبُغَاةِ إِلَى الرُّجُوعِ إِلَى الْجَمَاعَةِ وَالدُّخُولِ فِي طَاعَةِ الْإِمَامِ.

ب- قِتَالُ الْبُغَاةِ:

11- إِذَا مَا دَعَا الْإِمَامُ الْبُغَاةَ إِلَى الدُّخُولِ فِي طَاعَتِهِ، وَكَشَفَ شُبْهَتَهُمْ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا وَتَحَيَّزُوا مُجْتَمِعِينَ، وَكَانُوا مُتَهَيِّئِينَ لِلْقِتَالِ فَإِنَّهُ يَحِلُّ قِتَالُهُمْ.وَلَكِنْ هَلْ نَبْدَؤُهُمْ بِالْقِتَالِ، أَمْ لَا نُقَاتِلُهُمْ إِلاَّ إِذَا أَظْهَرُوا الْمُغَالَبَةَ؟ هُنَاكَ اتِّجَاهَانِ:

الِاتِّجَاهُ الْأَوَّلُ: جَوَازُ الْبَدْءِ بِالْقِتَالِ؛ لِأَنَّهُ لَوِ انْتَظَرْنَا قِتَالَهُمْ رُبَّمَا لَا يُمْكِنُ الدَّفْعُ، وَهُوَ مَا نَقَلَهُ خُوَاهَرْ زَادَهْ، قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لِأَنَّ النَّصَّ جَاءَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِالْبُدَاءَةِ مِنْهُمْ فِي قوله تعالى: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} وَقَوْلِ عَلِيٍّ- رضي الله عنه-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «سَيَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، حِدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»؛ وَلِأَنَّ الْحُكْمَ يُدَارُ عَلَى عَلَامَتِهِ، وَهِيَ هُنَا التَّحَيُّزُ وَالتَّهَيُّؤُ، فَلَوِ انْتَظَرْنَا حَقِيقَةَ قِتَالِهِمْ لَصَارَ ذَرِيعَةً لِتَقْوِيَتِهِمْ.فَيُدَارُ الْحُكْمُ عَلَى الْإِمَارَةِ ضَرُورَةَ دَفْعِ شَرِّهِمْ؛ وَلِأَنَّهُمْ بِالْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ صَارُوا عُصَاةً فَجَازَ قِتَالُهُمْ، إِلَى أَنْ يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ.وَمَا نُقِلَ عَنْ عَلِيٍّ- رضي الله عنه- مِنْ قَوْلِهِ فِي الْخَوَارِجِ لَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتَّى تُقَاتِلُونَا مَعْنَاهُ: حَتَّى تَعْزِمُوا عَلَى قِتَالِنَا.وَلَوْ أَمْكَنَ دَفْعُ شَرِّهِمْ بِالْحَبْسِ بَعْدَمَا تَأَهَّبُوا فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَا نُقَاتِلُهُمْ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ دَفْعُ شَرِّهِمْ بِأَهْوَنَ مِنْهُ.

وَإِلَى الْقَوْلِ بِحِلِّ بَدْئِهِمْ بِالْقِتَالِ اتَّجَهَ فُقَهَاءُ الْحَنَابِلَةِ، جَاءَ فِي كَشَّافِ الْقِنَاعِ: إِنْ أَبَوُا الرُّجُوعَ وَعَظَهُمْ وَخَوَّفَهُمْ بِالْقِتَالِ، فَإِنْ رَجَعُوا إِلَى الطَّاعَةِ تَرَكَهُمْ، وَإِلاَّ لَزِمَهُ قِتَالُهُمْ إِنْ كَانَ قَادِرًا؛ لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ.

الِاتِّجَاهُ الثَّانِي: نَقَلَ الْقُدُورِيُّ أَنَّهُ لَا يَبْدَؤُهُمْ بِالْقِتَالِ حَتَّى يَبْدَءُوهُ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْكَاسَانِيُّ وَالْكَمَالُ.قَالَ الْكَاسَانِيُّ: لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ، لَا لِشَرِّ شِرْكِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، فَمَا لَمْ يَتَوَجَّهِ الشَّرُّ مِنْهُمْ لَا يُقَاتِلُهُمُ الْإِمَامُ؛ إِذْ لَا يَجُوزُ قِتَالُ الْمُسْلِمِ إِلاَّ دَفْعًا، بِخِلَافِ الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْكُفْرِ قَبِيحٌ.وَهُوَ مَا اسْتَظْهَرَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَلاَّ يَبْدَءُوا مَنْ خَرَجُوا عَلَيْهِ بِالْقِتَالِ، وَإِنْ أَمْكَنَ دَفْعُهُمْ دُونَ الْقَتْلِ لَمْ يَجُزِ الْقَتْلُ.وَلَا يَجُوزُ قِتَالُهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ إِلاَّ أَنْ يُخَافَ شَرُّهُمْ كَالصَّائِلِ.وَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: «الْأَفْضَلُ تَرْكُهُ حَتَّى يَبْدَءُوهُ» أَيِ الْقِتَالَ.

الْمُعَاوَنَةُ فِي مُقَاتَلَةِ الْبُغَاةِ:

12- مَنْ دَعَاهُ الْإِمَامُ إِلَى مُقَاتَلَةِ الْبُغَاةِ افْتُرِضَ عَلَيْهِ إِجَابَتُهُ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ الْإِمَامِ فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَرْضٌ.

قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: يَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ أَطَاقَ الدَّفْعَ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَ الْإِمَامِ، إِلاَّ إِنْ كَانَ سَبَبُ الْخُرُوجِ ظُلْمَ الْإِمَامِ بِمَا لَا شُبْهَةَ فِيهِ؛ إِذْ يَجِبُ مَعُونَتُهُمْ لِإِنْصَافِهِمْ إِنْ كَانَ ذَلِكَ مُمْكِنًا.وَمَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَزِمَ بَيْتَهُ.وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ قَعَدُوا فِي الْفِتْنَةِ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ فِي تَرَدُّدٍ مِنْ حِلِّ الْقِتَالِ.

وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ قَوْلِهِ: «إِذَا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْتَزِلَ الْفِتْنَةَ، وَيَقْعُدَ فِي بَيْتِهِ» فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِمَامٌ.أَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى اقْتِتَالِهِمَا حَمِيَّةً وَعَصَبِيَّةً، أَوْ لِأَجْلِ الدُّنْيَا وَالْمُلْكِ.وَلَوْ كَانَ السُّلْطَانُ ظَالِمًا، وَبَغَتْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ لِرَفْعِ الظُّلْمِ، وَطُلِبَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَجِبْ، فَلَا يَنْبَغِي لِلنَّاسِ مُعَاوَنَةُ السُّلْطَانِ وَلَا مُعَاوَنَةُ الْبُغَاةِ؛ إِذْ غَيْرُ الْعَدْلِ لَا تَجِبُ مُعَاوَنَتُهُ.قَالَ مَالِكٌ: دَعْهُ وَمَا يُرَادُ مِنْهُ، يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنَ الظَّالِمِ بِظَالِمٍ، ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا.وَيَنُصُّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى مَنْ خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ- وَلَوْ جَائِرًا- يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِعَانَتُهُ مِمَّنْ قَرُبَ مِنْهُمْ، حَتَّى تَبْطُلَ شَوْكَتُهُمْ.

وَيَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ مَعُونَةِ الْإِمَامِ لِدَفْعِ الْبُغَاةِ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو- رضي الله عنهما- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «مَنْ أَعْطَى إِمَامًا صَفْقَةَ يَدِهِ وَثَمَرَةَ قَلْبِهِ فَلْيُطِعْهُ إِنِ اسْتَطَاعَ، فَإِنْ جَاءَ آخَرُ يُنَازِعُهُ فَاضْرِبُوا عُنُقَ الْآخَرِ» وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَتْ إِمَامَتُهُ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ؛ لِلْحَدِيثِ السَّابِقِ «يَخْرُجُ قَوْمٌ فِي آخِرِ الزَّمَانِ...».

شُرُوطُ قِتَالِ الْبُغَاةِ وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ:

13- إِذَا لَمْ يُجْدِ مَعَ الْبُغَاةِ النُّصْحُ، وَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لِلرُّجُوعِ إِلَى طَاعَةِ الْإِمَامِ وَالدُّخُولِ فِي الْجَمَاعَةِ، أَوْ لَمْ يَقْبَلُوا الِاسْتِتَابَةَ- إِنْ كَانُوا فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ- وَرَأَوْا مُقَاتَلَتَنَا وَجَبَ قِتَالُهُمْ.بِشَرْطِ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لِحُرُمَاتِ أَهْلِ الْعَدْلِ، أَوْ يَتَعَطَّلَ جِهَادُ الْمُشْرِكِينَ بِهِمْ، أَوْ يَأْخُذُوا مِنْ حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ مَا لَيْسَ لَهُمْ، أَوْ يَمْتَنِعُوا مِنْ دَفْعِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ، أَوْ يَتَظَاهَرُوا عَلَى خَلْعِ الْإِمَامِ الَّذِي انْعَقَدَتْ لَهُ الْبَيْعَةُ.عَلَى مَا قَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ.وَقَالَ الرَّمْلِيُّ: الْأَوْجَهُ وُجُوبُ قِتَالِهِمْ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ بِبَقَائِهِمْ- وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مَا ذُكِرَ- تَتَوَلَّدُ مَفَاسِدُ، قَدْ لَا تُتَدَارَكُ مَا دَامُوا قَدْ خَرَجُوا عَنْ قَبْضَةِ الْإِمَامِ وَتَهَيَّئُوا لِلْقِتَالِ.

وَلَوِ انْدَفَعَ شَرُّهُمْ بِمَا هُوَ أَهْوَنُ وَجَبَ بِقَدْرِ مَا يَنْدَفِعُ؛ إِذْ يُشْتَرَطُ لِمُقَاتَلَتِهِمْ أَنْ يَتَعَيَّنَ الْقِتَالُ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ، وَإِذَا أَمْكَنَ ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ كَانَ أَوْلَى مِنَ الْقِتَالِ.

كَيْفِيَّةُ قِتَالِ الْبُغَاةِ:

14- الْأَصْلُ أَنَّ قِتَالَهُمْ إِنَّمَا يَكُونُ دَرْءًا لِتَفْرِيقِ الْكَلِمَةِ، مَعَ عَدَمِ التَّأْثِيمِ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ، وَلِذَا فَإِنَّ قِتَالَهُمْ يَفْتَرِقُ عَنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ بِأَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا: أَنْ يَقْصِدَ بِالْقِتَالِ رَدْعَهُمْ لَا قَتْلَهُمْ، وَأَنْ يَكُفَّ عَنْ مُدْبِرِهِمْ، وَلَا يُجْهِزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَا تُقْتَلُ أَسْرَاهُمْ، وَلَا تُغْنَمُ أَمْوَالُهُمْ، وَلَا تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ، وَلَا يُسْتَعَانُ عَلَيْهِمْ بِمُشْرِكٍ، وَلَا يُوَادِعُهُمْ عَلَى مَالٍ، وَلَا تُنْصَبُ عَلَيْهِمُ الْعَرَّادَاتُ (الْمَجَانِيقُ وَنَحْوُهَا)، وَلَا تُحَرَّقُ مَسَاكِنُهُمْ، وَلَا يُقْطَعُ شَجَرُهُمْ.

وَإِذَا تَحَيَّزَ الْبُغَاةُ إِلَى جِهَةٍ مُجْتَمَعِينَ، أَوْ إِلَى جَمَاعَةٍ وَلَمْ يُمْكِنْ دَفْعُ شَرِّهِمْ إِلاَّ بِالْقِتَالِ، حَلَّ قِتَالُهُمْ حَتَّى يَتَفَرَّقَ جَمْعُهُمْ، وَلَوْ أَمْكَنَ دَفْعُ شَرِّهِمْ بِالْحَبْسِ بَعْدَمَا تَأَهَّبُوا فَعَلَ ذَلِكَ؛ إِذِ الْجِهَادُ مَعَهُمْ وَاجِبٌ بِقَدْرِ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ شَرُّهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ.وَقَدْ قَاتَلَ عَلِيٌّ- رضي الله عنه- أَهْلَ حَرُورَاءَ بِالنَّهْرَوَانِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ- عليه الصلاة والسلام- لَهُ «أَنَا أُقَاتِلُ عَلَى تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ، وَعَلِيٌّ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِهِ» وَالْقِتَالُ مَعَ التَّأْوِيلِ هُوَ الْقِتَالُ مَعَ الْبُغَاةِ، وَذَلِكَ كَقِتَالِ أَبِي بَكْرٍ- رضي الله عنه- مَانِعِي الزَّكَاةِ.

وَإِذَا قَاتَلَهُمْ الْإِمَامُ فَهَزَمَهُمْ، وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَأُمِنَ جَانِبُهُمْ، أَوْ تَرَكُوا الْقِتَالَ بِإِلْقَاءِ السِّلَاحِ أَوْ بِالْهَزِيمَةِ أَوْ بِالْعَجْزِ، لِجِرَاحٍ أَوْ أَسِيرٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ، وَلَا يُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحِهِمْ، وَلَا يَقْتُلُوا أَسِيرَهُمْ؛ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ عَنْ شَرِّهِمْ، وَلَا تُسْبَى لَهُمْ ذُرِّيَّةٌ، وَلَا يُقْسَمُ لَهُ مَالٌ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ- رضي الله عنه- لَا يُقْتَلُ بَعْدَ الْهَزِيمَةِ مُقْبِلٌ وَلَا مُدْبِرٌ، وَلَا يُفْتَحُ بَابٌ، وَلَا يُسْتَحَلُّ فَرْجٌ وَلَا مَالٌ بَلْ قَالَ لَهُمْ: مَنِ اعْتَرَفَ شَيْئًا فَلْيَأْخُذْهُ، أَيْ مَنْ عَرَفَ مِنَ الْبُغَاةِ مَتَاعَهُ اسْتَرَدَّهُ، وَقَالَ يَوْمَ الْجَمَلِ: لَا تَتَّبِعُوا مُدْبِرًا، وَلَا تُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا تَقْتُلُوا أَسِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَالنِّسَاءَ؛ وَلِأَنَّ قِتَالَهُمْ لِلدَّفْعِ وَالرَّدِّ إِلَى الطَّاعَةِ دُونَ الْقَتْلِ.وَيَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ: أَمَّا غَنِيمَةُ أَمْوَالِهِمْ وَسَبْيُ ذُرِّيَّتِهِمْ فَلَا نَعْلَمُ فِي تَحْرِيمِهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ، وَإِنَّمَا أُبِيحَ مِنْ دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ مَا حَصَلَ مِنْ ضَرُورَةِ دَفْعِهِمْ وَقِتَالِهِمْ، وَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ بَعِيدَةٌ يَنْحَازُونَ إِلَيْهَا، وَلَا يُتَوَقَّعُ فِي الْعَادَةِ مَجِيئُهَا إِلَيْهِمْ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُ وُصُولِهَا لَهُمْ، فَإِنَّهُ لَا يُقَاتَلُ مُدْبِرُهُمْ، وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ؛ لِأَمْنِ غَائِلَتِهِ إِلاَّ إِذَا كَانَ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ قَرِيبَةٌ تُسْعِفُهُمْ عَادَةً، وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ اتِّبَاعُهُمْ وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ.أَوْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ بَعِيدَةٌ يُتَوَقَّعُ فِي الْعَادَةِ مَجِيئُهَا إِلَيْهِمْ وَالْحَرْبُ قَائِمَةٌ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ ذَلِكَ فَالْمُتَّجَهُ أَنْ يُقَاتَلَ.

وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ، فَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ إِذَا أُمِنَ جَانِبُهُمْ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِمْ، لَمْ يُتْبَعْ مُنْهَزِمُهُمْ، وَلَمْ يُذَفَّفْ عَلَى جَرِيحِهِمْ.

أَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَيَنُصُّونَ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْبَغْيِ إِذَا تَرَكُوا الْقِتَالَ، بِالرُّجُوعِ إِلَى الطَّاعَةِ، أَوْ بِإِلْقَاءِ السِّلَاحِ، أَوْ بِالْهَزِيمَةِ إِلَى فِئَةٍ، أَوْ إِلَى غَيْرِ فِئَةٍ، أَوْ بِالْعَجْزِ لِجِرَاحٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ أَسْرٍ فَإِنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُهُمْ وَاتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ.وَسَاقَ ابْنُ قُدَامَةَ الْآثَارَ الْوَارِدَةَ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْمُدْبِرِ وَالْإِجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ وَقَتْلِ الْأَسِيرِ، وَهِيَ عَامَّةٌ.ثُمَّ قَالَ: لِأَنَّ الْمَقْصُودَ كَفُّهُمْ وَقَدْ حَصَلَ، فَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهُمْ كَالصَّائِلِ، وَلَا يُقْتَلُونَ لِمَا يُخَافُ فِي التَّالِي- إِنْ كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ- كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ.

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ يَنْحَازُونَ إِلَيْهَا- مُطْلَقًا- فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَقْتُلُوا مُدْبِرَهُمْ، وَيُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحِهِمْ؛ لِئَلاَّ يَنْحَازُوا إِلَى الْفِئَةِ، فَيَمْتَنِعُوا بِهَا، فَيَكُرُّوا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ.وَالْمُعْتَبَرُ فِي جَوَازِ الْقَتْلِ أَمَارَةُ قِتَالِهِمْ لَا حَقِيقَتُهُ؛ وَلِأَنَّ قَتْلَهُمْ إِذَا كَانَ لَهُمْ فِئَةٌ، لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ دَفْعًا؛ لِأَنَّهُ يَتَحَيَّزُ إِلَى الْفِئَةِ وَيَعُودُ شَرُّهُ كَمَا كَانَ.وَقَالُوا: إِنَّ مَا قَالَهُ عَلِيٌّ- رضي الله عنه- عَلَى تَأْوِيلِ إِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ.

موسوعة الفقه الكويتية-وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت-صدرت بدءًا من: 1404هـ/1984م


8-الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي (1 أحمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم)

1 - أحمد بن عبد الله بن عبد المطلب، النّبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.

نَسبُه: - محمد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عَبْدِ مَنَاف بن قُصَيٍّ بن كلاب بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيٍّ بن غالِب بن فِهْر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزَيمة بن مُدْرِكة بن إِلياس بن مُضَر بن نِزَار بن مَعَدِّ بن عَدْنَان.

إلى هنا مُتفقٌ عليه في الصحيحين.

وذكر بعض أصْحابِنا، عليه الإجماع.

ومن هنا: مُختلفٌ فيه. والأَشْهَر فيه: ابن أُدٍّ [ويقال]: ابن أُدَّدٍ بن

مُقَوَّم بن نَاحُور - بـ "النون" و"الحاء" - بن تَيْرَح بن يَعْرُب بن يَشْجُب بن نَابتٍ بن إِسماعيل بن إِبراهيم بن تَارخ - وهو آزر - بن نَاحُور بن شَارُوخ بن أرغُوا بن عَيبر بن سَالِخ بن أَرْفَخْشَد بن سَام بن نُوح ابن لاَمِكٍ بن متُوشَّلَخ - وهو إدريس عليه السلام فيما يزعمون - بن أخْنُوخ بن يَرْدٍ بن مهْلاَئِيل بن قَيْنَنِ - ويقال: قَيْنَان - بن يَانِش -

ويقال: أنَش، ويقال: أَنُوش - بن شيث بن آدم عليه السلام.

كُنْيَتُه: أبو القاسم، وأبُو إبراهيم.

وله أسماءٌ كثيرة منها: محمد، وأحمد، والحاشِر، والعَاقِب، والُمقَفِّي، والخَاتَم، ونبيُّ الرحمة، ونبيُّ الَملْحَمَة، ونبيُّ التوبة، والفَاتِح، وطَهَ، ويس، والمزمل، والمدثر.

وذكر ابن العربي المالكي: أنَّ لَهُ أَلْفَ اسْمٍ.

وأُمُّهُ: آمنة، وأَبُوه: عبد الله، وَوُلدَ: عام الفيل.

وقيل: بعدَهُ بثلاثين سنة، وقيل: أربعين، وقيل: بعَشرٍ.

وكان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول. وقيل: ثاني عشر، وقيل: الثاني، وقيل: الثَامِن، وقيل: العَاشِرُ من شهر رجب، وقيل: رمضان.

وتُوُفيَّ يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من

الهِجْرة، وقيل: في شهر رجب، وقيل: غير ذلك.

ودُفِنَ يوم الثلاثاء حينَ زالت الشّمس، وقيل: لَيْلَةَ الأَرْبعَاء، وله ثلاَث وسِتُّون سنة، وقيل: اثْنَتَان وستّون، وقيل: خمسٌ وستون وكان ليس بالطويل البائن، ولا القصير، ولا الأَبْيَض الأَمْهَق، ولا الآدم، ولا الجَعْد القَطَط، ولا السَّبْطَ، تُوُفي وليس في رأسه ولِحْيَتهِ عشرون شعرةً بيضاء.

وكان حسنَ الجِسْم، بعيد ما بيْن المنكبين، كثَّ اللِّحْيَة، شَثْنَ الكفَّيْن، ضَخْمَ الرأس والكرادِيس، أدْعَج العيْنَيْن، طويل أهْدابِها، دقيقَ الَمسْرُبَة، إِذا مشى كَأَنَّما ينْحَط من صَبَبٍ، أشْعَر الَمنْكِبَيْن، والذِرَاعَيْن، وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحْبَ الراحة، بيْن كتِفَيْه خاتَمُ النبوة كزِرِّ الحَجَلَةِ.

وكان أَزَجَّ الحَاجِبَيْن، واسِعَ الجبين، لم يُرَ قَبْلَه ولا بَعْدَه أحسنَ منه، ولا أحْيى، ولا أبشَّ منه، ولا أهْيَب، ضَحِكُه تَبَسُّمًا، كثير البِشْر، كثير البُكَاء.

وكان لَهُ من الولد: إبراهيم، والقاسِم، وعبد الله، وقيل:

والطيِّب، والطَّاهِر، والُمطَهِّر، والُمطَيِّب.

ومن الإناث: زَينب، وفَاطِمة، ورُقيَّة، وأُمُّ كلثوم.

وأصهارُه: علي، وأبو العاص، وعثمان.

وكان له أحدَ عشر عمًّا: الحارث، وقُثَم، والزبير، وحمزة،

والعبَّاس، وأبو طالب، وأبو لهب، وعبد الكعبة، وحَجْل - بـ "حاء" مهملة مفتوحة، ثم "جيم" ساكنة - وضِرَار، والغَيْدَاق. أسلم منهم حمزة، والعباس.

وعماته ستٌّ: صفية - أم الزبير، أسلمت وهاجرت - وعاتكة: وقيل أنها أَسْلَمت، وبَرَّة، وأرْوَى، وأُمَيْمَة، وأم حكيم: وهي البيضاء.

ومراضِعُه: أُمُّه، وثُوَيبَة، وحليمة.

وأزْوَاجُه: خديجة، ثم سَوْدة، وعائشة، وحفصة، وأُمُّ حبيبة، وأمُّ سَلَمة، وزينب، وميْمونة، وجُوَيْرية، وصفية وطلَّق زوجَتَيْن قَبْل

الدخول.

وكان له سريَّتان: مارية، ورَيْحَانة

ومواليه: نحو الخمسين من الرجال، والعشرين من النساء.

وكُتَّابُه: معاوية، وزيد بن ثابت، وعلي بن أبي طالب.

وخدَّامُه كثيرون جدًا، من أجلِّهم: أنس، والصّديق.

ومؤذِّنُوه: بلال، وابن أم مكتوم، وأبو محذورة.

وغَزَواتُه تِسعة عشر، واعْتَمَر أربعًا، وحَجَّ مرة، وقيل: مرتيْن، ولم يُصَلِّ به أحدٌ قط إلَّا عبد الرحمن بن عوف، وأخا الصديق وعليًا، ودُفِن معه

أبو بكر، وعمر، وأقام في الوحي: عِشْرين سنة، عشرًا بمكة، وعشرًا بالمدينة، وسَمَّى خَلْقًا، وغَيِّر أسماء آخرين، وقد أفردنا لذلك جزءا.

وكان لَهُ ناقةٌ تُسَمَّى العَضْباء، وبَغْلَةٌ بيضاء، وحمارٌ، وقَدَحٌ، ورمح، وسيف، وخاتم، وكان يحب الحلوى، والعسل، وكان يقول: "لا تُطْرُوني كما أطْرَت النصارى ابن مريم، فإنَّما أَنَا عَبْدُهُ، فقولوا: عبد الله وَرَسُوله".

وكان لا يَأْكُل مُتّكِئًا، ولم يَر شاةً سَمِيطًا، ولا رغِيفًا مُرفّقًا، ويجْلِس الهِلاَل ثم الهِلال، ثم الهِلاَل ما يُوقَد في بَيْتِه نَار.

وكان أجْود الناس، وألينَهُمْ كفًّا، وأطْيَبَهُم ريحًا، وأحسنَهُم عِشْرةً، وأشجَعَهُم، وأعْلَمَهُم بالله، وأشدَّهُم لَهُ خِشْيةً، لا ينْتَقِم لنَفْسِه، ولا يغْضَب لها، وإنما يفعل ذلك لَمحارِم الله. وكان خُلُقه القرآن، أكثر الناس تواضعًا، يقضي حاجة أَهْله، ويَخْفض جناحَه للضَعفة، ويخْصِف نَعْلَهُ، ويُرَقِّع ثَوْبَهُ. ما سُئِل

شيئًا قطٌ فقال: "لا".

القريبُ: والبَعيدُ، والقويُّ، والضعيف عنده في الحق سواءٌ.

ما عابَ طعامًا قطُّ، إنْ اشْتَهَاهُ أكلَه، وإلَّا تركه، يأكُل الهدية، ولا يأكل الصدَقة وكان يَعُود المرضى، ويجيب الدعوة. وقال: لو دعيتُ إلى كُراع لأجَبْت، ولو أُهْدِيَ إلىَّ ذِرَاعٌ لقَبِلْت"، لا يحْقِر أحدًا.

يأْكُل بأصَابِعه الثلاث ويَلْعَقُهُنَّ، ويتنفَّس في الإناء ثلاثًا خارج الإناء ويتكلم بجوامع الكلم، ويعيد الكلمة ثلاثًا، ولا يتكلم في غير حاجة، ولا يقعد ولا يقوم إلا على ذكر الله، وكان يَرْدِفْ خَلْفَهُ حتى النساء، ولا يدع أحدًا يمشى خَلْفَهُ، ويُعَصِّب على بطنه الحجَر من الجُوع، وفِرَاشُه من أَدَمٍ، حَشْوُهُ لِيُفِ، متقلِّلًا من أمْتِعَة الدنيا، وقد أعطاهُ اللهَ مفاتيح خَزَائن

الأَرض فأبَى وعَرض عليه أن يجعل لَهُ بطحاء مكة ذهبًا، فقال: (لاَ في رب، ولكن أشْبَع تارةً، فإذا جُعْتُ: تَضَرَّعت إليك وذكرتك، وإذا شَبِعْت: حمدتك وشكَرْتُك".

وكان كثير الذكر، دائم الفِكْر، ويحب الطِّيب والنساء، ويكره المُنْتِن والخَبِيث، ويمزح، لا يقُول إلَّا حقًا، ويقْبَل عُذْر المُعْتَذر، عِتَابه تَعْرِيضًا، ويأمر بالرفق وينهى عن العنف، ويحث على العفو، والصفح، ومكارم الأخلاق وكان مجلسه مجلس حلم، وحياء، وأمانة، وصيانة، وصبر، وسكينة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تُؤْبَن فيه الحُرُم، ولا يذكر فيه اللَّغَط، يتعاطفون فيه بالتقوى، ويتواضعون، ويوقَّر الكبار، وَيرحْم الصغار، وُيؤَثِر المحتاج، ويُكّرِم كَرِيمَ القوم، ويتفقد أصحابه. "لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صَخّابًا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح".

ولم يضرب قط أحدًا إلَّا أنْ يجاهد في سبيل الله. "وما خير بين أمرين إلَّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان فيه إثم كان أبعد الناس منه".

وبَشَّر عشرةً من أصحابه بالجنّة، وكان خَصِيصًا بهم فَسُمُّوا بالعشرة، وقد أفردنا مناقبهم في عشر مصنفات، ومات عن مائة وبِضْعَة عَشَر [ألفا] من أصحابه، ونُصِر بالرعب مسيرَة شهْر، وكتب قبل وفاتِه إلى

ملوك الأرض، فانْقَادَ النَجَاشِيُّ، وخَافَهُ الَمقُوقَس وغيره، فأرْسَلُوا لَهُ الهدايا، وتكَبَّر عليه كسرى فدعا عليه فنفَذَت فيه دعوته.

وكان يُعْجِبُه التَّيَمنُ في كلِّ أُمُورِه، وينام على جَنْبِه الأَيْمَن، ويُحِبَ الوتر في الأشياء، ويأْكُل القِثَّاء بالرُطَب، ويحب الخروج يوم الخميس، ويكره القدوم بالليل.

وكان إِذا أتاه طالبَ حاجةٍ يقول: "اشفعوا تؤجروا، ويقض الله على لسان نبيه ما شاء"، ولم يخلق الله أحق منه، ولا أفضل، ولا أزهد، ولا أعلم، ولا أحلم، ولا أجمل، ولا أكمل.

ولو أردنا اسْتِقْصاء محاسِنِه ومكارِمِه وصِفَاتِه الحميدة، لطال الأمر ولعجزنا عن استقصائِها.

وقيل: فلو مُدَّت الأقلامُ بماءِ البحر لَمْ تُحِطْ بما قيل من مَدْحٍ، فما الحِبْرُ يَفْعل، وإِنَّما ذكرنا نُبْذَةً من فضائِله، وشَذْرَةً من شمائِله، تَبَرُكًا بذكره، واستِشْفَاءً بِنَشْرِه، والتِذَاذًا بِعِطْره. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا.

الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي-جمال الدين أبو المحاسن الحنبلي الدمشقي الصالحي المعروف بـ «ابن المبرد»-توفي: 909هـ/1503م


9-المعجم الغني (أقْسَمَ)

أقْسَمَ- [قسم]، (فعل: رباعي. لازم، مزيد بحرف)، أقْسَمْتُ، أُقْسِمُ، أَقْسِمْ، المصدر: إِقْسامٌ.

1- "أقْسَمَ باللَّهِ العَظِيمِ": حَلَفَ بِهِ. "لا تُقْسِمْ بِاللهِ كَذِبًا وبُهْتَانًا".

2- "أقْسَمَ بِشَرَفِهِ أن يَنْتَقِمَ لِنَفْسِهِ": عَاهِدَ نَفْسَهُ أنْ..

الغني-عبدالغني أبوالعزم-صدر: 1421هـ/2001م


10-المعجم الغني (اِنْتَقَمَ)

اِنْتَقَمَ- [نقم]، (فعل: خماسي. لازم، مزيد بحرف)، اِنْتَقَمَ، يَنْتَقِمُ، انْتَقِمْ مصدر. اِنْتِقامٌ. "قَرَّرَ أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ": أَنْ يَأْخُذَ بِثَأْرِهِ، أَنْ يُعاقِبَهُ على ما بَدَرَ مِنْهُ.

{فانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا} [الروم: 47].

الغني-عبدالغني أبوالعزم-صدر: 1421هـ/2001م


11-معجم الرائد (اسْتَقَصَّ)

اسْتَقَصَّ اسْتِقْصَاصًا: - اسْتَقَصَّهُ: طلب منه أن ينتقم له ممن اعتدى عليه.

الرائد-جبران مسعود-صدر: 1384هـ/1965م


12-طِلبة الطلبة (عدو)

(عدو):

اسْتَعْدَتْ الْمَرْأَةُ الْقَاضِيَ عَلَى زَوْجِهَا أَيْ طَلَبَتْ مِنْهُ أَنْ يُعْدِيَهَا عَلَيْهِ أَيْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ بِاعْتِدَائِهِ عَلَيْهَا وَاسْمُ هَذَا الطَّلَبِ الْعَدْوَى وَفِعْلُهَا الِاسْتِعْدَاءُ وَفِعْلُ الْقَاضِي الْإِعْدَاءُ

طلبة الطلبة-أبوحفص النسفي-توفي: 537هـ/1142م


13-طِلبة الطلبة (كفل)

(كفل):

وَإِذَا اسْتَعْدَى عَلَى الْمَكْفُولِ بِهِ يُقَالُ اسْتَعْدَى الْمُدَّعِي الْأَمِيرَ أَوْ الْقَاضِيَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَعْدَاهُ الْقَاضِي وَهُوَ طَلَبُهُ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَنْتَقِمَ مِنْ خَصْمِهِ بِاعْتِدَائِهِ عَلَيْهِ وَاسْم هَذَا الطَّلَبِ الْعَدْوَى قَالَهُ فِي مُجْمَلِ اللُّغَةِ وَقَوْلُ الْمُتَفَقِّهَةِ تَعْلِيقُ الْبَرَوَاتِ بِالشُّرُوطِ بَاطِلٌ بِتَرْكِ الْهَمْزَةِ وَإِثْبَاتِ الْوَاوِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي اللُّغَةِ بَلْ الصَّحِيحُ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَاتِ فَإِنَّ الْكَلِمَةَ فِي الْأَصْلِ مَهْمُوزَةٌ وَإِذَا قَالَ كَفَلْت لَك بِنَفْسِ فُلَانٍ وَإِنْ لَمْ أُوَافِك بِهِ غَدًا فَعَلَيَّ الْمَالُ الَّذِي لَك عَلَى فُلَانٍ وَهُوَ غَيْرُ الْمَكْفُولِ بِنَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ بِشَكْلِ الْكَفَالَةِ الْأُولَى هَذَا بِفَتْحِ الشِّينِ وَهُوَ الْمِثْلُ وَالْمُشَاكِلُ الْمُشَابِهُ وَالشِّكْلُ بِالْكَسْرِ الدَّلَالُ يُقَالُ امْرَأَةٌ ذَاتُ شِكْلٍ أَيْ دَلَالٍ الْكَفَالَةُ لِلِاسْتِيثَاقِ أَيْ لِلْأَحْكَامِ وَالتَّوْثِيقُ كَذَلِكَ وَالشَّيْءُ الْوَثِيقُ الْمُحْكَمُ وَمَصْدَرُهُ الْوَثَاقَة وَهُوَ مِنْ حَدِّ شَرُفَ.

طلبة الطلبة-أبوحفص النسفي-توفي: 537هـ/1142م


14-تاج العروس (عدو)

[عدو]: وعَدا يَعْدُو؛ ذِكْرُ المُضارعِ مُسْتدركٌ كما مَرَّ الإيماءُ إليه مِرارًا، عَدْوًا، بالفَتْح، وعَدُوَّا، كعُلُوِّ؛ وعَدَوانًا، محرَّكةً، وتَعْداءً بالفتحِ وعَدًا، مَقْصورٌ: أَحْضَرَ، يكونُ مِنَّا ومِن الخَيْلِ.

وحُكِي: أَتاهُ عَدْوًا، وهو مُقارِبُ الهَرْولَةِ ودُونَ الجَرْي.

وأَعْداهُ غَيْرُهُ. يقالُ: أَعْدَيْتُ الفَرَسَ: أَي حَمَلْته على الحُضْر.

والعَدَوانُ، محرَّكةً، والعَدَّاءُ، كشَدَّادٍ: كِلاهُما الشَّديدَةُ، هكذا في النُّسخِ والصَّوابُ الشَّد يدُهُ بهاءِ الضَّمِير؛ أَي الشَّديدُ العَدْوِ.

في الصِّحاح، يقالُ: إنَّه لعَدَوانٌ؛ أَي شَديدُ العَدْوِ.

وتَعادَوْا: تَبارَوْا فيه؛ أَي في العَدْوِ.

وقالَ الراغبُ: أَصْلُ العَدْوِ التَّجاوُزُ ومُنافاةُ الالْتِئَامِ، فتارَةً يُعْتَبر بالمَشْيِ فيُقالُ له العَدْوُ، وتارَةً بالقَلْبِ فيُقالُ له العَدَاوَةُ إلى آخِر ما قال.

والعِداءُ، ككِساءٍ ويُفْتَحُ: الطَّلَقُ الواحِدُ للفَرَسِ؛ فمَنْ فَتَحَ قالَ جاوَزَ هذا إلى ذاكَ، ومَنْ كَسَر فمِنْ عَادَى الصَّيْدَ مِنَ العَدْوِ وهو الحُضْر حتى يَلْحَقَه.

والعَدِيُّ، كَغَنِيِّ جماعَةُ القوْمِ، بلُغَةِ هُذَيْل، يَعْدُونَ لقِتالٍ ونحْوِه؛ أو الذين يَعْدُونَ على أَقْدامِهم؛ كما في الصِّحاح، قالَ: وهو جَمْعُ عادٍ كغَازٍ وغَزِيِّ.

أَو أَوَّلُ من يَحْمِلُ من الرَّجَّالةِ لأنَّهم يُسْرِعُونَ العَدْوَ؛ وأَنْشَدَ الجوهريُّ لمالِكِ بنِ خالِدٍ الخُنَاعِيّ:

لمَّا رأَيْتُ عَدِيَّ القوْمِ يَسْلُبُهم *** طَلْحُ الشَّواجِنِ والطَّرْفاءُ والسَّلَمُ

كالعادِيَةِ فيهِما، والجمْعُ العَوادِي.

أَو هي للفُرْسانِ؛ أَي لأوَّل مَنْ يَحْمِلُ منهم في الغارَةِ خاصَّةً.

وعَدا عليه عَدْوًا وعُدُوًّا، كفَلْسٍ وفُلُوسٍ، وبهما قُرئ قوْلُه تعالى: {فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}؛ وعُدُوّ، كعُلُوِّ، قراءَةُ الحَسَنِ؛ وقُرِئ: عَدُوًّا، يَعْنِي بجماعَةٍ، وقيلَ: هو واحِدٌ في مَعْنى جماعةٍ؛ وعَداءً، كسَحابٍ، وعُدْوانًا، بالضَّمِّ والكَسْرِ، عن ابنِ سِيدَه، وعُدْوَى، بالضمِّ فَقَط: ظَلَمَهُ ظُلْمًا جاوَزَ فيه القدرَ، وهذا تَجاوُزٌ في الإخْلالِ بالعَدَالةِ فهو عادٍ؛ ومنه قوْلُهم: لا أَشْمَتَ اللهُ بكَ عادِيَكَ أَي الظالِمُ لكَ؛ وقوْلُه تعالى: ولا {عُدْوانَ إِلّا عَلَى الظّالِمِينَ}؛ أَي لا سَبِيلَ.

وقِيلَ: العُدْوانُ أَسْوأُ الاعْتِداءِ فِي قوَّةٍ أَو فِعْلٍ أَو حالٍ؛ ومنه قولُه تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا}، وقولُه تعالى: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ}؛ أَي مُعْتَدُونَ.

كتَعَدَّى واعْتَدَى وأَعْدَى، ومِن الأخيرِ: أَعْدَيْت في مَنْطِقِكَ؛ أَي جرْتَ؛ كما في الصِّحاح.

قالَ الراغبُ: الاعْتِداءُ مجاوَزَةُ الحَقِّ قد يكونُ على سَبِيلِ الابْتِداءِ، وهو المُنْهَى عنه؛ ومنه قولُه تعالى: {وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. وقد يكونُ على سَبيلِ المُجازَاةِ ويصحّ أن يُتَعاطَى مَعَ مَنِ ابْتَدَأَ كقَوْلِه تعالى: {فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ}؛ أَي قابِلُوه بحقِّ اعْتِدائِه سُمِّي بمثْلِ اسْمِه لأنَّ صورَةَ الفِعْلَيْن واحِدٌ، وإنْ كانَ أَحدُهما طاعَةً والآخَرُ مَعْصِيَةً.

وهو مَعْدُوٌّ عليه، ومَعْدِيُّ عليه على قَلْبِ الواوِ ياءً للخفَّةِ؛ وأَنْشَدَ الجوهرِيُّ:

وقد عَلِمَتْ عِرْسِي مُلَيْكَةُ أَنَّنِي *** أَنا الليثُ مَعْدِيًّا عليه وعادِيا

والعَدْوَى: الفَسادُ، والفِعْلُ كالفِعْل.

وعَدا اللِّصُّ على القُماشِ عَداءَ، كسَحابٍ، وعُدْوانًا، بالضَّمِّ والتَّحْريكِ؛ وفي المُحْكم بالضَّمِّ والفَتْح معًا وهكذا ضَبَطَه؛ أَي سَرَقَهُ؛ وهذا أَيْضًا تَجاوُزٌ فيما يخلُّ بالعَدَالةِ.

وذِئْبٌ عَدَوانٌ، محرَّكةً: أَي عادٍ.

وفي الصِّحاح: يَعْدُو على الناسِ.

ومِن سَجَعاتِ الأساسِ: وما هو إلَّا ذِئْبٌ عَدَوانٌ دِينُه الظُّلم والعُدْوانُ.

وعَداهُ عن الأَمْرِ عَدْوًا، بالفَتْحِ، وعُدْوانًا، بالضَّمِّ: صَرَفَهُ وشَغَلَهُ؛ كعَدَّاهُ، بالتَّشديدِ. يقالُ: عَدّ عن كذا؛ أَي اصْرِفْ بَصَرَك عنه.

وعَدَا عليه عَدْوًا: وَثَبَ.

وعَدَا الأَمْرَ، وعَدا عنه: جاوَزَهُ وتَرَكَهُ.

وعَداهُ الأَمْرَ كتَعدَّاهُ: تَجاوَزَهُ.

وعَدَّاهُ تَعْدِيَةً: أَجازَهُ وأَنْفَذَه فتَعَدَّى.

والتَّعَدِّي: مُجاوَزَةُ الشَّي‌ءِ إلى غيرِهِ، ومنه تَعْدِيةُ الفِعْلِ عنْدَ النُّحَّاةِ، وهو جَعْلُ الفِعْل لفاعِلٍ يَصِيرُ مَنْ كانَ فاعِلًا له قَبْل التَّعْديَةِ مَنْسوبًا إلى الفِعْل نَحْو خَرَجَ زيْدٌ فأَخْرَجْتَه.

والعَداءُ، كسَماءٍ وغُلَواءٍ: البُعْدُ.

وفي الصِّحاحِ: بُعْد الَّدارِ.

* قُلْت: ومنه قوْلُ الَّراجزِ:

منه على عُدَواءِ الدَّار تَسْقِيمُ

وأَيْضًا: الشَّغْلُ يَصْرِفُكَ عنِ الشَّي‌ءِ، قال زهيرٌ:

وعادَكَ أَن تُلاقيها العَدَاء

وقيلَ: العُدَواءُ: عادَةُ الشُّغْل.

وقيلَ: عُدَواءُ الشُّغْلِ مَوانِعُه؛ وأَنْشَدَ الجوهريُّ للعجَّاج:

وإنْ أَصابَ عُدَوَاءَ احْرَوْرَفا *** عَنْها وولَّاها ظُلُوفًا ظُلَّفا

والتَّعادِي: الأمْكِنَةُ الغَيْرُ المُتَساوِيَةِ؛ وقد تَعادَى المَكانُ: إذا تَفاوَتَ ولم يَسْتَوِ؛ ومنه الحديثُ: «وفي المَسْجِدِ جَراثِيمُ وتَعادٍ؛ أَي أَمْكنَةٌ مُخْتَلِفَة غَيْر مُسْتَوِيةٍ.

وفي الصِّحاح: قالَ الأصْمعيّ: نِمْتُ على مَكانٍ مُتَعادٍ، إذا كانَ مُتَفاوِتًا ليسَ بمُسْتَوٍ.

وهذه أَرْضٌ مُتعادِيَةٌ: ذاتُ حِجَرَةٍ ولَخاقِيق.

وفي الأساسِ: وبعُنُقِي وَجَعٌ مِن تَعادِي الوِسادِ: مِن المَكانِ المُتَعادِي غَيْر المُسْتَوِي.

والعِدَى*، كإلَى: المُتَباعِدُونَ؛ عن ابنِ سِيدَه.

وأَيْضًا: الغُرباءُ والأَجانِبُ؛ ومنه حديثُ حبيب بنِ مُسْلِمَةَ لمَّا عَزَلَه عُمَرُ عن حِمْصَ قالَ: «رَحِمَ اللهُ عُمَرَ يَنْزعُ قَوْمه ويَبْعثُ القَوْمَ العِدَى».

وقوْلُه: كالأعْداءِ: يَقْتَضِي أنْ يكونَ كالعدى في مَعانِيه وليسَ كَذلكَ.

والذي في المُحْكم بَعْد قَوْله: وقيلَ الغُرْباء، وهُم الأعْدَاءُ أَيْضًا لأنَّ الغَرِيبَ بَعِيدٌ؛ فالصَّوابُ أنْ يقولَ: والأعْداء.

ويدلُّ لَه أَيْضًا ما في الصِّحاح، قالَ ابنُ السِّكِّيتِ: ولم يأْتِ فِعْلٌ في النّعوتِ إلَّا حَرْف واحِدٌ، يقالُ: هؤلاء قَوْمٌ عِدًى؛ أَي غُرباءُ؛ وقَوْمٌ عِدًى: أَي أَعْداءُ، وأَنْشَدَ:

إذا كنتَ في قوْمٍ عِدًى لسْتَ منهمُ *** فكُلُ ما عُلِفْتَ من خَبِيثٍ وطَيِّب

والعُدْوَةُ، بالضَّمِّ: المَكانُ المُتباعِدُ؛ نقلَهُ ابنُ سِيدَه.

والعُدَواءُ، كالغُلَواءِ: الأَرضُ اليابِسَةُ الصُّلْبَةُ، ورُبَّما جاءَتْ في البِئْرِ إذا حُفِرَتْ، ورُبّما كانتْ حَجَرًا فيحيدُ عنها الحافِرُ.

ويقالُ: أَرْضٌ ذاتُ عُدَواءَ إذا لم تكُنْ مُسْتَقِيمةً وَطِيئةً وكانت مُتَعادِيَةً.

وقيلَ: هو المَكانُ الخَشِنُ الغَلِيظُ.

وقيلَ: هو المَكانُ المُشْرِفُ يَبْرُكُ عليه البَعيرُ فيَضْطجِعُ عليه، وإلى جَنْبِه مَكانٌ مُطْمَئِنٌّ فيميلُ فيه فيَتَوَهَّنُ، وتوَهُّنُه مَدُّ جِسْمِه إلى المَكانِ الوَطِي‌ءِ فتَبْقى قَوائِمُه على العُدَواءِ، وهو المُشْرِفُ، فلا يَسْتَطِيعُ القِيامَ حتى يموتَ، فتَوَهُّنه اضْطِجاعُه.

قال الراغبُ: وهذا مِن التَّجاوُزِ في أَجْزاءِ المقرِّ.

وأَيْضًا: المَرْكَبُ الغَيْرُ المُطْمَئِنِّ.

وفي الصِّحاح: قالَ الأصْمعيّ: العُدَواءُ المَكانُ الذي لا يَطْمَئِنُّ مَنْ قَعَدَ عليه.

يقالُ: جِئْتُ على مَرْكبٍ ذي عُدَواء أَي ليسَ بمُطْمَئِنِّ؛ وأَبو زيْدٍ مِثْله.

وفي المُحْكم: جَلَسَ على عُدَواء أَي على غَيْرِ اسْتِقامَةٍ.

قالَ ابنُ سِيدَه: وفي نسخةِ المصنَّفِ لأبي عُبيدٍ: ذي عُدَواء مَصْرُوفٌ وهو خَطَأ منه إن كانَ قائِلَه لأنَّ فُعَلاء بِناءٌ لا يَنْصرِفُ مَعْرِفَةً ولا نَكِرَةً.

وأَعْدَى الأَمْرَ: جاوَزَ غَيْرَه إليه.

وفي المُحْكم: أَعْداهُ الدَّاءُ جاوَزَ غَيْرَه إليه؛ وأَعْداهُ مِن عِلَّتِه وخُلُقِه وأَعْداهُ به: جَوَّزَه إليه؛ والاسْمُ مِن كلِّه العَدْوى.

وأَعْدى زيْدًا عليه: إذا نَصَرَهُ وأَعانَهُ، والاسْمُ العَدْوى، وهي النُّصْرةُ والمَعُونَةُ.

وأَعْدَاهُ: قَوَّاهُ؛ ومنه قولُ الشَّاعِرِ:

ولقد أَضاءَ لكَ الطَّريقُ وأَنْهَجَت *** سُبُلُ المكارِمِ والهُدَى بُعْدي

أَي: إبْصارُكَ الطَّريقَ يقوِّيكَ على الطَّريقِ.

واسْتَعداهُ: اسْتَعانَهُ واسْتَنْصَرَهُ. يقالُ: اسْتَعْدَيْتُ على فلانٍ الأَميرَ فأعْداني: أَي اسْتَعَنْتُ به عليه فأَعانَنِي عليه؛ والاسْمُ منه العَدْوَى وهي المَعُونَةُ؛ كما في الصِّحاحِ؛ فيكونُ الاسْتِعْداءُ طَلَب العَدْوَى وهي المَعُونَةُ.

وعادَى بينَ الصَّيْدَيْنِ مُعادَاةً وعِداءً: وَالَى وتابَعَ بأَنْ صَرَعَ أَحَدَهما على إثْرِ الآخَرِ في طَلَقٍ واحِدٍ؛ وكَذلكَ المُعادَاةُ بينَ رَجُلَيْن إذا طَعَنَهما طَعْنَتَيْن مُتَوالِيَتَيْن؛ وأَنْشَدَ الجوهريُّ لامْرئِ القَيْس:

فعَادَى عِداءً بين ثوْرٍ ونعْجَةٍ *** دِرَاكًا ولم يُنْضَحْ بماءٍ فيُغْسَلِ

وعَداءُ كُلِّ شي‌ءٍ، كسَماءٍ، وعليه اقْتَصَرَ الجوهريُّ وعِداهُ وعِدْوُهُ وعِدْوَتُهُ، بكسْرِهنَّ وتُضَمُّ الأَخيرَةُ، إذا فَتَحْته مَدَدْته وإذا كَسَرْته قَصَرْته؛ طَوارُهُ وهو ما انْقادَ معه مِن عَرْضِه وطُولِه. يقالُ: لَزِمْتُ عَداءَ الطَّريقِ أَو النَّهْرِ أَو الجَبَلِ أَي طَوَاره.

والعِدَى*، كإلَى: النَّاحِيَةُ؛ ويُفْتَحُ؛ كما في المُحْكم، الجمع: أَعْداءٌ.

وقيلَ: أَعْداءُ الوادِي: جَوانِبُه.

وأَيْضًا: شَاطِئُ الوادِي وشَفِيرُه وجانِبُه.

كالعُدْوَةِ مُثَلَّثَةَ، التَّثْلِيثُ عن ابنِ سِيدَه، جَمْعُه عِدًى، بالكسْرِ والفَتْح.

وفي الصِّحاح: العِدْوَةُ والعُدْوَةُ: جانِبُ الوادِي وحافَتُه؛ قالَ اللهُ تعالى: {وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى}.

وفي المِصْباح: ضمُّ العَيْن لُغَةُ قَرَيشْ، والكسْرُ لُغَةُ قَيْسٍ، وقُرِئ بهما في السَّبْعةِ.

وقال الراغبُ: العُدْوَة القُصْوى الجانِبُ المُتجاوِز للقُرْب.

والعِدَا: كُلُّ خَشَبَةٍ تُجْعَلُ بينَ خَشَبَتَيْنِ.

وأَيْضًا: حَجَرٌ رَقيقٌ يُسْتَرُ به الشَّي‌ءُ، كالعِداءِ، ككِتابٍ، واحِدَتُه عِدْوٌ، كجِرْوٍ، وهو حينَئذٍ جَمْعٌ.

والذي في نسخ المُحْكم: العِدَى والعَداءُ كإلَى وسَحابٍ، هكذا ضَبَطَه بالقَلَمِ. والعُدْوَةُ، بالكسْر والضَّمِّ: المَكانُ المُرْتَفِعُ؛ نقلَهُ الجوهريُّ عن أَبي عَمْرٍو، ج. عِداءٌ، كبُرْمَةٍ وبِرامٍ ورِهْمَةٍ ورِهامٍ، وعَدَياتٌ، بالتَّحْريكِ، كما في النسخِ، وفي الصِّحاح: بكسْرِ العَيْنِ وفَتْح الدالِ.

والعَدُوُّ: ضِدُّ الصَّدِيقِ.

وفي الصِّحاح: ضِدُّ الوَلِيِّ يكونُ للواحِدِ والجَمْعِ والذَّكَرِ والأُنْثَى بلَفْظِ واحدٍ، وقد يُثَنَّى ويُجْمَعُ ويُؤَنَّثُ.

في الصِّحاح: قالَ ابنُ السِّكِّيت: فَعُولٌ إذا كانَ في تأْوِيلِ فاعِلٍ كان مُؤَنَّثُه بغَيْرِ هاءٍ نَحْو رجلٌ صَبُور وامْرأَةٌ صَبُور، إلَّا حَرْفًا واحدًا جاءَ نادِرًا؛ قالوا: هذه عَدُوَّة الله.

قالَ الفرَّاءُ: إنَّما أَدْخَلوا فيها الهاءَ تَشْبيهًا بصَديقةٍ لأنَّ الشي‌ءَ قد يُبْنى على ضِدِّهِ. الجمع: أَعْداءٌ، الجمع: جَمْعُ الجَمْعِ أَعادٍ.

والعُدِا، بالضَّمِّ والكَسْر: اسْمٌ الجَمْعِ، هكذا هو في النسخ بالألِفِ، والصَّوابُ أنَّه يُكْتَبُ بالياءِ وإن كانَ واوِيًّا لكَسْرةِ أَوَّلِه.

وفي الصِّحاحِ: العِدَى، بالكَسْرِ: الأعْدَاءُ، وهو جَمْعٌ لا نَظِيرَ له.

وقالَ ابنُ السِّكِّيت: ولم يأْتِ فِعَلٌ في النُّعوت إلَّا حَرْف واحِدٌ يقالُ: هؤلاء قَوْمٌ عِدًى؛ أَي أَعْداءٌ؛ ويقالُ: قَوْمٌ عُدًى مِثْل سِوًى وسُوًى؛ قالَ الأخْطَل:

أَلا يا اسْلَمِي يا هِنْدُ هِنْدَ بني بَدْرِ *** وإنْ كانَ حَيَّانا عِدًى آخِرَ الدهْرِ

يُرْوَى بالضَّمِّ وبالكَسْر.

وقالَ ثَعْلبٌ: قَوْمٌ أَعْداءٌ وعِدًى، بكسْرِ العَيْن، فإنْ أُدْخِلَتِ الهاءُ قُلْت عُداةٌ بضمِّ العَيْن.

والعادِي: العَدُوُّ قالتِ امْرأَةٌ مِن العَرَبِ أَشْمَتَ رَبُّ العالَمِين عادِيَكَ؛ أَي عَدُوَّكَ، الجمع: عُداةٌ، كقَاضٍ وقُضاةٍ.

وقد عَادَاهُ مُعادَاةً، والاسْمُ العَداوَةُ يقالُ: عَدُوٌّ بَيِّنُ المُعَادَاةِ والعَداوَةِ، فالعَداوَةُ: اسْمٌ عامٌّ مِن العَدُوِّ، ومنه قوْلُهُ تعالى: {وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ}.

وتَعادَى: تَباعَدَ، والاسْمُ العَداءُ، كسَحابٍ؛ وأَنْشَدَ الجَوْهرِي للأَعْشَى يَصِفُ ظَبْيَةً وطلاها:

وتَعَادى عنه النهار فما تَعْ *** جُوه إلَّا عُفافةٌ أَو فُواقُ

يقولُ: تباعَدُ عن ولَدِها في المَرْعى لئَلَّا يَسْتَدِلَّ الذِّئْبُ بها عليه.

وتَعادَى ما بَيْنهم: اخْتلَف.

وفي الصِّحاح: فَسَدَ.

وتَعادَى القومُ: عادَى بعضُهم بعضًا، مِن العَداوَةِ.

وعَدِيتُ له، كرَضِيتُ: أَبْغَضْتُه؛ نقلَهُ ابنُ سِيدَه.

وعادَى شَعَرَهُ: أَخَذَ منه أَو رَفَعَه عنْدَ الغَسْل أَو جفاهُ ولم يَدْهِنْه، أَو عاوَدَهُ بالوضُوءِ والغُسْلِ.

وإِبلٌ عادِيَةٌ وعَوادٍ: تَرْعَى الحَمْضَ؛ كما في المُحْكم، وهو ما فيه مُلُوحَةٌ.

وفي الصِّحاح: العادِيَةُ من الإِبِلِ المُقِيمةُ في العِضاهِ لا تُفارِقُها وليسَتْ تَرْعَى الحَمْضَ؛ قالَ كثيِّرٌ:

وإنَّ الذي يَبْغي منَ المالِ أهْلُها *** أَوارِكُ لمَّا تَأتَلِفْ وعَوادِي

يقولُ: أَهْلُ هذه المَرْأَة يَطْلُبونَ من مَهْرِها ما لا يكونُ ولا يُمْكِن كما لا تَأْتَلِفُ الأَوَارِكُ والعَوادِي؛ وكذلكَ العَادِيات؛ قالَ النُّعْمانُ بنُ الأعْرج:

رأَى صاحِبي في العادِياتِ نَجِيبةً *** وأَمْثالها في الواضِعاتِ القَوامِسِ

وتَعَدَّوُا: وَجَدُوا لَبَنًا يَشْربُونه فأَغْناهُمْ عن الخَمْرِ، كذا في النسخ والصَّوابُ: عن اللَّحْمِ أَي عن اشْتِرائِه، كما هو نَصُّ المُحْكم.

وأَيْضًا: وَجَدُوا مَرْعَى لمَواشِيهم فأَغْناهُمْ عن شِراءِ العَلَفِ.

وعَدِيٌّ، كغَنِيٍّ: قَبيلَةٌ، بل قَبائِل أَشْهَرهنَّ التي في قُرَيْش رَهْط عُمَر بنِ الخطَّاب، رضي ‌الله‌ عنه، وهو عَدِيٌّ ابنُ كَعْبِ بنِ لُؤَيِّ بنِ غالِبِ بنِ فهرِ بنِ مالِكِ بنِ النَّضْر.

وفي الرِّباب: عَدِيٌّ بنُ عبْدِ مَناةَ بنِ أُدِّ بنِ طَلْحَةَ رَهْطُ ذي الرُّمَّة.

وفي حَنيفَةَ: عَدِيُّ بنُ حنيفَةَ؛ وعَدِيٌّ في فزارَة؛ هؤلاء ذَكَرَهُم الجَوْهريُّ.

وفي مرَّةَ بنِ أُدَد: عَدِيُّ بنُ الحارثِ بنِ مرَّة.

وفي السّكُون: عَدِيُّ بنُ أَشْرَس بنِ شبيبِ بنِ السّكُونِ.

وفي خزاعَةَ: عَدِيُّ بنُ سلولِ بنِ كعْبٍ.

وفي ربيعَةَ الفرس: عَدِيُّ بنُ عُمَيْرَةَ بنِ أَسَدٍ.

وفي كَلْبٍ: عَدِيُّ بنُ جنابِ بنِ هُبَل. وهو إلى كلٍّ من هذه القَبائِلِ: عَدَوِيٌّ، وعليه اقْتَصَرَ الجوهرِيُّ، وعَدَيِيُّ، كحَنَفِيِّ، هكذا في النُّسخِ.

والصَّوابُ كحَنِيفيِّ كما هو نصُّ المُحْكَم.

وبَنُو عِدَى*، كإلَى: حَيٌّ من مُزَيْنَة، وهو عِدَاوِيٌّ، نادِرٌ هكذا في المُحْكم؛ وهو عَدِيُّ بنُ عُثْمان بنِ عَمْرِو ابنِ أُدِّ بنِ طابِخَةٍ وأُمُّ عَمْرٍو وتُسَمَّى مُزَيْنَة وبها عُرِفُوا، وضَبَطَه الشَّريفُ النسَّابَةُ عَدَّاء كشَدَّاد.

وعَدْوانُ، بالتَّسْكِين: قَبيلَةٌ من قَيْسِ، واسْمه الحارِثُ ابنُ عَمْرِو بنِ قَيْسٍ، وإنَّما قيلَ له ذلكَ لأنَّه عَدا على أَخِيهِ فهَمَّ بقَتْلِه.

وفي غَطَفان: عَدْوانُ بنُ سَهْمِ بنِ مرَّة، ومنهم ذُو الإصْبَع العَدْوانِيُّ حكِيمُ العَرَبِ.

وبَنُو عَدَّاءٍ، كشَدَّادٍ: قَبيلَةٌ؛ قيلَ: هُم الذين تقدَّمَ ذِكْرُهم مِن مُزَيْنَة، وهكذا ضَبَطَه الشَّريفُ النسَّابَةُ في المقدَّمةِ الفاضِلِيَّةِ.

ومَعْدِي‌كَرِبَ، وتُفْتَحُ دالُهُ: اسْمٌ؛ في المُحْكَم: من جَعَلَه مَفْعِلًا كانَ له مَخْرَج مِن الياءِ والواوِ.

قالَ شيْخُنا: وفَتْح دالِهِ غَريبٌ ولا يُعْرَفُ فيمَا رُكِّبَ ترْكِيب مَزْجٍ مُعْتَل وآخِرُ الجُزْءِ الأَوَّل مَفْتُوح، وفَتْحِ الدَّالِ مع حَذْفِ الياءِ وعَدَم إبْدالِها ألِفًا مع دَعْوَى أصالَةِ الميمِ أَشَدُّ غَرابةً.

* قُلْت: وهذا الذي اسْتَغْرَبَه شيْخُنا فقد ذَكَرَه الصَّاغاني في التكمِلَةِ عن ابنِ الكَلْبي وقالَ: هو بلُغةِ اليَمَنِ.

وعَدا: فِعْلٌ يُسْتَثْنَى به مَعَ ما وبدُونِهِ، تقول: جاءَني القَوْمُ ما عَدا زَيْدًا، وجاؤُوني عَدا زَيْدًا، تنصبُ ما بَعْدَها بها والفَاعِل مُضْمَر فيها، كذا في الصِّحاح.

قالَ شيْخُنا: وإنَّما يكونُ فِعْلًا إذا كانَ ما بَعْده مَنْصوبًا، فإن كانَ ما بَعْدَه مَجْرورًا فهو حَرْفٌ باتِّفاقٍ، انتَهَى.

وفي المُحْكم: رأَيْتهم عَدا أَخَاكَ وما عَداهُ؛ أَي ما خَلا، وقد يُخْفَضُ بها دُونَ ما.

وقال الأزْهري: إذا حَذَفْتَ نَصَبْت بمعْنَى إلَّا، وخَفَضْت بمعْنَى سِوَى.

والعَدْوَى: ما يُعْدِي من جَرَبٍ أَو غيرِه، وهو مُجاوزَتُه مِن صاحِبِه إلى غيرِه. يقالُ: أَعْدَى فلانٌ فلانًا مِن خُلُقِه أَو مِن عِلَّةٍ به، أَو جَرَبٍ.

وفي الحديثِ: «لا عَدْوَى ولا طِيرَة»؛ أَي لا يُعْدِي شي‌ءٌ شيئًا؛ كذا في الصِّحاحِ.

وفي النهايَةِ: وقد أَبْطَلَه الإِسْلامُ لأَنَّهم كانوا يظُنُّونَ أَنَّ المَرَضَ بنَفْسِه يتَعَدَّى، فأَعْلَمَهم النبيُّ صَلَى الله عليه وسلّم، أَنَّه ليسَ الأمر كَذلكَ، وإنَّما اللهُ هو الّذي يُمْرِضُ ويُنْزلُ الدَّاءَ، ولهذا قال في بعضِ الأحاديثِ: فمَنْ أَعْدَى الأَوَّل؛ أَي من أَيْنَ صارَ فيه الجَرَب؟.

والعَدَوِيَّةُ، محرَّكةً: من نَباتِ الصَّيْفِ بعدَ ذَهابِ الرَّبيعِ يَخْضَرُّ صِغارُ الشَّجَرِ فتَرْعاهُ الإِبِلُ يقالُ: أَصابَتِ الإِبِلُ عَدَوِيَّةٌ، كذا في الصِّحاح.

وقيلَ: العَدَوِيَّةُ الرَّبْل.

والعَدَوِيَّةُ أَيْضًا: صِغارُ الغَنَمِ؛ وقيلَ: هي بَناتُ أَرْبَعينَ يَوْمًا، فإِذَا جُزَّتْ عنها عَقِيقتُها ذَهَبَ عنها هذا الاسْمُ؛ قالَهُ اللَّيْثُ، وقد غَلَّطَه الأَزْهري.

أَو هي بالغَيْنِ والذَّالِ المعْجَمَتَيْن، أَو بإِعْجامِ الأَوَّلِ فَقَط، واحِدُها غَذِيٌّ؛ كذا في المُحْكم.

وسَيَأْتِي للمصنِّفِ في غَدَى وفي غَذَى.

وقدْ نَبَّه الأزْهري على تَغْليطِ اللّيْث وتَصْويب القَوْل الأَخيرِ.

والعَدَوِيَّةُ: قرية قُرْبَ مِصْرَ، وهي تُعْرَفُ الآنَ بدَيْر العَدَوِيَّةِ. والعَدَوِيَّةُ: قَرْيةٌ أُخْرى بالغَرْبيةِ قُرْب أبيار.

والعادِي: الأَسَدُ لظُلْمِه وافْتِراسِه الناسَ؛ وقد جاءَ في الحديثِ ذكْرُ السَّبع العادِي.

وعُدَيَّةُ، كسُمَيَّةَ: امْرأَةٌ مِن العَرَبِ، وهي أُمُّ قَيْسٍ وعَوْفٍ ومُسَاورٍ وسيَّارٍ ومَنْجوفٍ.

وبَنُو عُدَيَّة: قَبيلَةٌ وهُم بَنُو هؤلاءِ، نُسِبُوا إلى أُمِّهم المَذْكورَةِ، وهم مِن أَفْخاذِ صَعْصَعَة بنِ مُعاوِيَةَ بنِ بكْرِ بنِ وائلٍ.

وعُدَيَّةُ: هَضْبَةٌ؛ نَقَلَهُ الصَّاغاني هكذا.

وتَعَدَّى مَهْرَ فلانَةَ: أَخَذَه.

وعَدْوَةُ: موضع.

وعَادِيا اللَّوْح: طَرَفاهُ، كلٌّ منهما عادِي، كالعدى.

والعَوادِي من الكَرْمِ: ما يُغْرَسُ في أُصُولِ الشَّجَرِ العِظامِ، الواحِدَةُ عادِيَةٌ.

وعادِيَةُ: أُمُّ أَهْبانَ بنِ أَوْسٍ الأَسْلَمي ابن عقبَةَ مُكَلِّمِ الذِّئْبِ، رضِيَ الله تعالى عنه، ويُعْرَفُ بابنِ عادِيَة.

والعَدَّاءُ بنُ خالِدِ بن هوذَةَ مِن بكْرِ بنِ هوازن، صَحابِيُّ له وِفادَةٌ بَعْدَ حُنَيْن، وروايَةٌ، رضِيَ الله تعالى عنه.

* وَمِمَّا يُسْتَدْرَكُ عَلَيْهِ:

العادِيَةُ: الخَيْلُ المُغِيرَةُ؛ ومنه قولُه تعالى: {وَالْعادِياتِ ضَبْحًا}.

وهو منِّي عَدْوَة القَوْسِ.

والعَادِي: المُعْتَدِي والمُعَادِي والمُتَجاوِزُ الطّورِ.

وعَدَا طَوْرَه: جاوَزَهُ، وقولُه تعالى: {غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ}، أَي: غَيْر مُتجاوِزٍ سَدّ الجُوعَة، أَو غَيْر عادٍ في المَعْصِيةِ طَرِيق المُحْسِنِين.

وقالَ الحَسَنُ: أَي ولا عَائِد فقُلِبَ.

وعُدِي عليه، كعُنِيَ: سُرِقَ مالُه وظُلِم.

والاعْتِداءُ في الدُّعاءِ: الخُرُوجُ عنِ السُّنَّةِ المَأْثُورَةِ.

والعادِي المُخْتَلِسُ.

والعادِيَةُ: الشُّغْلُ يَعْدُوكَ عن الشي‌ءِ؛ والجَمْعُ العَوادِي، وهي الصَّوارِفُ.

يقالُ: عَدَتْ عَوادٍ عن كذا: أَي صَرَفَتْ صَوارِفُ؛ وقولُ الشاعِرِ:

عَداكَ عن رَيَّا وأُمِّ وَهْبٍ *** عادِي العَوادِي واخْتِلافُ الشَّعْبِ

فسَّرَ ابنُ الأَعْرابي: عَادِي العَوادِي بأَشَدّها أَي أَشَدّ الأَشْغَالِ، وهو كزَيْد رجُلُ الرِّجالِ أَي أَشَدُّ الرِّجالِ.

وعَدْواءُ الدَّهْر: صَرْفُه واخْتِلافُه.

والتَّعدِّي في القافِيَةِ: حَرَكةُ الهاءِ التي للمُضْمَرِ المُذَكَّر السَّاكِنَة في الوَقْف؛ والمُتَعَدِّي الواوُ التي تَلْحقُه من بَعْدِها كقَوْله:

تَنْفُشُ منه الخَيل ما يَغْزِلُهُو

فحركَةُ الهاءِ هي التَّعَدِّي، والواوُ بَعْدها هي المُتَعَدِّي، سُمِّيَت بذلك لأَنَّه تَجاوزٌ للحَدِّ وخُروجٌ عن الواجِبِ، ولا يُعْتَدُّ به في الوَزْنِ، لأنَّ الوَزْنَ قد تَناهَى قَبْله جَعَلُوه آخِرَ البَيْت بمنْزِلَةِ الخَرْمِ أَوَّله.

وقالَ ابنُ فارِسَ: العَدْوَى طَلَبُكَ إلى والٍ ليُعْدِيَكَ على مَنْ ظَلَمَكَ؛ أَي يَنْتَقِم منه باعْتِدائِه عليك.

والفقهاءُ يقولونَ: مَسافَة العَدْوَى وكأَنَّهم اسْتَعَارُوها من هذه العَدْوَى لأنَّ صاحِبَها يَصِلُ فيها الذَّهابَ والعَوْدَ بعَدْوٍ واحِدٍ لمَا فيه من القوَّةِ والجلادَةِ؛ كما في المِصْباح.

وقوْلُهم: أَعْدَى من الذِّئْبِ، من العَدْوِ والعَداوَةِ، والأوَّلَ أَكْثَر.

والمُعَادَاةُ: المُوالاةُ والمُتابَعَةُ.

وقالوا في جَمْعِ عَدْوَةٍ عَدايا في الشِّعْر.

وتَعادَى القوْمُ: ماتَ بعضُهم إثْرَ بعضٍ في شَهْرٍ واحِدٍ وفي عامٍ واحِدٍ، أَو إذا أَصابَ هذا دَاء هذا؛ وأَنْشَدَ الجوهريُّ:

فما لَكِ مِنْ أَرْوَى تَعادَيْت بالعَمى *** ولاقَيْتِ كَلَّابًا مُطِلَّا ورَامِيا

والعُدْوَةُ، بالضمِّ: الخلَّةُ من النَّباتِ، وهي ما فيه حَلاوَةٌ؛ والنَّسَبُ إليها عُدوية على القِياسِ، وعَدَوِيَّةٌ على غيرِهِ، وعَوادٍ على النَّسَبِ بغيرِ ياءِ النَّسَبِ.

وإِبِلٌ عُدْويَّةٌ، بالضمِّ، وعُدَوِيَّةٌ، بضمِّ ففَتْح: تَرْعَى الحَمْضَ.

وتَعَدَّى الحقَّ واعْتَداهُ: جاوَزَهُ، وكذا عن الحقِّ، وفَوْقَ الحقِّ، والعِدَى: كإلَى: ما يُطْبَقُ على اللَّحْدِ من الصَّفائِحِ؛ عن أَبي عَمْرٍو، وبِه فسّر قَوْل كثيِّرٍ:

وحالَ السَّفا بَيْني وبَيْنَكَ والعِدَى *** ورهْنُ السَّفَا غَمْرُ النَّقِيبة ماجِدُ

والسَّفا: تُرابُ القَبْر.

وطالَتْ عُدَوَاؤُهم أَي تَباعُدُهم وتَفَرُّقهم.

والعُدَواءُ: إناخَةٌ قَلِيلَةٌ.

وجِئْتُكَ على فَرَسٍ ذي عُدَواءَ: غَيْر مُجْرًى إذا لم يكُنْ ذا طُمَأْنِينَة وسُهُولَة.

وعُدَوَاءُ الشَّوْق: ما بَرَّحَ بصاحِبِه.

وعَدَّيْت عَنِّي الهَمَّ: نَحَّيْتَه.

وتقولُ لمَنْ قَصَدَك: عَدْ عَنِّي إلى غَيْري؛ أَي اصْرِفْ مَرْكبَك إلى غَيْرِي.

والعادِيَةُ: الحدَّةُ والغَضَبُ.

وأَيْضًا: الظُّلْمُ والشرُّ، وهو مَصْدرٌ كالعاقِبَةِ.

وعادِيَةُ الرَّجُلِ: عَدْوُه عليك بالمَكْرُوه.

وعَدَا الماءُ يَعْدُو: إذا جَرَى.

وتَعَادَى القوْمُ عليَّ بنَصْرِهم: أَي تَوالَوْا وتَتابَعُوا.

وعَدْوَةُ الأَمَدِ: مَدُّ البَصَرِ.

ويقالُ: عادِ رِجْلَكَ عن الأرْضِ: أَي جافِها.

وعَادَى الوِسادَةَ: ثَناها؛ والشي‌ءَ: باعَدَهُ.

وتعَادَى عنه: تَجافَى.

وفلانٌ لا يُعَادِينِي ولا يُوادِينِي: أَي لا يُجافِينِي ولا يُواتِينِي.

وتَعادَتِ الإِبِلُ جَمْعًا: مَوَّتَتْ؛ وقَد تَعَادَتْ بالقَرْحة.

وعَادَى القِدْرَ: إذا طامَنَ إحْدَى الأَثافِي لتَمِيلَ على النارِ.

وعَدَاني منه شَرٌّ: أَي بَلَغنِي.

وفلانٌ قد أَعْدَى الناسَ بشَرِّ: أَي أَلْزَقَ بهم شَرًّا وفَعَلَ كذا عَدْوًا بَدْوًا: أَي ظاهِرًا جِهارًا.

وقولُ العامَّةِ: ما عَدَا مَنْ بَدَا، خَطَأ، والصَّواب: أَمَا ما عَدَا بألفِ الاسْتِفْهامِ: أَي أَلَمْ يَتَعَدَّ الحَقَّ مَنْ بَدَأَ بالظُّلْم.

وما لي عنه مَعْدًى: أَي لا تجاوُزَ إلى غيرِهِ ولا قُصُورَ دُونَه.

ويقالُ: السُّلطانُ ذُو عَدَوانٍ وذُو بَدرانٍ.

وبَنُو العَدَوِيَّةَ: قوْمٌ مِن حَنْظَلَة وتمِيمٍ نُسِبُوا إلى أُمِّهم، واسْمُها الحزامُ بنْتُ خزيمَةَ بنِ تمِيمِ بنِ الدول، ويقالُ فيهم: بلعَدَوِيَّة أَيْضًا: وعادِياءُ، والِدُ السَّمَوْأَل، مَمْدودٌ، قالَ النَّمِرُ بنُ تَوْلبٍ:

هلَّا سأَلْت بعادِياءَ وبَيْتِه *** والخَلِّ والخَمْرِ التي لم تُمْنَعِ

وجاءَ مَقْصورًا في قوْلِ السَّمَوْأَل:

بَنَي لي عادِيًا حِصْنًا حَصِينًا *** إذا ما سامَنِي ضَيْمٌ أَبَيْتُ

وعادِيَةُ بنُ صَعْصَعَة مِن هُذَيْلٍ.

وفي هوازن: بَنُو عادِيَة.

وفي بَجِيلَةَ: بَنُو عادِيَةَ بن عامِرٍ.

وفي أَفْخاذِ صَعْصَعة: بَنُو عادِيَةَ، وهم: بَنُو عبدِ اللهِ والحارِثِ نُسِبُوا إلى أُمِّهم.

وأَبو السّيَّارِ عادي بن سَنْد كَتَبَ عنه السَّلَفِي.

وبرّ العُدْوَةِ، بالضمِّ: بالأنْدَلُسِ، وإليه نُسِبَ شهابُ بنُ إدْرِيس العُدْوِيُّ عن قاسِمِ بنِ أَصْبَغ، قيَّدَه الرَّشاطِي.

وزِيادُ بنُ عُدَيِّ، كسُمَيِّ عن ابنِ مَسْعودٍ، قالَ الحافِظُ: وحَكَى فيه البُخاري عُتَي بالتاءِ الفَوْقِيّة.

وقالَ ابنُ حَبيبٍ: كلُّ شي‌ءٍ في العَرَبِ عَدِي بفَتْح العَيْن إلَّا الذي في طيِّي‌ءٍ وهو عُدَيُّ بنُ ثَعْلَبَة بنِ حَيَّان بنِ جرمٍ.

وعِدْي، بكسْرٍ فسكونٍ، هو ابنُ الحارِثِ بنِ عَوْفٍ النَّخَعِيُّ جَدُّ زُرَارَةَ بنِ قَيْسِ بنِ الحارِثِ بنِ عدي، وجَدُّ عَزِيزِ بنِ معاوَيَةَ بنِ سِنانِ بنِ عدي، ومثْلُه عِدْيُ بنُ رَبيعَةَ ابن عجلٍ.

وكسُمَيَّة: عُدَيَّةُ بنُ أُسامةَ في آل عجلٍ، هكذا ضَبَطَه الدَّارْقطْني.

وبَنُو عَدِيٍّ، كغَنِيٍّ: بليدَةٌ في الأَشْمونين سُمِّيَت باسْمِ النازِلِينَ بها، وهُم عَدِيُّ قُرَيْشٍ فيمَا زَعَمُوا، وقد خَرَجَ منها في الزَّمَن القَرِيب أَهْل العِلْمِ والصَّلاحِ.

وأَعْدَى الشَّي‌ءُ الشَّي‌ءَ والصَّاحِبُ الصَّاحِبَ: أَكْسَبَه مثْلَ ما به.

وفي المَثَلِ: قَرِينُ الشَّي‌ء يعدي قَرِينَه.

وبَنُو عاداة: قَبِيلةٌ.

وأُمُورٌ عِدْوَة، بالكَسْر: أَي بعِيدَةٌ.

تاج العروس-مرتضى الزَّبيدي-توفي: 1205هـ/1791م


15-المصباح المنير (عدو)

عَدَا عَلَيْهِ يَعْدُو عَدْوًا وَعُدُوًّا مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ وَعُدْوَانًا وَعَدَاءً بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ ظَلَمَ وَتَجَاوَزَ الْحَدَّ وَهُوَ عَادٍ وَالْجَمْعُ عَادُونَ مِثْلُ قَاضٍ وَقَاضُونَ وَسَبُعٌ عَادٍ وَسِبَاعٌ عَادِيَةٌ وَاعْتَدَى وَتَعَدَّى مِثْلُهُ وَعَدَا فِي مَشْيِهِ عَدْوًا مِنْ بَابِ قَالَ أَيْضًا قَارَبَ الْهَرْوَلَةَ وَهُوَ دُونَ الْجَرْيِ وَلَه عَدْوَةٌ شَدِيدَةٌ وَهُوَ عَدَّاءٌ عَلَى فَعَّالٍ وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ فَيُقَالُ أَعْدَيْتُهُ فَعَدَا وَعَدَوْتُهُ أَعْدُوهُ تَجَاوَزْتُهُ إلَى غَيْرِهِ وَعَدَّيْتُهُ وَتَعَدَّيْتُهُ كَذَلِكَ وَاسْتَعْدَيْتُ الْأَمِيرَ عَلَى الظَّالِمِ طَلَبْتُ مِنْهُ النُّصْرَةَ فَأَعْدَانِي

عَلَيْهِ أَعَانَنِي وَنَصَرَنِي فَالِاسْتِعْدَاءُ طَلَبُ التَّقْوِيَةِ وَالنُّصْرَةِ وَالِاسْمُ الْعَدْوَى بِالْفَتْحِ قَالَ ابْنُ فَارِسٍ الْعَدْوَى طَلَبُكَ إلَى وَالٍ لِيُعْدِيَكَ عَلَى مَنْ ظَلَمَكَ أَيْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ بِاعْتِدَائِهِ عَلَيْك وَالْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ مَسَافَةُ الْعَدْوَى وَكَأَنَّهُمْ اسْتَعَارُوهَا مِنْ هَذِهِ الْعَدْوَى لِأَنَّ صَاحِبَهَا يَصِلُ فِيهَا الذَّهَابَ وَالْعَوْدَ بِعَدْوٍ وَاحِدٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقُوَّة وَالْجَلَادَةِ.

وَعُدْوَةُ الْوَادِي جَانِبُهُ بِضَمِّ الْعَيْنِ فِي لُغَةِ قُرَيْشٍ وَبِكَسْرِهَا فِي لُغَةِ قَيْسٍ وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعَةِ وَالْعَدُوُّ خِلَافُ الصَّدِيقِ الْمُوَالِي وَالْجَمْعُ أَعْدَاءٌ وَعِدًى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ قَالُوا وَلَا نَظِيرَ لَهُ فِي النُّعُوتِ لِأَنَّ بَابَ فِعَلٍ وِزَانُ عِنَبٍ مُخْتَصٌّ بِالْأَسْمَاءِ وَلَمْ يَأْتِ مِنْهُ فِي الصِّفَاتِ إلَّا قَوْمٌ عِدًى وَضَمُّ الْعَيْنِ لُغَةٌ وَمِثْلُهُ سِوًى وَسُوًى وَطُوًى وَطِوًى وَتَثْبُتُ الْهَاءُ مَعَ الضَّمِّ فَيُقَالُ عُدَاةٌ وَيُجْمَعُ الْأَعْدَاءُ عَلَى الْأَعَادِي.

وَقَالَ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ: يَقَعُ الْعَدُوُّ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ عَلَى الْوَاحِدِ الْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَالْمَجْمُوعِ قَالَ أَبُو زَيْدٍ سَمِعْت بَعْضَ بَنِي عُقَيْلٍ يَقُولُونَ هُنَّ وَلِيَّاتُ اللَّهِ وَعَدُوَّاتُ اللَّهِ وَأَوْلِيَاؤُهُ وَأَعْدَاؤُهُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ إذَا أُرِيدَ الصِّفَةُ قِيلَ عَدُوَّةٌ وَمِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ إنَّ الْجَرَبَ لَيُعْدِي أَيْ يُجَاوِزُ صَاحِبَهُ إلَى مَنْ قَارَبَهُ حَتَّى يَجْرَبَ وَالِاسْمُ الْعَدْوَى فَيُقَالُ أَعْدَاهُ وَقَالَ فِي الْبَارِعِ إذَا كَانَ فَعُولٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ اسْتَوَى فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ فَلَا يُؤَنَّثُ بِالْهَاءِ سِوَى عَدُوٍّ فَيُقَالُ فِيهِ عَدُوَّةٌ.

المصباح المنير-أبوالعباس الفيومي-توفي: 770هـ/1369م


16-لسان العرب (حرم)

حرم: الحِرْمُ، بِالْكَسْرِ، والحَرامُ: نَقِيضُ الْحَلَالِ، وَجَمْعُهُ حُرُمٌ؛ قَالَ الأَعشى:

مَهادي النَّهارِ لجاراتِهِمْ، ***وَبِاللَّيْلِ هُنَّ عليهمْ حُرُمْ

وَقَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ حُرْمًا وحَرامًا وحَرُمَ الشيءُ، بِالضَّمِّ، حُرْمَةً وحَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وحَرُمَتِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَرْأَةِ حُرُمًا وحُرْمًا، وحَرِمَتْ عليها "حَرَمًا وحَرامًا: لُغَةٌ فِي حَرُمَت.

الأَزهري: حَرُمَت الصَّلَاةُ عَلَى الْمَرْأَةِ تَحْرُمُ حُرومًا، وحَرُمَتِ المرأةُ عَلَى زَوْجِهَا تَحْرُمُ حُرْمًا وحَرامًا، وحَرُمَ عَلَيْهِ السَّحورُ حُرْمًا، وحَرِمَ لغةٌ.

والحَرامُ: مَا حَرَّم اللهُ.

والمُحَرَّمُ: الحَرامُ.

والمَحارِمُ: مَا حَرَّم اللهُ.

ومَحارِمُ الليلِ: مَخاوِفُه الَّتِي يَحْرُم عَلَى الجَبان أَن يَسْلُكَهَا؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد:

مَحارِمُ اللَّيْلِ لهُنَّ بَهْرَجُ، ***حِينَ يَنَامُ الوَرَعُ المُحَرَّجُ

وَيُرْوَى: محارِمُ اللَّيْلِ أَي أَوائله.

وأَحْرَمَ الشَّيْءَ: جَعله حَرامًا.

والحَريمُ: مَا حُرِّمَ فَلَمْ يُمَسَّ.

والحَريمُ: مَا كَانَ المُحْرِمون يُلْقونه مِنَ الثِّيَابِ فَلَا يَلْبَسونه؛ قَالَ:

كَفى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كأَنه ***لَقىً، بَيْنَ أَيْدي الطائفينَ، حَريمُ

الأَزهري: الحَريمُ الَّذِي حَرُمَ مَسُّهُ فَلَا يُدْنى مِنْهُ، وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا حَجَّت الْبَيْتَ تَخْلَعُ ثِيَابَهَا الَّتِي عَلَيْهَا إِذَا دَخَلُوا الحَرَمَ وَلَمْ يَلْبسوها مَا دَامُوا فِي الحَرَم؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: " لَقىً، بَيْنَ أَيدي الطائفينَ، حَريمُ "وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}؛ كَانَ أَهل الْجَاهِلِيَّةِ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُراةً وَيَقُولُونَ: لَا نَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي ثِيَابٍ قَدْ أَذْنَبْنا فِيهَا، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ عُرْيانَةً أَيضًا إِلّا أَنَّهَا كَانَتْ تَلْبَس رَهْطًا مِنْ سُيور؛ وَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الْعَرَبِ:

اليومَ يَبْدو بعضُه أَو كلُّهُ، ***وَمَا بَدا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ

تَعْنِي فَرْجَهَا أَنه يَظْهَرُ مِنْ فُرَجِ الرَّهْطِ الَّذِي لَبِسَتْهُ، فأَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَعْدَ ذِكْرِهِ عُقوبة آدمَ وَحَوَّاءَ بأَن بَدَتْ سَوْآتُهما بالاستتار فقال: يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ؛ قَالَ الأَزهري: والتَّعَرِّي وظهور السوءة مَكْرُوهٌ، وَذَلِكَ مُذْ لَدُنْ آدَمَ.

والحَريمُ: ثَوْبُ المُحْرم، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَطُوفُ عُراةً وثيابُهم مطروحةٌ بَيْنَ أَيديهم فِي الطَّوَافِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «أَن عِياضَ بْنَ حِمار المُجاشِعيّ كَانَ حِرْميَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ إِذَا حَجَّ طَافَ فِي ثِيَابِهِ»؛ كَانَ أَشراف الْعَرَبِ الَّذِينَ يتَحَمَّسونَ عَلَى دِينِهِمْ أَي يتشدَّدون إِذَا حَج أَحَدُهُمْ لَمْ يَأْكُلْ إِلّا طعامَ رجلٍ مِنَ الحَرَم، وَلَمْ يَطُفْ إلَّا فِي ثِيَابِهِ فَكَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْ أَشرافهم رجلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فَيَكُونُ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا حِرْمِيَّ صَاحِبَهُ، كَمَا يُقَالُ كَرِيٌّ للمُكْري والمُكْتَري، قَالَ: والنَّسَبُ فِي النَّاسِ إِلى الحَرَمِ حِرْمِيّ، بِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ.

يُقَالُ: رَجُلٌ حِرْمِيّ، فَإِذَا كَانَ فِي غَيْرِ النَّاسِ قَالُوا ثَوْبٌ حَرَمِيّ.

وحَرَمُ مَكَّةَ: مَعْرُوفٌ وَهُوَ حَرَمُ اللَّهِ وحَرَمُ رَسُولِهِ.

والحَرَمانِ: مَكَّةُ والمدينةُ، وَالْجَمْعُ أَحْرامٌ.

وأَحْرَمَ القومُ: دَخَلُوا فِي الحَرَمِ.

وَرَجُلٌ حَرامٌ: دَاخِلٌ فِي الحَرَمِ، وَكَذَلِكَ الِاثْنَانِ وَالْجَمْعُ وَالْمُؤَنَّثُ، وَقَدْ جَمَعَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى حُرُمٍ.

وَالْبَيْتُ الحَرامُ وَالْمَسْجِدُ الحَرامُ وَالْبَلَدُ الحَرام.

وَقَوْمٌ حُرُمٌ ومُحْرِمون.

والمُحْرِمُ: الدَّاخِلُ فِي الشَّهْرِ الحَرام، والنَّسَبُ إِلَى الحَرَم حِرْمِيٌّ، والأُنثى حِرْمِيَّة، وَهُوَ مِنَ الْمَعْدُولِ الَّذِي يَأْتِي عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، قَالَ الْمُبَرِّدُ: يُقَالُ امْرَأَةٌ حِرْمِيَّة وحُرْمِيَّة وأَصله مِنْ قَوْلِهِمْ: وحُرْمَةُ الْبَيْتِ وحِرْمَةُ الْبَيْتِ؛ قَالَ الأَعشى:

لَا تأوِيَنَّ لحِرْمِيّ مَرَرْتَ بِهِ، ***يَوْمًا، وإنْ أُلْقِيَ الحِرْميُّ فِي النَّارِ

وَهَذَا الْبَيْتُ أَورده ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ، وَاسْتَشْهَدَ بِهِ ابْنُ بَرِّيٍّ فِي أَماليه عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ، وَقَالَ: هَذَا الْبَيْتُ مُصَحَّف، وإِنما هُوَ:

لَا تَأوِيَنَّ لِجَرْمِيّ ظَفِرْتَ بِهِ، ***يَوْمًا، وإِن أُلْقِيَ الجَرْميُّ فِي النَّارِ

الباخِسينَ لِمَرْوانٍ بِذِي خُشُبٍ، ***والدَّاخِلين عَلَى عُثْمان فِي الدَّار

وَشَاهِدُ الحِرْمِيَّةِ قَوْلُ النَّابِغَةِ الذُّبْيَانِيِّ:

كادَتْ تُساقِطُني رَحْلي ومِيثَرَتي، ***بِذِي المَجازِ، وَلَمْ تَحْسُسْ بِهِ نَغَما

مِنْ قَوْلِ حِرْمِيَّةٍ قَالَتْ، وَقَدْ ظَعنوا: ***هَلْ فِي مُخْفِّيكُمُ مَنْ يَشْتَري أَدَما؟

وَقَالَ أَبو ذُؤَيْبٍ:

لَهُنَّ نَشيجٌ بالنَّشيلِ، كأَنها ***ضَرائرُ حِرْميّ تفاحشَ غارُها

قَالَ الأَصمعي: أَظنه عَنى بِهِ قُرَيْشًا، وَذَلِكَ لأَن أَهل الحَرَمِ أَول مَنِ اتَّخَذَ الضَّرَائِرَ، وَقَالُوا فِي الثَّوْبِ الْمَنْسُوبِ إِلَيْهِ حَرَمِيّ، وَذَلِكَ لِلْفَرْقِ الَّذِي يُحَافِظُونَ عَلَيْهِ كَثِيرًا وَيَعْتَادُونَهُ فِي مِثْلِ هَذَا.

وَبَلَدٌ حَرامٌ وَمَسْجِدٌ حَرامٌ وَشَهْرٌ حَرَامٌ.

والأَشهُر الحُرُمُ أَربعة: ثَلَاثَةٌ سَرْدٌ أَي متتابِعة وَوَاحِدٌ فَرْدٌ، فالسَّرْدُ ذُو القَعْدة وَذُو الحِجَّة والمُحَرَّمُ، والفَرْدُ رَجَبٌ.

وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ}؛ قَوْلُهُ مِنْها، يُرِيدُ الْكَثِيرَ، ثُمَّ قَالَ: فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ لَمَّا كَانَتْ قَلِيلَةً.

والمُحَرَّمُ: شَهْرُ اللَّهِ، سَمَّتْه الْعَرَبُ بِهَذَا الِاسْمِ لأَنهم كَانُوا لَا يستَحلُّون فِيهِ الْقِتَالَ، وأُضيف إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِعظامًا لَهُ كَمَا قِيلَ لِلْكَعْبَةِ بَيْتُ اللَّهِ، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لأَنه مِنَ الأَشهر الحُرُمِ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَهَذَا لَيْسَ بِقَوِيٍّ.

الْجَوْهَرِيُّ: مِنَ الشُّهُورِ أَربعة حُرُمٌ كَانَتِ الْعَرَبُ لَا تَسْتَحِلُّ فِيهَا الْقِتَالَ إِلا حَيّان خَثْعَم وطَيِءٌ، فَإِنَّهُمَا كَانَا يستَحِلَّان الشُّهُورَ، وكان الذين يَنْسؤُون الشُّهُورَ أَيام الْمَوَاسِمِ يَقُولُونَ: حَرّمْنا عَلَيْكُمُ القتالَ فِي هَذِهِ الشُّهُورِ إلَّا دِمَاءَ المُحِلِّينَ، فَكَانَتِ الْعَرَبُ تَسْتَحِلُّ دِمَاءَهُمْ خَاصَّةً فِي هَذِهِ الشُّهُورِ، وَجَمْعُ المُحَرَّم مَحارِمُ ومَحاريمُ ومُحَرَّماتٌ.

الأَزهري: كَانَتِ الْعَرَبُ تُسَمِّي شَهْرَ رَجَبٍ الأَصَمَّ والمُحَرَّمَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؛ وأَنشد شَمِرٌ قَوْلُ حُمَيْدِ بْنِ ثَوْر:

رَعَيْنَ المُرارَ الجَوْنَ مِنْ كُلِّ مِذْنَبٍ، ***شهورَ جُمادَى كُلَّها والمُحَرَّما

قَالَ: وأَراد بالمُحَرَّمِ رَجَبَ، وَقَالَ: قَالَهُ ابْنُ الأَعرابي؛ وَقَالَ الْآخَرُ:

أَقَمْنا بِهَا شَهْرَيْ ربيعٍ كِليهما، ***وشَهْرَيْ جُمادَى، واسْتَحَلُّوا المُحَرَّما

وَرَوَى الأَزهري بإِسناده عَنْ أُم بَكْرَةَ: أَن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فِي صِحَّته فَقَالَ: أَلا إنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السموات والأَرض، السَّنَة اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَربعة حُرُمٌ، ثلاثةٌ مُتَوالِياتٌ: ذُو القَعْدة وَذُو الحِجَّة والمحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادَى وَشَعْبَانَ.

والمُحَرَّم: أَول الشُّهُورِ.

وحَرَمَ وأَحْرَمَ: دَخَلَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ؛ قَالَ:

وإذْ فَتَكَ النُّعْمانُ بِالنَّاسِ مُحْرِمًا، ***فَمُلِّئَ مِنْ عَوْفِ بْنِ كعبٍ سَلاسِلُهْ

فَقَوْلُهُ مُحْرِمًا لَيْسَ مِنْ إِحْرام الْحَجِّ، وَلَكِنَّهُ الدَّاخِلُ فِي الشَّهْرِ الحَرامِ.

والحُرْمُ، بِالضَّمِّ: الإِحْرامُ بِالْحَجِّ.

وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، رَضِيَ الله عنها: «كُنْتُ أُطَيِّبُه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحِلِّهِ ولِحُرْمِه»أَي عِنْدَ إِحْرامه؛ الأَزهري: الْمَعْنَى أَنها كَانَتْ تُطَيِّبُه إِذَا اغْتسل وأَراد الإِحْرام والإِهْلالَ بِمَا يَكُونُ بِهِ مُحْرِمًا مِنْ حَجٍّ أَو عُمْرَةٍ، وَكَانَتْ تُطَيِّبُه إِذَا حَلّ مِنْ إِحْرامه؛ الحُرْمُ، بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ: الإِحْرامُ بِالْحَجِّ، وَبِالْكَسْرِ: الرَّجُلُ المُحْرِمُ؛ يُقَالُ: أَنتَ حِلّ وأَنت حِرْمٌ.

والإِحْرامُ: مَصْدَرُ أَحْرَمَ الرجلُ يُحْرِمُ إِحْرامًا إِذَا أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَو الْعُمْرَةِ وباشَرَ أَسبابهما وَشُرُوطَهُمَا مِنْ خَلْع المَخِيط، وأَن يَجْتَنِبَ الأَشياء الَّتِي مَنَعَهُ الشَّرْعُ مِنْهَا كَالطِّيبِ وَالنِّكَاحِ وَالصَّيْدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، والأَصل فِيهِ المَنْع، فكأَنَّ المُحْرِم مُمْتَنِعٌ مِنْ هَذِهِ الأَشياء.

وَمِنْهُ حَدِيثُ" الصَّلَاةِ: تَحْرِيمُها التَّكْبِيرُ "، كأَن الْمُصَلِّيَ بِالتَّكْبِيرِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ صَارَ مَمْنُوعًا مِنَ الْكَلَامِ والأَفعال الْخَارِجَةِ عَنْ كَلَامِ الصَّلَاةِ وأَفعالِها، فَقِيلَ لِلتَّكْبِيرِ تَحْرِيمٌ لِمَنْعِهِ الْمُصَلِّيَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ تكبيرَة الإِحْرام أَي الإِحرام بِالصَّلَاةِ.

والحُرْمَةُ: مَا لَا يَحِلُّ لَكَ انْتِهَاكُهُ، وَكَذَلِكَ المَحْرَمَةُ والمَحْرُمَةُ، بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا؛ يُقَالُ: إِنَّ لِي مَحْرُماتٍ فَلَا تَهْتِكْها، وَاحِدَتُهَا مَحْرَمَةٌ ومَحْرُمَةٌ، يُرِيدُ أَنَّ لَهُ حُرُماتٍ.

والمَحارِمُ: مَا لَا يَحِلُّ اسْتِحْلَالُهُ.

وَفِي حَدِيثِ الحُدَيْبية: «لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يعَظِّمون فِيهَا حُرُماتِ اللَّهِ إِلَّا أَعْطيتُهم إِياها»؛ الحُرُماتُ جَمْعُ حُرْمَةٍ كظُلْمَةٍ وظُلُماتٍ؛ يُرِيدُ حُرْمَةَ الحَرَمِ، وحُرْمَةَ الإِحْرامِ، وحُرْمَةَ الشَّهْرِ الْحَرَامِ.

وَقَوْلُهُ تعالى: {ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ}؛ قَالَ الزَّجَّاجُ: هِيَ مَا وَجَبَ القيامُ بِهِ وحَرُمَ التفريطُ فِيهِ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الحُرُماتُ مَكَّةُ وَالْحَجُّ والعُمْرَةُ وَمَا نَهَى اللَّهُ مِنْ مَعَاصِيهِ كُلِّهَا، وَقَالَ عَطَاءٌ: حُرُماتُ اللَّهِ مَعَاصِي اللَّهِ.

وَقَالَ اللَّيْثُ: الحَرَمُ حَرَمُ مَكَّةَ وَمَا أَحاط إِلى قريبٍ مِنَ الحَرَمِ، قَالَ الأَزهري: الحَرَمُ قَدْ ضُرِبَ عَلَى حُدوده بالمَنار الْقَدِيمَةِ الَّتِي بَيَّنَ خليلُ اللَّهِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، مشَاعِرَها وَكَانَتْ قُرَيْش تَعْرِفُهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ والإِسلام لأَنهم كانوا سُكان الحَرَمِ، ويعملون أَن مَا دُونَ المَنارِ إِلى مَكَّةَ مِنَ الحَرَمِ وَمَا وَرَاءَهَا لَيْسَ مِنَ الحَرَمِ، وَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقرَّ قُرَيْشًا عَلَى مَا عَرَفُوهُ مِنْ ذَلِكَ، " وَكَتَبَ مَعَ ابْنِ مِرْبَعٍ الأَنصاري إِلَى قُرَيْشٍ: أَن قِرُّوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ فَإِنَّكُمْ عَلَى إرْثٍ مِنْ إرْثِ إِبْرَاهِيمَ، فَمَا كَانَ دُونَ الْمَنَارِ، فَهُوَ حَرَم لَا يَحِلُّ صَيْدُهُ وَلَا يُقْطَع شَجَرُهُ، وَمَا كَانَ وَرَاءَ المَنار، فَهُوَ مِنَ الحِلّ يحِلُّ صَيْدُهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ صَائِدُهُ مُحْرِمًا.

قَالَ: فإِن قَالَ قَائِلٌ مِنَ المُلْحِدين فِي قَوْلِهِ تعالى: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ}؛ كَيْفَ يَكُونُ حَرَمًا آمِنًا وَقَدْ أُخِيفوا وقُتلوا فِي الحَرَمِ؟ فَالْجَوَابُ فِيهِ أَنه عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَهُ حَرَمًا آمِنًا أَمرًا وتَعَبُّدًا لَهُمْ بِذَلِكَ لَا إِخبارًا، فَمَنْ آمَنَ بِذَلِكَ كَفَّ عَمَّا نُهِي عَنْهُ اتِّبَاعًا وَانْتِهَاءً إِلى مَا أُمِرَ بِهِ، وَمَنْ أَلْحَدَ وأَنكر أَمرَالحَرَمِ وحُرْمَتَهُ فَهُوَ كَافِرٌ مباحُ الدمِ، وَمَنْ أَقَرَّ وَرَكِبَ النهيَ فَصَادَ صَيْدَ الْحَرَمِ وَقَتَلَ فِيهِ فَهُوَ فَاسِقٌ وَعَلَيْهِ الكفَّارة فِيمَا قَتَلَ مِنَ الصَّيْدِ، فإِن عَادَ فإِن اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِنْهُ.

وأَما الْمَوَاقِيتُ الَّتِي يُهَلُّ مِنْهَا لِلْحَجِّ فَهِيَ بَعِيدَةٌ مِنْ حُدُودِ الحَرَمِ، وَهِيَ مِنَ الْحِلِّ، وَمَنْ أَحْرَمَ مِنْهَا بِالْحَجِّ فِي الأَشهر الحُرُمِ فَهُوَ مُحْرِمٌ مأْمور بِالِانْتِهَاءِ مَا دَامَ مُحْرِمًا عَنِ الرَّفَثِ وَمَا وراءَه مِنْ أَمر النِّسَاءِ، وَعَنِ التَّطَيُّبِ بالطيبِ، وَعَنْ لُبْس الثَّوْبِ المَخيط، وَعَنْ صَيْدِ الصَّيْدِ؛ وَقَالَ اللَّيْثُ فِي قَوْلِ الأَعشى: " بأَجْيادِ غَرْبيِّ الصَّفا والمُحَرَّمِ "قَالَ: المُحَرَّمُ هُوَ الحَرَمُ.

وَتَقُولُ: أَحْرَمَ الرجلُ، فَهُوَ مُحْرِمٌ وحَرامٌ، وَرَجُلٌ حَرامٌ أَي مُحْرِم، وَالْجَمْعُ حُرُم مِثْلُ قَذالٍ وقُذُلٍ، وأَحْرَم بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لأَنه يَحْرُم عَلَيْهِ مَا كَانَ لَهُ حَلالًا مِنْ قبلُ كَالصَّيْدِ وَالنِّسَاءِ.

وأَحْرَمَ الرجلُ إِذا دَخَلَ فِي الإِحْرام بالإِهلال، وأَحْرَمَ إِذا صَارَ فِي حُرَمِه مِنْ عَهْدٍ أَو مِيثَاقٍ هُوَ لَهُ حُرْمَةٌ مِنْ أَن يُغار عَلَيْهِ؛ وأَما قَوْلُ أُحَيْحَة أَنشده ابْنُ الأَعرابي:

قَسَمًا، مَا غيرَ ذِي كَذِبٍ، ***أَن نُبيحَ الخِدْن والحُرَمَه

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: فَإِنِّي أَحسب الحُرَمَةَ لُغَةً فِي الحُرْمَةِ، وأَحسن مِنْ ذَلِكَ أَن يَقُولَ والحُرُمَة، بِضَمِّ الرَّاءِ، فَتَكُونَ من باب طُلْمة وظُلُمَةٍ، أَو يَكُونَ أَتبع الضَّمَّ الضَّمَّ لِلضَّرُورَةِ كَمَا أَتْبَعَ الأَعشى الْكَسْرَ الْكَسْرَ أَيضًا فَقَالَ:

أَذاقَتْهُمُ الحَرْبُ أَنْفاسَها، ***وَقَدْ تُكْرَهُ الحربُ بَعْدَ السِّلِمْ

إِلَّا أَن قَوْلَ الأَعشى قَدْ يَجُوزُ أَن يَتَوَجَّه عَلَى الْوَقْفِ كَمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهِ مِنْ قَوْلِهِمْ: مَرَرْتُ بالعِدِلْ.

وحُرَمُ الرجلِ: عِيَالُهُ وَنِسَاؤُهُ وَمَا يَحْمِي، وَهِيَ المَحارِمُ، وَاحِدَتُهَا مَحْرَمَةٌ ومَحْرُمة.

ورَحِمٌ مَحْرَمٌ: مُحَرَّمٌ تَزْويجُها؛ قَالَ:

وجارةُ البَيْتِ أَراها مَحْرَمَا ***كَمَا بَراها اللَّهُ، إِلا إِنما

مكارِهُ السَّعْيِ لِمَنْ تَكَرَّمَا "كَمَا بَراها اللَّهُ أَي كَمَا جَعَلَهَا.

وَقَدْ تَحَرَّمَ بصُحْبته؛ والمَحْرَمُ: ذَاتُ الرَّحِم فِي الْقَرَابَةِ أَي لَا يَحِلُّ تَزْوِيجُهَا، تَقُولُ: هُوَ ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ، وَهِيَ ذاتُ رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ الْجَوْهَرِيُّ: يُقَالُ هُوَ ذُو رَحِمٍ مِنْهَا إِذا لَمْ يَحِلَّ لَهُ نكاحُها.

وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا تُسَافِرِ امْرَأَةٌ إِلا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: مَعَ ذِي حُرْمَةٍ مِنْهَا»؛ ذُو المَحْرَمِ: مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ نِكَاحُهَا مِنَ الأَقارب كالأَب وَالِابْنِ وَالْعَمِّ وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ.

والحُرْمَة: الذِّمَّةُ.

وأَحْرَمَ الرجلُ، فَهُوَ مُحْرِمٌ إِذا كَانَتْ لَهُ ذِمَّةٌ؛ قَالَ الرَّاعِي:

قَتَلوا ابنَ عَفّان الخليفةَ مُحْرِمًا، ***ودَعا فَلَمْ أَرَ مثلَهُ مَقْتولا

وَيُرْوَى: مَخْذولا، وَقِيلَ: أَراد بِقَوْلِهِ مُحْرِمًا أَنهم قَتَلُوهُ فِي آخِرِ ذِي الحِجَّةِ؛ وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: أَي صَائِمًا.

وَيُقَالُ: أَراد لَمْ يُحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يوقِعُ بِهِ فَهُوَ مُحْرِمٌ.

الأَزهري: رَوَى شَمِرٌ لعُمَرَ أَنه قَالَ الصِّيَامُ إِحْرامٌ "، قَالَ: وإِنما قَالَ الصيامُ إِحْرام لَامْتِنَاعِ الصَّائِمِ مِمَّا يَثْلِمُ صيامَه، وَيُقَالُ لِلصَّائِمِ أَيضًا مُحْرِمٌ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: لَيْسَ مُحْرِمًا فِي بَيْتِ الرَّاعِي مِنَ الإِحْرام وَلَا مِنَ الدُّخُولِ فِي الشَّهْرِ الحَرام، قَالَ: وإِنما هُوَ مِثْلُ الْبَيْتِ الَّذِي قَبْلَهُ، وإِنما" يُرِيدُ أَن عُثْمَانَ فِي حُرْمةِ الإِسلام وذِمَّته لَمْ يُحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يُوقِعُ بِهِ، وَيُقَالُ لِلْحَالِفِ مُحْرِمٌ لتَحَرُّمِه بِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَسَنِ فِي الرَّجُلِ يُحْرِمُ فِي الْغَضَبِ "أَي يَحْلِفُ؛ وَقَالَ الْآخَرُ:

قَتَلُوا كِسْرى بليلٍ مُحْرِمًا، ***غادَرُوه لَمْ يُمَتَّعْ بكَفَنْ

يُرِيدُ: قَتَلَ شِيرَوَيْهِ أَباه أَبْرَوَيْز بنَ هُرْمُزَ.

الأَزهري: الحُرْمة المَهابة، قَالَ: وإِذا كَانَ بالإِنسان رَحِمٌ وَكُنَّا نَسْتَحِي مِنْهُ قُلْنَا: لَهُ حُرْمَةٌ، قَالَ: وَلِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حُرْمةٌ ومَهابةٌ.

قَالَ أَبو زَيْدٍ: يُقَالُ هُوَ حُرْمَتُك وَهُمْ ذَوو رَحِمِه وجارُه ومَنْ يَنْصره غَائِبًا وَشَاهِدًا وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقُّه.

وَيُقَالُ: أَحْرَمْت عَنِ الشَّيْءِ إِذا أَمسكتَ عَنْهُ، وَذَكَرَ أَبو الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيُّ عَنِ الْيَزِيدِيِّ أَنه قَالَ: سَأَلْتُ عَمِّي عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كلُّ مُسْلم عَنْ مُسْلِمٍ مُحْرِمٌ، قَالَ: المُحْرِمُ الْمُمْسِكُ "، مَعْنَاهُ أَن الْمُسْلِمَ مُمْسِكٌ عَنْ مَالِ الْمُسْلِمِ وعِرْضِهِ ودَمِهِ؛ وأَنشد لمِسْكين الدَّارِمِيِّ:

أَتتْني هَناتٌ عَنْ رجالٍ، كأَنها ***خَنافِسُ لَيْلٍ لَيْسَ فِيهَا عَقارِبُ

أَحَلُّوا عَلَى عِرضي، وأَحْرَمْتُ عنهُمُ، ***وَفِي اللهِ جارٌ لَا ينامُ وطالِبُ

قَالَ: وأَنشد الْمُفَضَّلُ لأَخْضَرَ بْنِ عَبَّاد المازِنيّ جَاهِلِيٌّ:

لَقَدْ طَالَ إِعْراضي وصَفْحي عَنِ الَّتِي ***أُبَلَّغُ عنْكم، والقُلوبُ قُلوبُ

وَطَالَ انْتِظاري عَطْفَةَ الحِلْمِ عنكمُ ***ليَرْجِعَ وُدٌّ، والمَعادُ قريبُ

ولستُ أَراكُمْ تُحْرِمونَ عَنِ الَّتِي ***كرِهْتُ، وَمِنْهَا فِي القُلوب نُدُوبُ

فَلَا تأمَنُوا مِنّي كَفاءةَ فِعْلِكُمْ، ***فيَشْمَتَ قِتْل أَو يُساءَ حبيبُ

ويَظْهَرَ مِنًّا فِي المَقالِ ومنكُمُ، ***إِذا مَا ارْتَمَيْنا فِي المَقال، عُيوبُ

وَيُقَالُ: أَحْرَمْتُ الشَّيْءَ بِمَعْنَى حَرَّمْتُه؛ قَالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ:

إِلى شَجَرٍ أَلْمَى الظِّلالِ، كَأَنَّهَا ***رواهِبُ أَحْرَمْنَ الشَّرابَ عُذُوبُ

قَالَ: وَالضَّمِيرُ فِي كَأَنَّهَا يَعُودُ عَلَى رِكابٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا.

وتَحَرَّم مِنْهُ بحُرْمَةٍ: تَحَمّى وتَمَنَّعَ.

وأَحْرَمَ القومُ إِذا دَخَلُوا فِي الشَّهْرِ الحَرامِ؛ قَالَ زُهَيْرٌ:

جَعَلْنَ القَنانَ عَنْ يَمينٍ وحَزْنَهُ، ***وَكَمْ بالقَنانِ مِنْ مُحِلّ ومُحْرِمِ

وأَحْرَمَ الرجلُ إِذا دَخَلَ فِي حُرْمة لَا تُهْتَكُ؛ وأَنشد بَيْتَ زُهَيْرٍ: " وَكَمْ بالقنانِ مِنْ مُحِلّ ومُحْرِمِ "أَيْ مِمَّنْ يَحِلُّ قتالُه وَمِمَّنْ لَا يَحِلُّ ذَلِكَ مِنْهُ.

والمُحْرِمُ: المُسالمُ؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي، فِي قَوْلِ خِداش بْنُ زُهَيْرٍ:

إِذا مَا أصابَ الغَيْثُ لَمْ يَرْعَ غَيْثَهمْ، ***مِنَ النَّاسِ، إِلا مُحْرِمٌ أَو مُكافِلُ

هَكَذَا أَنشده: أَصاب الغَيْثُ، بِرَفْعِ الْغَيْثِ، قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وأَراها لُغَةً فِي صابَ أَو عَلَى حَذْفِ الْمَفْعُولِ "كَأَنَّهُ إِذا أَصابَهُم الغَيثُ أَو أَصاب الْغَيْثُ بلادَهُم فأَعْشَبَتْ؛ وأَنشده مَرَّةً أُخرى: " إِذا شَرِبوا بالغَيْثِ "والمُكافِلُ: المُجاوِرُ المُحالِفُ، والكَفيلُ مِنْ هَذَا أُخِذَ.

وحُرْمَةُ الرَّجُلِ: حُرَمُهُ وأَهله.

وحَرَمُ الرَّجُلِ وحَريمُه: مَا يقاتِلُ عَنْهُ ويَحْميه، فَجَمْعُ الحَرَم أَحْرامٌ، وَجَمْعُ الحَريم حُرُمٌ.

وَفُلَانٌ مُحْرِمٌ بِنَا أَي فِي حَريمنا.

تَقُولُ: فُلَانٌ لَهُ حُرْمَةٌ أَي تَحَرَّمَ بِنَا بصحبةٍ أَو بِحَقٍّ وذِمَّةِ.

الأَزهري: والحَريمُ قَصَبَةُ الدارِ، والحَريمُ فِناءُ الْمَسْجِدِ.

وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ وَاصِلٍ الْكِلَابِيِّ: حَريم الدَّارِ مَا دَخَلَ فِيهَا مِمَّا يُغْلَقُ عَلَيْهِ بابُها وَمَا خَرَجَ مِنْهَا فَهُوَ الفِناءُ، قَالَ: وفِناءُ البَدَوِيِّ مَا يُدْرِكُهُ حُجْرَتُه وأَطنابُهُ، وَهُوَ مِنَ الحَضَرِيّ إِذا كَانَتْ تُحَاذِيهَا دَارٌ أُخرى، ففِناؤُهما حَدُّ مَا بَيْنَهُمَا.

وحَريمُ الدَّارِ: مَا أُضيف إِلَيْهَا وَكَانَ مِنْ حُقُوقِهَا ومَرافِقها.

وحَريمُ الْبِئْرِ: مُلْقى النَّبِيثَة والمَمْشى عَلَى جَانِبَيْهَا وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ الصِّحَاحُ: حَريم الْبِئْرِ وَغَيْرِهَا مَا حَوْلَهَا مِنْ مَرافقها وحُقوقها.

وحَريمُ النَّهْرِ: مُلْقى طِينِهِ والمَمْشى عَلَى حَافَّتَيْهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «حَريمُ الْبِئْرِ أَربعون ذِرَاعًا»، هُوَ الْمَوْضِعُ الْمُحِيطُ بِهَا الَّذِي يُلْقى فِيهِ ترابُها أَي أَن الْبِئْرَ الَّتِي يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ فِي مَواتٍ فَحريمُها لَيْسَ لأَحد أَن يَنْزِلَ فِيهِ وَلَا يُنَازِعَهُ عَلَيْهَا، وَسُمِّيَ بِهِ لأَنه يَحْرُمُ مَنْعُ صَاحِبِهِ مِنْهُ أَو لأَنه مُحَرَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ التصرفُ فِيهِ.

الأَزهري: الحِرْمُ الْمَنْعُ، والحِرْمَةُ الحِرْمان، والحِرْمانُ نَقيضه الإِعطاء والرَّزْقُ.

يُقَالُ: مَحْرُومٌ ومَرْزوق.

وحَرَمهُ الشيءَ يَحْرِمُهُ وحَرِمَهُ حِرْمانًا وحِرْمًا وحَريمًا وحِرْمَةً وحَرِمَةً وحَريمةً، وأَحْرَمَهُ لغةٌ لَيْسَتْ بِالْعَالِيَةِ، كُلُّهُ: مَنَعَهُ الْعَطِيَّةَ؛ قَالَ يَصِفُ امْرَأَةً:

وأُنْبِئْتُها أَحْرَمَتْ قومَها ***لتَنْكِحَ فِي مَعْشَرٍ آخَرِينا

أَي حَرَّمَتْهُم عَلَى نَفْسِهَا.

الأَصمعي: أَحْرَمَتْ قَوْمَهَا أَي حَرَمَتْهُم أَن يَنْكِحُوهَا.

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنه قَالَ: كُلُّ مُسلمٍ عَنْ مُسْلِمٍ مُحْرِمٌ أَخَوانِ نَصيرانِ "؛ قَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: قَالَ ابْنُ الأَعرابي يُقَالُ إِنَّهُ لمُحْرِمٌ عَنْكَ أَي يُحَرِّمُ أَذاكَ عَلَيْهِ؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا بِمَعْنَى الْخَبَرِ، أَراد أَنه يَحْرُمُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَن يُؤْذي صاحبَهُ لحُرْمة الإِسلام المانِعَتِه عَنْ ظُلْمِه.

وَيُقَالُ: مُسلم مُحْرِمٌ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يُوقِعُ بِهِ، يُرِيدُ أَن الْمُسْلِمَ مُعْتَصِمٌ بالإِسلام مُمْتَنِعٌ بحُرْمتِهِ مِمَّنْ أَراده وأَراد مَالَهُ.

والتَّحْرِيمُ: خِلَافُ التَّحْليل.

وَرَجُلٌ مَحْروم: مَمْنُوعٌ مِنَ الْخَيْرِ.

وَفِي التَّهْذِيبِ: المَحْروم الَّذِي حُرِمَ الخيرَ حِرْمانًا.

وَقَوْلُهُ تعالى: {فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}؛ قِيلَ: المَحْروم الَّذِي لَا يَنْمِي لَهُ مَالٌ، وَقِيلَ أَيضًا: إِنه المُحارِفُ الَّذِي لَا يَكَادُ يَكْتَسِبُ.

وحَرِيمةُ الربِّ: الَّتِي يَمْنَعُهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ.

وأَحْرَمَ الرجلَ: قَمَرَه، وحَرِمَ فِي اللُّعبة يحْرَمُ حَرَمًا: قُمِرَ وَلَمْ يَقْمُرْ هُوَ؛ وأَنشد: " ورَمَى بسَهْمِ حَريمةٍ لَمْ يَصْطَدِ ويُخَطُّ خَطٌّ فَيَدْخُلُ فِيهِ غِلمان وَتَكُونُ عِدَّتُهُمْ فِي خَارِجٍ مِنَ الخَطّ فيَدْنو هَؤُلَاءِ من الخط ويصافحُ "أَحدُهم صاحبَهُ، فإِن مسَّ الداخلُ الخارجَ فَلَمْ يَضْبُطْهُ الداخلُ قِيلَ لِلدَّاخِلِ: حَرِمَ وأَحْرَمَ الخارِجُ الداخلَ، وإِن ضَبَطَهُ الداخلُ فَقَدْ حَرِمَ الخارِجُ وأَحْرَمَه الداخِلُ.

وحَرِمَ الرجلُ حَرمًا: لَجَّ ومَحَكَ.

وحَرِمَت المِعْزَى وغيرُها مِنْ ذَوَاتِ الظِّلْف حِرامًا واسْتحْرَمَتْ: أَرادت الْفَحْلَ، وَمَا أَبْيَنَ حِرْمَتَها، وَهِيَ حَرْمَى، وَجَمْعُهَا حِرامٌ وحَرامَى، كُسِّرَ عَلَى مَا يُكَسَّرُ عَلَيْهِ فَعْلَى الَّتِي لَهَا فَعْلانُ نَحْوُ عَجْلان وعَجْلَى وغَرْثان وغَرْثى، وَالِاسْمُ الحَرَمةُ والحِرمةُ؛ الأَول عَنِ اللِّحْيَانِيِّ، وَكَذَلِكَ الذِّئْبَةُ وَالْكَلْبَةُ وَأَكْثَرُهَا فِي الْغَنَمِ، وَقَدْ حُكِيَ ذَلِكَ فِي الإِبل.

وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ: «الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ الساعةُ تُسَلَّطُ عَلَيْهِمُ الحِرْمَةُ» أَي الغُلْمَةُ ويُسْلَبُون الحياءَ، فاسْتُعْمِل فِي ذُكُورِ الأَناسِيِّ، وَقِيلَ: الاسْتِحْرامُ لِكُلِّ ذَاتِ ظِلْفٍ خَاصَّةً.

والحِرْمَةُ، بِالْكَسْرِ: الغُلْمةُ.

قَالَ ابْنُ الأَثير: وَكَأَنَّهَا بِغَيْرِ الْآدَمِيِّ مِنَ الْحَيَوَانِ أَخَصُّ.

وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ آدَمَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: «أَنَّهُ اسْتَحْرَمَ بَعْدَ مَوْتِ ابْنِهِ مائةَ سنةٍ لَمْ يَضْحَكْ»؛ هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ: أَحْرَمَ الرجلُ إِذا دَخَلَ فِي حُرْمَةٍ لَا تهْتَكُ، قَالَ: وَلَيْسَ مِنِ اسْتِحْرام الشاة.

الجوهري: والحِرْمةُ فِي الشَّاءِ كالضَّبْعَةِ فِي النُّوقِ، والحِنَاء فِي النِّعاج، وَهُوَ شَهْوَةُ البِضاع؛ يُقَالُ: اسْتَحْرَمَت الشاةُ وَكُلُّ أُنثى مِنْ ذَوَاتِ الظِّلْفِ خَاصَّةً إِذا اشْتَهَتِ الْفَحْلَ.

وَقَالَ الأُمَوِيُّ: اسْتَحْرَمتِ الذِّئبةُ والكلبةُ إِذا أَرادت الْفَحْلَ.

وَشَاةٌ حَرْمَى وَشِيَاهٌ حِرامٌ وحَرامَى مِثْلُ عِجالٍ وعَجالى، كأَنه لَوْ قِيلَ لمذكَّرِهِ لَقِيل حَرْمانُ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: فَعْلَى مُؤَنَّثَةُ فَعْلان قَدْ تُجْمَعُ عَلَى فَعالَى وفِعالٍ نَحْوُ عَجالَى وعِجالٍ، وأَما شَاةٌ حَرْمَى فَإِنَّهَا، وإِن لَمْ يُسْتَعْمَلْ لَهَا مذكَّر، فَإِنَّهَا بِمَنْزِلَةِ مَا قَدِ اسْتُعْمِلَ لأَن قِيَاسَ الْمُذَكَّرِ مِنْهُ حَرْمانُ، فَلِذَلِكَ قَالُوا فِي جَمْعِهِ حَرامَى وحِرامٌ، كَمَا قَالُوا عَجالَى وعِجالٌ.

والمُحَرَّمُ مِنَ الإِبل مِثْلُ العُرْضِيِّ: وَهُوَ الذَلُول الوَسَط الصعبُ التَّصَرُّفِ حِينَ تصَرُّفِه.

وَنَاقَةٌ مُحَرَّمةٌ: لَمْ تُرَضْ؛ قَالَ الأَزهري: سَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ نَاقَةٌ مُحَرَّمَةُ الظهرِ إِذا كَانَتْ صَعْبَةً لَمْ تُرَضْ وَلَمْ تُذَلَّلْ، وَفِي الصِّحَاحِ: نَاقَةٌ مُحَرَّمةٌ أَي لَمْ تَتِمَّ رياضتُها بَعْدُ.

وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: «إِنه أَراد البَداوَة فأَرسل إليَّ نَاقَةً مُحَرَّمةً»؛ هِيَ الَّتِي لَمْ تُرْكَبْ وَلَمْ تُذَلَّل.

والمُحَرَّمُ مِنَ الْجُلُودِ: مَا لَمْ يُدْبَغْ أَو دُبغ فَلَمْ يَتَمَرَّن وَلَمْ يُبَالِغْ، وجِلد مُحَرَّم: لَمْ تَتِمَّ دِباغته.

وَسَوْطٌ مُحَرَّم: جَدِيدٌ لَمْ يُلَيَّنْ بعدُ؛ قَالَ الأَعشى:

تَرَى عينَها صَغْواءَ فِي جنبِ غَرْزِها، ***تُراقِبُ كَفِّي والقَطيعَ المُحَرَّما

وَفِي التَّهْذِيبِ: فِي جَنْبِ مُوقِهَا تُحاذر كفِّي؛ أَراد بالقَطيع سَوْطَهُ.

قَالَ الأَزهري: وَقَدْ رأَيت الْعَرَبَ يُسَوُّون سياطَهم مِنْ جُلُودِ الإِبل الَّتِي لَمْ تُدْبَغْ، يَأْخُذُونَ الشَّريحة الْعَرِيضَةَ فَيَقْطَعُونَ مِنْهَا سُيورًا عِراضًا وَيَدْفِنُونَهَا فِي الثَّرَى، فإِذا نَدِيَتْ وَلَانَتْ جَعَلُوا مِنْهَا أَربع قُوىً، ثُمَّ فَتَلُوهَا ثُمَّ علَّقوها مِنْ شِعْبَي خشبةٍ يَرْكُزونها فِي الأَرض فتُقِلُّها مِنَ الأَرض مَمْدُودَةً وَقَدْ أَثقلوها حَتَّى تَيَبَّسَ.

وَقَوْلُهُ تعالى: {وحِرْم عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنهم لَا يَرْجِعُونَ}؛ رَوَى قَتادةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَعْنَاهُ واجبٌ عَلَيْهَا إِذا هَلَكَتْ أَن لَا تُرْجَعُ إِلى دُنْياها؛ وَقَالَ أَبو مُعاذٍ النَّحْوِيُّ: بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنه قرأَها" وحَرمَ عَلَى قَرْيَةٍ أَي وَجَب عَلَيْهَا، قَالَ: وحُدِّثْت عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنه قرأَها: وحِرْمٌ على قَرْيَةٍ أَهلكناها "؛ فَسُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ: عَزْمٌ عَلَيْهَا.

وَقَالَ أَبو إِسْحَاقَ فِي قَوْلِهِ تعالى: {وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها}؛ يَحْتَاجُ هَذَا إِلى تَبْيين فَإِنَّهُ لَمْ يُبَيَّنْ، قَالَ: وَهُوَ، وَاللَّهُ أَعلم، أَن اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمَّا قَالَ: فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ، أَعْلَمنا أَنه قَدْ حَرَّمَ أَعْمَالَ الْكُفَّارِ، فَالْمَعْنَى حَرامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهلكناها أَن يُتَقَبَّل مِنْهُمْ عَمَلٌ، لأَنهم لَا يَرْجِعُونَ أَي لَا يَتُوبُونَ؛ وَرُوِيَ أَيضًا" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنه قَالَ فِي قَوْلِهِ: وحِرْمٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهلكناها، قَالَ: واجبٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهلكناها أَنه لَا يَرْجِعُ مِنْهُمْ رَاجِعٌ "أَي لَا يَتُوبُ مِنْهُمْ تَائِبٌ؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ الزَّجَّاجُ، وَرَوَى الْفَرَّاءُ بإِسناده" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وحِرْمٌ "؛ قَالَ الْكِسَائِيُّ: أَي وَاجِبٌ، قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: إِنما تَأَوَّلَ الْكِسَائِيُّ وَحَرامٌفِي الْآيَةِ بِمَعْنَى وَاجِبٍ، لِتَسْلَمَ لَهُ لَا مِنَ الزِّيَادَةِ فَيَصِيرَ الْمَعْنَى عِنْدَهُ واجبٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهلكناها أَنهم لَا يَرْجِعُونَ، وَمِنْ جَعَلَ حَرامًا بِمَعْنَى الْمَنْعِ جَعَلَ لَا زَائِدَةً تَقْدِيرُهُ وحَرامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهلكناها أَنهم يَرْجِعُونَ، وَتَأْوِيلُ الْكِسَائِيِّ هُوَ تأْويل ابْنِ عَبَّاسٍ؛ وَيُقَوِّي قَوْلَ الْكِسَائِيِّ إِن حَرام فِي الْآيَةِ بِمَعْنَى وَاجِبٌ قولُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُمانَةَ المُحاربيّ جَاهِلِيٌّ:

فإِنَّ حَرامًا لَا أَرى الدَّهْرَ باكِيًا ***عَلَى شَجْوِهِ، إِلَّا بَكَيْتُ عَلَى عَمْرو

وَقَرَأَ أَهل الْمَدِينَةِ وَحَرامٌ "، قَالَ الْفَرَّاءُ: وحَرامٌ أَفشى فِي الْقِرَاءَةِ.

وحَرِيمٌ: أَبو حَيّ.

وحَرامٌ: اسْمٌ.

وَفِي الْعَرَبِ بُطون يُنْسَبُونَ إِلى آلِ حَرامٍ بَطْنٌ من بني تميم وبَطْنٌ فِي جُذام وَبَطْنٌ فِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ.

وحَرامٌ: مَوْلَى كُلَيْبٍ.

وحَريمةُ: رَجُلٌ مِنْ أَنجادهم؛ قَالَ الكَلْحَبَةُ اليَرْبوعيّ:

فأَدْرَكَ أَنْقاءَ العَرَادةِ ظَلْعُها، ***وَقَدْ جَعَلَتْني مِنْ حَريمةَ إِصْبَعا

وحَرِمٌ: اسْمُ مَوْضِعٌ؛ قَالَ ابْنُ مُقْبِلٍ:

حَيِّ دارَ الحَيِّ لَا حَيَّ بِهَا، ***بِسِخالٍ فأُثالٍ فَحَرِمْ

والحَيْرَمُ: الْبَقَرُ، وَاحِدَتُهَا حَيْرَمة؛ قَالَ ابْنُ أَحمر: " تَبَدَّلَ أُدْمًا مِنْ ظِباءٍ وحَيْرَما قَالَ الأَصمعي: لَمْ نَسْمَعْ الحَيْرَمَ إِلا فِي شِعْرِ ابْنِ أَحمر، وَلَهُ نَظَائِرُ مَذْكُورَةٌ فِي مَوَاضِعِهَا.

قَالَ ابْنُ جِنِّي: والقولُ فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَنَحْوِهَا وجوبُ قَبُولِهَا، وَذَلِكَ لِمَا ثبتتْ بِهِ الشَّهادةُ مِنْ فَصاحة ابْنِ أَحمر، فإِما أَن يَكُونَ شَيْئًا أَخذه عَمَّنْ نَطَقَ بِلُغَةٍ قَدِيمَةٍ لَمْ يُشارَكْ فِي سَمَاعِ ذَلِكَ مِنْهُ، عَلَى حَدِّ مَا قُلْنَاهُ فِيمَنْ خَالَفَ الْجَمَاعَةَ، وَهُوَ فَصِيحٌ كَقَوْلِهِ فِي الذُّرَحْرَح الذُّرَّحْرَحِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وإِما أَن يَكُونَ شَيْئًا ارْتَجَلَهُ ابْنُ أَحمر، فإِن الأَعرابي إِذا قَوِيَتْ فصاحتُه وسَمَتْ طبيعتُه تصرَّف وَارْتَجَلَ مَا لَمْ يَسْبِقْهُ أَحد قَبْلَهُ، فَقَدْ حُكِيَ عَنْ رُؤبَة وأَبيه: أَنهما كَانَا يَرْتَجِلان أَلفاظًا لَمْ يَسْمَعَاهَا وَلَا سُبِقا إِليها، وَعَلَى هَذَا قَالَ أَبو عُثْمَانَ: مَا قِيس عَلَى كَلَامِ العَرَب فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ.

ابْنُ الأَعرابي: الحَيْرَمُ الْبَقَرُ، والحَوْرَمُ الْمَالُ الْكَثِيرُ مِنَ الصامِتِ وَالنَّاطِقِ.

والحِرْمِيَّةُ: سِهام تُنْسَبُ إِلى الحَرَمِ، والحَرَمُ قَدْ يَكُونُ الحَرامَ، وَنَظِيرُهُ زَمَنٌ وزَمانٌ.

وحَريمٌ الَّذِي فِي شِعْرِ امْرِئِ الْقَيْسِ: اسْمُ رَجُلٍ، وَهُوَ حَريمُ بْنُ جُعْفِيّ جَدُّ الشُّوَيْعِر؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ يَعْنِي قَوْلَهُ:

بَلِّغا عَنِّيَ الشُّوَيْعِرَ أَني، ***عَمْدَ عَيْنٍ، قَلَّدْتُهُنَّ حَريما

وَقَدْ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي تَرْجَمَةِ شِعْرٍ.

والحرَيمةُ: مَا فَاتَ مِنْ كُلِّ مَطْموع فِيهِ.

وحَرَمَهُ الشَّيْءَ يَحْرِمُه حَرِمًا مِثْلُ سَرَقَه سَرِقًا، بِكَسْرِ الرَّاءِ، وحِرْمَةً وحَريمةً وحِرْمانًا وأَحْرَمَهُ أَيضًا إِذا مَنَعَهُ إِياه؛ وَقَالَ يَصِفُ امْرَأَةً:

ونُبِّئْتُها أَحْرَمَتْ قَوْمَها ***لتَنْكِحَ فِي مَعْشَرٍ آخَرِينا

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: وأَنشد أَبو عُبَيْدٍ شَاهِدًا عَلَى أَحْرَمَتْ بَيْتَيْنِ مُتَبَاعِدٌ أَحدهما مِنْ صَاحِبِهِ، وَهُمَا فِي قَصِيدَةٍ تُرْوَى لشَقِيق بْنِ السُّلَيْكِ، وَتُرْوَى لَابْنِ أَخي زِرّ ابن حُبَيْشٍ الْفَقِيهِ الْقَارِئِ، وَخَطَبَ امرأَة فَرَدَّتْهُ فَقَالَ:

ونُبِّئْتُها أَحْرَمَتْ قَوْمَهَا ***لتَنكِح فِي معشرٍ آخَرينا

فإِن كنتِ أَحْرَمْتِنا فاذْهَبي، ***فإِن النِّساءَ يَخُنَّ الأَمينا

وطُوفي لتَلْتَقِطي مِثْلَنا، ***وأُقْسِمُ باللهِ لَا تَفْعَلِينا

فَإِمَّا نَكَحْتِ فَلَا بالرِّفاء، ***إِذا مَا نَكَحْتِ وَلَا بالبَنِينا

وزُوِّجْتِ أَشْمَطَ فِي غُرْبة، ***تُجَنُّ الحَلِيلَة مِنْهُ جُنونا

خَليلَ إماءٍ يُراوِحْنَهُ، ***وللمُحْصَناتِ ضَرُوبًا مُهِينا

إِذا مَا نُقِلْتِ إِلى دارِهِ ***أَعَدَّ لظهرِكِ سَوْطًا مَتِينا

وقَلَّبْتِ طَرْفَكِ فِي مارِدٍ، ***تَظَلُّ الحَمامُ عَلَيْهِ وُكُونا

يُشِمُّكِ أَخْبَثَ أَضْراسِه، ***إِذا مَا دَنَوْتِ فتسْتَنْشِقِينا

كأَن المَساويكَ فِي شِدْقِه، ***إِذا هُنَّ أُكرِهن، يَقلَعنَ طِينَا

كأَنَّ تَواليَ أَنْيابِهِ ***وَبَيْنَ ثَناياهُ غِسْلًا لَجِينا

أَراد بالمارِدِ حِصْنًا أَو قَصرًا مِمَّا تُعْلى حيطانُه وتُصَهْرَجُ حَتَّى يَمْلاسَّ فَلَا يَقْدِرُ أَحد عَلَى ارْتِقَائِهِ، والوُكُونُ: جَمْعُ واكِنٍ مِثْلُ جَالِسٍ وجُلوسٍ، وَهِيَ الجاثِمة، يُرِيدُ أَن الْحَمَامَ يَقِفُ عَلَيْهِ فَلَا يُذْعَرُ لِارْتِفَاعِهِ، والغِسْل: الخطْمِيُّ، واللَّجِينُ: الْمَضْرُوبُ بِالْمَاءِ، شبَّه مَا رَكِبَ أَسنانَه وأَنيابَه مِنَ الْخُضْرَةِ بالخِطميّ الْمَضْرُوبِ بِالْمَاءِ.

والحَرِمُ، بِكَسْرِ الرَّاءِ: الحِرْمانُ؛ قَالَ زُهَيْرٌ:

وإِنْ أَتاه خليلٌ يَوْمَ مَسْأَلةٍ ***يقولُ: لَا غائبٌ مَالِي وَلَا حَرِمُ

وإِنما رَفَعَ يقولُ، وَهُوَ جَوَابُ الْجَزَاءِ، عَلَى مَعْنَى التَّقْدِيمِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ كأَنه قَالَ: يَقُولُ إِن أَتاه خَلِيلٌ لَا غَائِبٌ، وَعِنْدَ الْكُوفِيِّينَ عَلَى إِضْمَارِ الْفَاءِ؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الحَرِمُ الْمَمْنُوعُ، وَقِيلَ: الحَرِمُ الحَرامُ.

يُقَالُ: حِرْمٌ وحَرِمٌ وحَرامٌ بِمَعْنًى.

والحَريمُ: الصَّدِيقُ؛ يُقَالُ: فُلَانٌ حَريمٌ صَريح أَي صَديق خَالِصٌ.

قَالَ: وَقَالَ العُقَيْلِيُّونَ حَرامُ اللَّهِ لَا أَفعلُ ذَلِكَ، ويمينُ اللَّهِ لَا أَفعلُ ذَلِكَ، مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ.

قَالَ: وَقَالَ أَبو زَيْدٍ يُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا هُوَ بحارِم عَقْلٍ، وَمَا هُوَ بعادِمِ عَقْلٍ، مَعْنَاهُمَا أَن لَهُ عَقْلًا.

الأَزهري: وَفِي حَدِيثِ بَعْضِهِمْ" إِذا اجْتَمَعَتْ حُرْمتانِ طُرِحت الصُّغْرى للكُبْرى "؛ قَالَ الْقُتَيْبِيُّ: «يَقُولُ إِذا كَانَ أَمر فِيهِ مَنْفَعَةٌ لعامَّة النَّاسِ ومَضَرَّةٌ عَلَى خَاصٍّ مِنْهُمْ قُدِّمت مَنْفَعَةُ الْعَامَّةِ، مِثَالُ ذَلِكَ: نَهْرٌ يَجْرِي لشِرْب الْعَامَّةِ، وَفِي مَجْراه حائطٌ لِرَجُلٍ وحَمَّامٌ يَضُرُّ بِهِ هَذَا النَّهْرُ، فَلَا يُتْرَكُ إِجْرَاؤُهُ مِنْ قِبَلِ هَذِهِ المَضَرَّة، هَذَا وَمَا أَشبهه، قَالَ: وَفِي حَدِيثِ» عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فِي الحَرامِ كَفَّارةُ يمينٍ "؛ هُوَ أَن يَقُولَ حَرامُ اللَّهِ لَا أَفعلُ كَمَا يَقُولُ يمينُ اللهِ، وَهِيَ لُغَةُ العقيلِييّن، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَن يُرِيدَ تَحْريمَ الزَّوْجَةِ وَالْجَارِيَةِ مِنْ غَيْرِ نِيَّةِ الطَّلَاقِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}، ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ}؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ" عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عنها: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ وحَرَّمَ فَجَعَلَ الحَرامَ حَلَالًا، تَعْنِي مَا كَانَ حَرّمهُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ نِسَائِهِ بالإِيلاء عَادَ فأَحَلَّهُ وَجَعَلَ فِي الْيَمِينِ الكفارةَ.

وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: «أَنتِ عليَّ حَرامٌ»، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ حَرّمَ امرأَته فَلَيْسَ بشيءٍ، وَحَدِيثُهُ الْآخَرُ: إِذا حَرَّمَ الرَّجُلُ امرأَته فَهِيَ يمينٌ يُكَفِّرُها.

والإِحْرامُ والتَّحْريمُ بِمَعْنًى؛ قَالَ يَصِفُ بَعِيرًا:

لَهُ رِئَةٌ قَدْ أَحْرَمَتْ حِلَّ ظهرِهِ، ***فَمَا فِيهِ للفُقْرَى وَلَا الحَجِّ مَزْعَمُ

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ وَلَّاد وَغَيْرُهُ: لَهُ رَبَّة، وَقَوْلُهُ مَزْعَم أَي مَطْمع.

وَقَوْلُهُ تعالى: {لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُوَ المُحارِف.

أَبو عَمْرٍو: الحَرُومُ النَّاقَةُ المُعْتاطةُ الرَّحِمِ، والزَّجُومُ الَّتِي لَا تَرْغُو، والخَزُوم الْمُنْقَطِعَةُ فِي السَّيْرِ، والزَّحُوم الَّتِي تزاحِمُ عَلَى الْحَوْضِ.

والحَرامُ: المُحْرِمُ.

والحَرامُ: الشَّهْرُ الحَرامُ.

وحَرام: قَبِيلَةٌ مَنْ بَنِي سُلَيْمٍ؛ قَالَ الْفَرَزْدَقُ:

فَمَنْ يَكُ خَائِفًا لأَذاةِ شِعْرِي، ***فَقَدْ أَمِنَ الهجاءَ بَنُو حَرامِ

وحَرَام أَيضًا: قَبِيلَةٌ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


17-لسان العرب (نقم)

نقم: النَّقِمَةُ والنَّقْمَةُ: المكافأَة بِالْعُقُوبَةِ، وَالْجَمْعُ نَقِمٌ ونِقَمٌ، فنَقِمٌ لنَقِمَة، ونِقَمٌ لنِقْمةٍ، وأَما ابْنُ جِنِّيٍّ فَقَالَ: نَقِمَة ونِقَمٌ، قَالَ: وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَقُولُوا فِي جمعِ نَقِمَة نَقِم عَلَى جَمْعِ كَلِمة وكَلِمٍ فَعَدَلُوا عَنْهُ إِلَى أَن فَتَحُوا المكسورَ وَكَسَرُوا الْمَفْتُوحَ.

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَقَدْ عَلِمْنَا أَن مِنْ شَرْطِ الْجَمْعِ بِخَلع الْهَاءِ أَن لَا يُغَيَّر مِنْ صِيغَةِ الْحُرُوفُ شَيْءٌ وَلَا يُزاد عَلَى طَرْحِ الْهَاءِ نَحْوَ تَمْرة وتَمْر، وَقَدْ بيَّنَّا ذَلِكَ جَمِيعَهُ فِيمَا حَكَاهُ هُوَ مِنْ مَعِدةٍ ومِعَدٍ.

اللَّيْثُ: يُقَالُ لَمْ أَرْض مِنْهُ حَتَّى نَقِمْت وانْتَقَمْت إِذَا كافأَه عُقُوبَةً بِمَا صنَع.

ابْنُ الأَعرابي: النِّقْمَةُ الْعُقُوبَةُ، والنِّقْمَةُ الإِنكار.

وَقَوْلُهُ تعالى: {هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا}؛ أَي هَلْ تُنْكِرون.

قَالَ الأَزهري: يُقَالُ النَّقْمَةُ والنِّقْمَةُ الْعُقُوبَةُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ" عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ، كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ:

مَا تَنْقِمُ الحَرْبُ العَوانُ مِنِّي، ***بازِل عامَيْنِ فَتِيّ سِنِّي

وَفِي الْحَدِيثِ: « أَنَّهُ مَا انْتَقَمَ لنفسِه قَطّ إِلَّا أَنْ تُنتَهَكَ مَحارِمُ اللَّهِ» أَي مَا عاقبَ أَحدًا عَلَى مكروهٍ أَتَاهُ مِنْ قِبَله، وَقَدْ تَكَرَّرَ فِي الْحَدِيثِ.

الْجَوْهَرِيُّ: نَقَمْتُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْقِمُ، بِالْكَسْرِ، فأَنا نَاقِمٌ إِذَا عَتَبْت عَلَيْهِ.

يُقَالُ: مَا نَقِمْتُ مِنْهُ إِلَّا الإِحسانَ.

قَالَ الْكِسَائِيُّ: ونَقِمْت، بِالْكَسْرِ، لُغَةٌ.

ونَقِمَ مِنْ فلانٍ الإِحسانَ إِذَا جَعَلَهُ مِمَّا يُؤَدِّيه إِلَى كُفر النِّعْمَةِ.

وَفِي حَدِيثِ الزَّكَاةِ: « مَا يَنْقَمُ ابنُ جَميلٍ إِلَّا أَنه كَانَ فَقيرًا فأَغناه اللَّهُ »أَي مَا يَنْقَمُ شَيْئًا مِنْ مَنْع الزَّكَاةِ إِلَّا أَنْ يَكفر النِّعْمة فكأَنَّ غِنَاهُ أَدَّاه إِلَى كُفْرِ نِعْمةِ اللَّهِ.

ونَقَمْتُ الأَمرَ ونَقِمْتُه إِذَا كَرهته.

وانْتَقَمَ اللهُ مِنْهُ أَيْ عاقَبَه، وَالِاسْمُ مِنْهُ النَّقْمَةُ، وَالْجَمْعُ نَقِمَات ونَقِمٌ مِثْلُ كَلِمةٍ وكلِمات وكَلِمٍ، وَإِنْ شئتَ سَكَّنْتَ الْقَافَ وَنُقِلَتْ حركتَها إِلَى النُّونِ فَقُلْتَ نِقْمَة، وَالْجَمْعُ نِقَمٌ مِثْلُ نِعْمة ونِعَم؛ وَقَدْ نَقَمَ مِنْهُ يَنْقِمُ ونَقِمَ نَقَمًا.

وانْتَقَمَ ونَقِمَ الشيءَ ونَقَمَه: أَنكره.

وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ}؛ قَالَ: وَمَعْنَى نَقَمْت بالَغْت فِي كَرَاهَةِ الشَّيْءِ؛ وأَنشد ابْنُ قَيْسِ الرُّقيّات:

ما نَقِمُوا [نَقَمُوا] مِنْ بَني أُمَيَّةَ إِلَّا ***أَنهم يَحْلُمون، إنْ غَضِبوا

يُروى بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ: نَقَمُوا ونَقِمُوا.

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: يُقَالُ نَقَمْتُ نَقْمًا ونُقومًا ونَقِمَةً ونِقْمةً، ونَقِمْتُ: بالَغْتُ فِي كَرَاهَةِ الشَّيْءِ.

وَفِي أَسماء اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {المُنْتَقِم}، هُوَ الْبَالِغُ فِي الْعُقُوبَةِ لمنْ شاءَ، وَهُوَ مُفْتَعِل مِنْ نَقَمَ يَنْقِمُ إِذَا بَلَغَتْ بِهِ الكراهةُ حدَّ السَّخَطِ.

وضرَبه ضَرْبة نَقَمٍ إِذَا ضرَبه عَدُوٌّ لَهُ.

وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ}؛ قَالَ أَبو إِسْحَاقَ: يُقَالُ نَقَمْتُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْقِمُ ونَقِمْتُ عَلَيْهِ أَنْقَمُ، قَالَ: والأَجوَدُ نَقَمْتُ أَنْقِمُ، وَهُوَ الأَكثر فِي الْقِرَاءَةِ.

وَيُقَالُ: نَقِمَ فلانٌ وَتْرَه أَيِ انْتَقَم.

قَالَ أَبو سَعِيدٍ: مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ فِي الْمَثَلِ: مَثَلي مَثَلُ الأَرْقَم، إِنْ يُقْتَلْ يَنْقَمْ، وَإِنْ يُتْرَك يَلْقَمْ؛ قَوْلِهِ إِنْ يُقْتَلْ يَنْقَمْ أَيْ يُثْأَر بِهِ، قَالَ: والأَرْقَمُ الَّذِي يُشْبه الْجَانَّ، والناسُ يَتَّقونَ قَتْلَه لشَبهه بِالْجَانِّ، والأَرْقَم مَعَ ذَلِكَ مِنْ أَضعف الْحَيَّاتِ وأَقلِّها عَضًّا.

قَالَ ابْنُ الأَثير: وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: « فَهُوَ كالأَرْقَمِ إِنْ يُقْتَلْ يَنْقَمْ »أَيْ إِنْ قتَلَه كَانَ لَهُ مَنْ يَنْتَقِمُ مِنْهُ، قَالَ: والأَرْقَمُ الْحَيَّةُ، كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَزْعُمُونَ أَنَّ الجِنَّ تَطْلُبُ بثأْرِ الجانِّ، وَهِيَ الْحَيَّةُ الدَّقِيقَةُ، فَرُبَّمَا مَاتَ قاتِلُه، وَرُبَّمَا أَصابه خَبَلٌ.

وَإِنَّهُ لمَيْمُونُ النَّقِيمَةِ إِذَا كَانَ مُظَفَّرًا بِمَا يُحاوِل، وَقَالَ يَعْقُوبُ: مِيمُهُ بَدَلٌ مِنْ بَاءِ نَقِيبةٍ.

يُقَالُ: فلانٌ مَيْمونُ العريكةِ وَالنَّقِيبَةِ والنَّقِيمَةِ والطَّبيعة بِمَعْنًى وَاحِدٍ.

والنَّاقِمُ: ضَرْبٌ مِنْ تمرِ عُمانَ، وَفِي التَّهْذِيبِ: ونَاقِمٌ تمرٌ بعُمانَ.

والنَّاقِمِيَّةُ: هِيَ رَقاشِ بنتُ عامرٍ.

وَبَنُو النَّاقِمِيَّةِ: بَطْنٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسَ؛ قَالَ أَبو عُبَيْدٍ: أَنشدنا الْفَرَّاءُ عَنِ المُفَضَّل لِسَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ:

أَجَدَّ فِراقُ النَّاقِمِيَّةِ غُدْوةً، ***أَمِ البَيْنُ يَحْلَوْ لِي لِمَنْ هُوَ مُولَعُ؟

لَقَدْ كنتُ أَهْوَى النَّاقِمِيَّةِ حِقْبةً، ***فَقَدْ جَعَلَتْ آسانُ بَيْنٍ تَقَطَّعُ

التَّهْذِيبُ: ونَاقِم حَيٌّ مِنَ الْيَمَنِ؛ قَالَ.

يَقودُ بأَرسان الجِيادِ سَراتُنا، ***لِيَنْقِمنَ وَتْرًا أَو ليدفَعْنَ مَدفَعا

ونَاقِمٌ: لقبُ عَامِرُ بْنُ سَعْدُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ جَدَّانَ بنِ جَدِيلَةَ.

ونَقَمَى: اسمُ موضع.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


18-لسان العرب (عدا)

عدا: العَدْو: الحُضْر.

عَدَا الرَّجُلُ والفرسُ وَغَيْرُهُ يَعْدُو عَدْوًا وعُدُوًّا وعَدَوانًا وتَعْداءً وعَدَّى: أَحْضَر؛ قَالَ رُؤْبَةُ: " مِنْ طُولِ تَعْداءِ الرَّبيعِ فِي الأَنَقْ "وَحَكَى سِيبَوَيْهِ: أَتيْته عَدْوًا، وُضع فِيهِ المصدرُ عَلَى غَيْر الفِعْل، وَلَيْسَ فِي كلِّ شيءٍ قِيلَ ذَلِكَ إِنَّمَا يُحكى مِنْهُ مَا سُمع.

وَقَالُوا: هُوَ مِنِّي عَدْوةُ الفَرَس، رفعٌ، تُرِيدُ أَن تَجْعَلَ ذَلِكَ مسافَة مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، وَقَدْ أَعْدَاه إِذَا حَمَله عَلَى الحُضْر.

وأَعْدَيْتُ فَرَسِي: اسْتَحضَرته.

وأَعْدَيْتَ فِي مَنْطِقِكَ أَي جُرت.

وَيُقَالُ للخَيْل المُغِيرة: عادِيَة؛ قَالَ اللَّهُ تعالى: {وَالْعادِياتِ ضَبْحًا}؛ " قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هِيَ الخَيْل "؛ " وَقَالَ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الإِبل هَاهُنَا.

والعَدَوانُ والعَدَّاء، كِلَاهُمَا: الشَّديدُ العَدْوِ؛ قَالَ:

وَلَوْ أَنَّ حَيًّا فائتُ المَوتِ فاتَه ***أَخُو الحَرْبِ فَوقَ القارِحِ العَدَوانِ

وأَنشد ابْنُ بَرِّيٍّ شَاهِدًا عَلَيْهِ قَوْلَ الشَّاعِرِ:

وصَخْر بْنُ عَمْرِو بنِ الشَّرِيد، فإِنَّه ***أَخُو الحَرْبِ فَوقَ السَّابحِ العَدَوانِ

وَقَالَ الأَعشى:

والقارِحَ العَدَّا، وَكُلَّ طِمِرَّةٍ ***لَا تَسْتَطِيعُ يَدُ الطَّويلِ قَذالَها

أَراد العَدَّاءِ، فقَصَر لِلضَّرُورَةِ، وأَراد نيلَ قَذالها "فحَذَف لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَرسٌ عَدَوانٌ إِذَا كَانَ كَثِيرَ العَدْو، وذئْبٌ عَدَوانٌ إِذَا كَانَ يَعْدُو عَلَى النَّاسِ والشَّاءِ؛ وأَنشد:

تَذْكُرُ، إذْ أَنْتَ شَديدُ القَفْزِ، ***نَهْدُ القُصَيْرى عَدَوانُ الجَمْزِ،

وأَنْتَ تَعْدُو بِخَرُوف مُبْزِي "والعِداء والعَداءَ: الطَّلَق الْوَاحِدُ، وَفِي التَّهْذِيبِ: الطَّلَق الْوَاحِدُ لِلْفَرَسِ؛ وأَنشد: " يَصرَعُ الخَمْسَ عَداءً فِي طَلَقْ "وَقَالَ: فَمَنْ فَتَحَ العينَ قَالَ جازَ هَذَا إِلَى ذَاكَ، وَمَنْ كَسَر العِدَاء فَمَعْنَاهُ أَنه يُعادِي الصيدَ، مِنَ العَدْو وَهُوَ الحُضْر، حَتَّى يَلْحقَه.

وتَعَادَى القومُ: تَبارَوْا فِي العَدْو.

والعَدِيُّ: جماعةُ القومِ يَعْدون لِقِتال وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: العَدِيّ أَول مَنْ يَحْمل مِنَ الرَّجَّالة، وَذَلِكَ لأَنهم يُسْرِعُونَ العَدْوَ، والعَدِيُّ أَولُ مَا يَدْفَع مِنَ الغارةِ وَهُوَ مِنْهُ؛ قَالَ مَالِكُ بْنُ خَالِدٍ الخُناعِي الهُذلي:

لمَّا رأَيتُ عَدِيَّ القَوْمِ يَسْلُبُهم ***طَلْحُ الشَّواجِنِ والطَّرْفاءُ والسَّلَمُ

يَسْلُبهم: يَعْنِي يَتَعَلَّقُ بِثِيَابِهِمْ فيُزِيلُها عَنْهُمْ، وَهَذَا الْبَيْتُ اسْتُشْهِدَ بِهِ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى العَدِيِّ الَّذِينَ يَعْدون عَلَى أَقْدامِهم، قَالَ: وَهُوَ جَمْعُ عادٍ مِثْلُ غازٍ وغَزِيٍّ؛ وَبَعْدُهُ:

كَفَتُّ ثَوْبيَ لَا أُلْوي إِلَى أَحدٍ، ***إِني شَنِئتُ الفَتَى كالبَكْر يُخْتَطَم

والشَّواجِنُ: أَوْدية كثيرةُ الشَّجَر الْوَاحِدَةُ شاجِنة، يَقُولُ: لمَّا هَرَبوا تَعَلَّقت ثيابُهم بالشَّجَر فَتَرَكُوها.

وَفِي حَدِيثِ لُقْمان: « أَنا لُقْمانُ بنُ عادٍ لِعاديَةٍ لِعادٍ »؛ العاديَة: الخَيْل تَعْدو، وَالْعَادِي الواحدُ؛ أي أَنا لِلْجَمْعِ وَالْوَاحِدِ، وَقَدْ تَكُونُ العاديةُ الرِّجَالَ يَعْدونَ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُ خَيْبَرَ: " فَخَرَجَتْ عادِيَتُهم "أَي الَّذِينَ يَعْدُون عَلَى أَرجُلِهِم.

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: والعَادِيَةُ كالعَدِيِّ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ الخَيْلِ خاصَّة، وَقِيلَ: العَادِيَةُ أَوَّلُ مَا يحمِل مِنَ الرجَّالةِ دُونَ الفُرْسان؛ قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ:

وعَادِيَة تُلْقِي الثِّيابَ كأَنما ***تُزَعْزِعُها، تحتَ السَّمامةِ، رِيحُ

وَيُقَالُ: رأَيْتُ عَدِيَّ الْقَوْمِ مُقْبِلًا أَي مَن حَمَل مِنَ الرَّجَّالة دُونَ الفُرْسان.

وَقَالَ أَبو عُبَيْدٍ: العَدِيُّ جَمَاعَةُ القَوْم، بلُغةِ هُذَيل.

وَقَوْلُهُ تعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}، وَقُرِئَ: عُدُوًّا "مِثْلُ جُلُوس؛ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: نُهُوا قَبْلَ أَن أَذِن لَهُمْ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ أَن يَلْعَنُوا الأَصْنامَ الَّتِي عَبَدوها، وَقَوْلُهُ: فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ أَي فَيَسُبُّوا اللَّهَ عُدْوَانًا وظُلْمًا، وعَدْوًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ وَعَلَى إِرَادَةِ اللَّامِ، لأَن الْمَعْنَى فيَعْدُون عَدْوًا أَي يظْلِمون ظُلْمًا، وَيَكُونُ مَفْعولًا لَهُ أَي فيسُبُّوا اللَّهَ لِلظُّلْمِ، وَمَنْ قرأَ فيَسُبُّوا اللَّهَ عُدُوًّا فَهُوَ بِمَعْنَى عَدْوًا أَيضًا.

يُقَالُ فِي الظُّلْم: قَدْ عَدَا فُلَانٌ عَدْوًا وعُدُوًّا وعُدْوَانًا وعَدَاءً أَي ظَلَمَ ظُلْمًا جَاوَزَ فِيهِ القَدْر، وَقُرِئَ: " فيَسُبُّوا اللَّهَ عَدُوًّا "، بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَهُوَ هَاهُنَا فِي مَعْنَى جَمَاعَةٍ، كأَنه قَالَ فيسُبُّوا اللَّهَ أَعداء، وعَدُوًّا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ فِي هَذَا الْقَوْلِ؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تعالى: {وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِ}؛ عَدُوًّا فِي مَعْنَى أَعداءً، الْمَعْنَى كَمَا جَعَلْنَا لَكَ ولأُمتك شياطينَ الإِنس وَالْجِنِّ أَعداء، كَذَلِكَ جَعَلْنَا لِمَنْ تَقَدَّمك مِنَ الأَنبياء وأُممهم، وعَدُوًّا هَاهُنَا مَنْصُوبٌ لأَنه مَفْعُولٌ بِهِ، وشياطينَالإِنس مَنْصُوبٌ عَلَى الْبَدَلِ، وَيَجُوزُ أَن يَكُونَ عَدُوًّا مَنْصُوبًا عَلَى أَنه مَفْعُولٌ ثَانٍ وَشَيَاطِينَ الإِنس الْمَفْعُولُ الأَول.

والعَادِي: الظَّالِمُ، يُقَالُ: لَا أَشْمَتَ اللهُ بِكَ عادِيَكَ أَي عَدُوَّك الظَّالِمَ لَكَ.

قَالَ أَبو بَكْرٍ: قولُ العَرَب فلانٌ عَدُوُّ فلانٍ مَعْنَاهُ فُلَانٌ يَعْدُو عَلَى فُلَانٍ بالمَكْروه ويَظْلِمُه.

وَيُقَالُ: فُلَانٌ عَدُوُّك وَهُمْ عَدُوُّك وَهُمَا عَدُوُّك وفلانةُ عَدُوَّةُ فُلَانٍ وعَدُوُّ فُلَانٍ، فَمَنْ قَالَ فُلَانَةُ عدُوَّة فلانٍ قَالَ: هُوَ خبَر المُؤَنَّث، فعلامةُ التأْنيثِ لازمةٌ لَهُ، وَمَنْ قَالَ فُلَانَةُ عدوُّ فُلَانٍ قَالَ ذكَّرت عَدُوًّا لأَنه بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِمُ امرأَةٌ ظَلُومٌ وغَضوبٌ وصَبور؛ قَالَ الأَزهري: هَذَا إِذا جَعَلْت ذَلِكَ كُلَّه فِي مذهبِ الِاسْمِ والمَصْدرِ، فإِذا جَعَلْتَه نَعْتًا مَحْضًا قُلْتَ هُوَ عَدُوُّكَ وَهِيَ عدُوَّتُك وَهُمْ أَعداؤك وهُنَّ عَدُوَّاتُك.

وَقَوْلُهُ تعالى: {فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ}؛ أَي فَلَا سَبيل، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: فَلا عُدْوانَ عَلَيَ؛ أَي فَلَا سَبِيلَ عليَّ.

وَقَوْلُهُمْ: عَدَا عَلَيْهِ فَضَربه بِسَيْفِهِ، لَا يُرادُ بِهِ عَدْوٌ عَلَى الرِّجْلين وَلَكِنْ مِنَ الظُّلْم.

وعَدَا عَدْوًا: ظَلَمَ وَجَارَ.

وَفِي حَدِيثِ قتادَةَ بنِ النُّعْمان: « أَنه عُدِيَ عَلَيْهِ»؛ أي سُرِقَ مالُه وظُلِمَ.

وَفِي الْحَدِيثِ: « مَا ذِئبْان عَادِيانِ أَصابا فَرِيقَةَ غَنَمٍ »؛ العَادِي: الظَّالِمُ، وأَصله مِنْ تجاوُزِ الحَدِّ فِي الشَّيْءِ.

وَفِي الْحَدِيثِ: « مَا يَقْتُلُه المُحْرِمُ كَذَا وَكَذَا والسَّبُعُ العادِي» أَي الظَّالِمُ الَّذِي يَفْتَرِسُ الناسَ.

وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: « لَا قَطْعَ عَلَى عادِي ظَهْرٍ».

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: « أُتيَ برَجُل قَدِ اخْتَلَس طَوْقًا فَلَمْ يَرَ قَطْعَه وَقَالَ: تِلك عادِيَةُ الظَّهْرِ »؛ العَادِية: مِنْ عَدَا يَعْدُو عَلَى الشَّيْءِ إِذا اخْتَلَسه، والظَّهْرُ: مَا ظَهَرَ مِنَ الأَشْياء، وَلَمْ يرَ فِي الطَّوْق قَطعًا لأَنه ظاهِرٌ عَلَى المَرْأَة والصَّبيّ.

وَقَوْلُهُ تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ}؛ قَالَ يَعْقُوبُ: هُوَ فاعِلٌ مِنْ عَدَا يَعْدُو إِذَا ظَلَم وجارَ.

قَالَ: وَقَالَ الْحَسَنُ أَي غيرَ باغٍ وَلَا عائِدٍ فَقَلَبَ، والاعْتداءُ والتَّعَدِّي والعُدْوان: الظُّلْم.

وَقَوْلُهُ تعالى: {وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ}؛ يَقُولُ: لَا تَعاوَنوا عَلَى المَعْصية والظُّلْم.

وعَدَا عَلَيْهِ عَدْوًا وعَدَاءً وعُدُوًّا وعُدْوانًا وعِدْوانًا وعُدْوَى وتَعَدَّى واعْتَدَى، كُلُّه: ظَلَمه.

وعَدَا بنُو فُلَانٍ عَلَى بَنِي فُلَانٍ أَي ظَلَمُوهم.

وَفِي الْحَدِيثِ: « كَتَبَ ليَهُود تَيْماءَ أَن لَهُم الذمَّةَ وَعَلَيْهِمِ الجِزْيَةَ بِلَا عَداء »؛ العَداءُ، بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ: الظُّلْم وتَجاوُز الْحَدِّ.

وَقَوْلُهُ تعالى: {وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا}؛ قِيلَ: مَعْنَاهُ لَا تقاتِلُوا غَيْرَ مَن أُمِرْتُم بقِتالِه وَلَا تَقتلوا غَيْرَهُمْ، وَقِيلَ: وَلَا تَعْتَدوا أَي لَا تُجاوزوا إِلى قَتْل النِّساءِ والأَطفال.

وعَدَا الأَمرَ يَعْدُوه وتَعَدَّاه، كِلَاهُمَا: تَجاوَزَة.

وعَدَا طَوْرَه وقَدْرَهُ: جاوَزَهُ عَلَى المَثَل.

وَيُقَالُ: مَا يَعْدُو فلانٌ أَمْرَك أَي مَا يُجاوِزه.

والتَّعَدِّي: مُجاوَزَةُ الشَّيْءِ إِلى غَيْرِه، يُقَالُ: عَدَّيْتُه فتَعَدَّى أَي تَجاوزَ.

وقوله: فَلا تَعْتَدُوها" أَي لَا تَجاوَزُوها إِلى غَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ قوله: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ "؛ أَي يُجاوِزْها.

وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ}؛ أَي المُجاوِزُون مَا حُدَّ لَهُمْ وأُمِرُوا بِهِ، وَقَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ}؛ أَي غَيْرَ مُجاوِزٍ لِمَا يُبَلِّغه ويُغْنِيه مِنَ الضَّرُورَةِ، وأَصل هَذَا كُلِّهِ مُجاوَزة الْحَدِّ والقَدْر والحَقّ.

يُقَالُ: تَعَدَّيْت الحَقَّ واعْتَدَيْته وعَدَوْته أَي جاوَزْته.

وَقَدْ قَالَتِ الْعَرَبُ: اعْتَدَى فلانٌ عَنِ الْحَقِّ واعْتَدَى فوقَ الحقِّ، كأَن مَعْنَاهُ" جَازَ عَنِ الْحَقِّ إِلى الظُّلْمِ.

وعَدَّى عَنِ الأَمر: جَازَهُ إِلى غَيْرِه وتَرَكه.

وَفِي الْحَدِيثِ: « المُعْتَدِي فِي الصَّدَقَةِ كمانِعِها، وَفِي رِوَايَةٍ: فِي الزَّكاة »؛ هُو أَن يُعْطِيَها غَيْرَ مُسْتَحِقِّها، وَقِيلَ: أَرادَ أَنَّ الساعِيَ إِذا أَخذَ خِيارَ الْمَالِ رُبَّما منعَه فِي السَّنة الأُخرى فَيَكُونُ السَّاعِي سبَبَ ذَلِكَ فَهُمَا فِي الإِثم سَوَاءٌ.

وَفِي الْحَدِيثِ: « سَيكُون قومٌ يَعْتَدُون فِي الدُّعاءِ »؛ هُوَ الخُروج فِيهِ عنِ الوَضْعِ الشَّرْعِيِّ والسُّنَّة المأْثورة.

وَقَوْلُهُ تعالى: {فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ}؛ سَمَّاه اعْتِداء لأَنه مُجازاةُ اعْتِداءٍ فسُمِّي بمثْل اسْمِهِ، لأَن صُورَةَ الفِعْلين واحدةٌ، وإِن كَانَ أَحدُهما طَاعَةً وَالْآخَرُ مَعْصِيَةً؛ وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ظَلَمني فُلَانٌ فظلَمته أَي جازَيْتُه بظُلْمِه لَا وَجْه للظُّلْمِ أَكثرُ مِنْ هَذَا، والأَوَّلُ ظُلْم وَالثَّانِي جزاءٌ لَيْسَ بِظُلْمٍ، وَإِنْ وَافَقَ اللفظُ اللفظَ مِثْلُ قَوْلِهِ: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها؛ السَّيِّئَةُ الأُولى سَيِّئَةٌ، وَالثَّانِيَةُ مُجازاة وَإِنْ سُمِّيَتْ سَيِّئَةً، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ.

يُقَالُ: أَثِمَ الرجلُ يَأْثَمُ إِثْمًا وأَثَمه اللهُ عَلَى إِثمه أَي جَازَاهُ عَلَيْهِ يَأْثِمُه أَثامًا.

قَالَ اللَّهُ تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثامًا}؛ أَي جَزَاءً لإِثْمِه.

وَقَوْلُهُ: إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ؛ المُعْتَدون: المُجاوِزون مَا أُمرُوا بِهِ.

والعَدْوَى: الْفَسَادُ، والفعلُ كَالْفِعْلِ.

وعَدا عَلَيْهِ اللِّصُّ عَداءً وعُدْوَانًا وعَدَوانًا: سَرَقَه؛ عَنْ أَبي زَيْدٍ.

وذئبٌ عَدَوانٌ: عادٍ.

وذِئْبٌ عَدَوانٌ: يَعْدُو عَلَى الناسِ؛ وَمِنْهُ الْحَدِيثِ: « السلطانُ ذُو عَدَوانٍ وَذُو بَدَوانٍ »؛ قَالَ ابْنُ الأَثير: أَي سريعُ الانصِرافِ والمَلالِ، مِنْ قَوْلِكَ: مَا عَداك أَي مَا صَرَفَك.

ورجلٌ مَعْدُوٌّ عَلَيْهِ ومَعْدِيٌّ عَلَيْهِ، عَلَى قَلْب الواوِ يَاءً طَلَب الخِّفَّةِ؛ حَكَاهَا سِيبَوَيْهِ؛ وأَنشد لِعَبْدِ يَغُوث بْنِ وَقَّاص الحارثِي:

وَقَدْ عَلِمَتْ عِرْسِي مُلَيْكَة أَنَّني ***أَنا اللَّيْثُ، مَعْدِيًّا عَلَيْهِ وعادِيا

أُبْدِلَت الياءُ مِنَ الْوَاوِ اسْتِثْقالًا.

وَعَدَا عَلَيْهِ: وَثَب؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي؛ وأَنشد لأَبي عارِمٍ الْكِلَابِيِّ:

لَقَدْ عَلمَ الذئْب الَّذِي كَانَ عادِيًا، ***عَلَى النَّاسِ، أَني مائِرُ السِّهم نازِعُ

وَقَدْ يَكُونُ العَادِي هُنَا مِنَ الْفَسَادِ والظُّلم.

وعَدَاهُ عَنِ الأَمْرِ عَدْوًا وعُدْوانًا وعَدّاه، كِلَاهُمَا: صَرَفَه وشَغَله.

والعَدَاءُ والعُدَواءُ والعَادِيَة، كلُّه: الشُّغْلُ يَعْدُوك عَنِ الشَّيْءِ.

قَالَ مُحارب: العُدَواءُ عادةُ الشُّغْل، وعُدَوَاءُ الشُّغْلِ موانِعُه.

وَيُقَالُ: جِئْتَني وأَنا فِي عُدَوَاءَ عنكَ أَي فِي شُغْلٍ؛ قَالَ اللَّيْثُ: العَادِيَةُ شُغْلٌ مِنْ أَشْغال الدَّهْرِ يَعْدُوك عَنْ أُمورك أَي يَشْغَلُك، وَجَمْعُهَا عَوَادٍ، وَقَدْ عَدَانِي عَنْكَ أَمرٌ فَهُوَ يَعْدُوني أَي صَرَفَني؛ وَقَوْلُ زُهَيْرٍ: " وعَادَكَ أَن تُلاقِيها العَدَاء "قَالُوا: مَعْنَى عادَكَ عَداكَ فقَلبَه، وَيُقَالُ: مَعْنَى قَوْلِهِ عادَكَ عادَ لَكَ وعاوَدَك؛ وَقَوْلُهُ أَنشده ابْنُ الأَعرابِي:

عَدَاكَ عَنْ رَيَّا وأُمِّ وهْبِ، ***عَادِي العَوَادِي واختلافُ الشَّعْبِ

فَسَّرَهُ فَقَالَ: عَادِي العَوَادِي أَشدُّها أَي أَشدُّ الأَشغالِ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ زيدٌ رجُلُ الرجالِ أَي أَشدُّ الرجالِ.

والعُدَوَاءُ: إِناخةٌ قَلِيلَةٌ.

وتَعَادَى المكانُ: تَفاوَتَ وَلَمْ يَسْتوِ.

وجَلَس عَلَى عُدَوَاءَ أَي عَلَى غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ.

ومَرْكَبٌ ذُو عُدَوَاءَ أَي لَيْسَ بمُطْمَئِنٍّ؛ قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُصَنَّفِ جئتُ عَلَى مركبٍ ذِي عُدَواءٍ مَصْرُوفٌ، وَهُوَ خطأٌ مِنْ أَبي عُبَيد إِن كَانَ قَائِلَهُ، لأَنَّ فُعَلاء بناءٌ لَا يَنْصَرِفُ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ.

والتَّعَادِي: أَمكنةٌ غَيْرُ مستويةٍ.

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَبِنَاءِ الْكَعْبَةِ: « وَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ جَراثِيمُ وتَعَادٍ »أَي أَمكنة مُخْتَلِفَةٌ غَيْرُ مُستوية؛ وأَما قَوْلُ الشَّاعِرِ: " مِنْهَا عَلَى عُدَواء الدَّارِ تَسقِيمُ "قَالَ الأَصمعي: عُدَواؤه صَرْفُه وَاخْتِلَافُهُ، وَقَالَ الْمُؤَرِّجُ: عُدَوَاء عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ، وَإِذَا نَامَ الإِنسانُ عَلَى مَوْضِعٍ غَيْرِ مُسْتو فيهِ ارْتفاعٌ وانْخفاضٌ قَالَ: نِمْتُ عَلَى عُدَواءَ.

وَقَالَ النَّضْرُ: العُدَوَاءُ مِنَ الأَرض الْمَكَانُ المُشْرِف يَبْرُكُ عَلَيْهِ البعيرُ فيَضْطَجعُ عَلَيْهِ، وَإِلَى جَنْبِهِ مكانٌ مطمئنٌ فَيَمِيلُ فِيهِ الْبَعِيرُ فيتَوهَّنُ، فالمُشْرِف العُدَواءُ، وتَوَهُّنه أَن يَمُدَّ جسمَه إِلَى الْمَكَانِ الوَطِيء فَتَبْقَى قَوَائِمُهُ عَلَى المُشْرِف وَلَا يَسْتَطيع أَن يقومَ حَتَّى يَمُوتَ، فتَوَهُّنه اضطجاعُه.

أَبو عَمْرٍو: العُدَوَاءُ الْمَكَانُ الَّذِي بَعْضُهُ مُرْتَفِعٌ وَبَعْضُهُ مُتطأْطِئٌ، وَهُوَ المُتَعَادِي.

ومكانٌ مُتَعَادٍ: بعضُه مُرْتَفِعٌ وبعضُه مُتطامِن لَيْسَ بمُسْتوٍ.

وأَرضٌ مُتَعَادِيَةٌ: ذاتُ جِحَرة ولَخاقِيق.

والعُدَوَاءُ، عَلَى وَزْن الغُلَواءِ: الْمَكَانُ الَّذِي لَا يَطْمَئِنُّ مَن قَعَد عَلَيْهِ.

وَقَدْ عادَيْتُ القِدْر: وَذَلِكَ إِذَا طامَنْتَ إِحْدَى الأَثافيِّ ورَفَعْت الأُخْرَيَيْن لِتَمِيلَ القِدْر عَلَى النَّارِ.

وتَعَادَى مَا بَيْنَهُمْ: تَباعَدَ؛ قَالَ الأَعشى يَصِفُ ظَبْيَة وغَزالها:

وتَعَادَى عَنْهُ النهارَ، فمَا تَعْجُوه ***إِلَّا عُفافةٌ أَو فُواقُ

يَقُولُ: تباعَدُ عَنْ وَلَدها فِي المَرعى لِئَلَّا يَسْتَدِلَّ الذِّئبُ بِهَا عَلَى ولدِها.

والعُدَوَاءُ: بُعْدُ الدَّارِ.

والعَدَاءُ: البُعْد، وَكَذَلِكَ العُدَواءُ.

وقومٌ عِدًى: متَباعدون، وَقِيلَ: غُرباءُ، مقصورٌ يُكْتَبُ بِالْيَاءِ، والمَعْنيان مُتقارِبانِ، وهُم الأَعْدَاءُ أَيضا لأَن الغَريبَ بَعِيدٌ؛ قَالَ الشَّاعِرُ:

إِذَا كنتَ فِي قَوْمٍ عِدًى لستَ مِنْهُمُ، ***فكُلْ مَا عُلِفْتَ مِنْ خَبِيثٍ وطَيِّب

قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هَذَا البيتُ يُروى لِزُرارة بنِ سُبَيعٍ الأَسَدي، وَقِيلَ: هُوَ لنَضْلة بنِ خالدٍ الأَسَدِي، وَقَالَ ابْنُ السِّيرَافِيِّ: هُوَ لدُودانَ بنِ سَعْدٍ الأَسَدِي، قَالَ: وَلَمْ يأَتِ فِعَلٌ صفَةً إِلَّا قَوْمٌ عِدًى، ومكانٌ سِوًى، وماءٌ رِوًى، وماءٌ صِرًى، ومَلامةٌ ثِنًى، ووادٍ طِوًى، وَقَدْ جَاءَ الضمُّ فِي سُوًى وثُنًى وطُوًى، قَالَ: وَجَاءَ عَلَى فِعَل مِنْ غَيْرِ المعتلِّ لحمٌ زِيَمٌ وسَبْيٌ طِيَبَة؛ قَالَ عَلِيُّ بنُ حَمْزَةَ: قومٌ عِدًى أَي غُربَاءُ، بِالْكَسْرِ، لَا غيرُ، فَأَمَّا فِي الأَعداءِ فَيُقَالُ عِدًى وعُدًى وعُداةٌ.

وَفِي حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ مسلَمة لَمَّا عَزَله عُمر، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ حِمْصَ قَالَ: « رَحِمَ اللَّهُ عُمَرَ يَنزِعُ قَوْمَه ويَبْعثُ القَوْمَ العِدَى »؛ العِدَى، بِالْكَسْرِ: الغُرَباءَ، أَرَادَ أَنَّهُ يَعْزِلُ قَوْمه مِنَ الْوِلَايَاتِ ويوَلّي الغُربَاء والأَجانِبَ؛ قَالَ: وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْرِ العِدَى بِمَعْنَى الأَعْداءِ؛ قَالَ بِشْرُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ" مَالِكٍ الأَنصاري:

فأَمَتْنا العُدَاةَ مِنْ كلِّ حَيٍّ ***فاسْتَوَى الرَّكْضُ حِينَ ماتَ العِدَاءُ

قَالَ: وَهَذَا يَتَوَجَّهُ عَلَى أَنه جَمْعُ عادٍ، أَو يَكُونُ مَدَّ عِدًى ضَرُورَةً؛ وَقَالَ ابْنُ الأَعرابي فِي قَوْلِ الأَخطل:

أَلا يَا اسْلَمِي يَا هِنْدُ، هِنْدَ بَني بَدْرِ، ***وإنْ كَانَ حَيَّانا عِدًى آخِرَ الدهْرِ

قَالَ: العِدَى التَّباعُد.

وقَوْمٌ عِدًى إِذَا كَانُوا مُتَباعِدِين لَا أَرحامَ بَيْنَهُمْ وَلَا حِلْفَ.

وقومٌ عِدًى إِذَا كَانُوا حَرْبًا، وَقَدْ رُوِي هَذَا البيتُ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ، مِثْلُ سِوًى وسُوًى.

الأَصمعي: يُقَالُ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ عِدًى، مَقْصُورٌ، يَكُونُ للأَعداء وللغُرَباء، وَلَا يُقَالُ قَوْمٌ عُدًى إِلَّا أَن تُدْخِلَ الْهَاءَ فَتَقُولَ عُداة فِي وَزْنِ قُضَاةٍ، قَالَ أَبو زَيْدٍ: طالتْ عُدَواؤهُمْ أَي تباعُدُهم وتَفَرُّقُهم.

والعَدُوُّ: ضِدُّ الصَّدِيق، يَكُونُ لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْعِ والأُنثى والذكَر بلفظٍ وَاحِدٍ.

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: العَدُوُّ ضِدُّ الوَلِيِّ، وَهُوَ وصْفٌ ولكِنَّه ضَارَعَ الِاسْمَ.

قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: فَعُولٌ إِذَا كَانَ فِي تأْويل فاعلٍ كَانَ مُؤَنَّثُه بِغَيْرِ هَاءٍ نَحْوُ رجلٌ صَبُور وامرأَة صَبور، إِلَّا حَرْفًا وَاحِدًا جاءَ نَادِرًا قَالُوا: هَذِهِ عَدُوَّة لِلَّهِ؛ قَالَ الْفَرَّاءُ: وَإِنَّمَا أَدخلوا فِيهَا الْهَاءَ تَشْبِيهًا بصَديقةٍ لأَن الشيءَ قَدْ يُبْنى عَلَى ضِدِّهِ، وَمِمَّا وضَع بِهِ ابْنُ سِيدَهْ مِنْ أَبي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأَعرابي مَا ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي خُطْبة كِتَابِهِ الْمُحْكَمِ فَقَالَ: وَهَلْ أَدَلُّ عَلَى قِلَّةِ التَّفْصِيلِ وَالْبُعْدِ عَنِ التَّحْصِيلِ مِنْ قولِ أَبي عبدِ اللَّهِ بنِ الأَعرابي فِي كِتَابِهِ النَّوَادِرِ: العَدوّ يَكُونُ لِلذَّكَرِ والأُنثى بِغَيْرِ هَاءٍ، وَالْجَمْعُ أَعداءٌ وأَعادٍ وعُداةٌ وعِدًى وعُدًى، فأَوْهم أَن هَذَا كلَّه لشيءٍ وَاحِدٍ؟ وَإِنَّمَا أَعْدَاءٌ جَمْعُ عَدُوٍّ أَجروه مُجْرى فَعِيل صِفَةً كشَرِيفٍ وأَشْرافٍ ونصِيرٍ وأَنصارٍ، لأَن فَعُولًا وفَعِيلًا متساويانِ فِي العِدَّةِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ، وَكَوْنِ حَرْفِ اللِّينِ ثَالِثًا فِيهِمَا إِلَّا بِحَسْبِ اخْتِلَافِ حَرفَيِ اللِّين، وَذَلِكَ لَا يوجبُ اخْتِلَافًا فِي الْحُكْمِ فِي هَذَا، أَلا تَراهم سَوَّوْا بَيْنَ نَوارٍ وصَبورٍ فِي الْجَمْعِ فَقَالُوا نُوُرٌ وصُبُرٌ، وَقَدْ كَانَ يَجِبُ أَن يكسَّر عَدُوٌّ عَلَى مَا كُسّرَ عَلَيْهِ صَبُورٌ؟ لَكِنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لأَجْحفوا، إِذْ لَوْ كَسَّروه عَلَى فُعُلٍ لَلَزِمَ عُدُوٌ، ثُمَّ لَزِمَ إِسْكَانُ الْوَاوِ كَرَاهِيَةَ الْحَرَكَةِ عَلَيْهَا، فَإِذَا سَكَنَت وَبَعْدَهَا التنوين التقَى ساكنًا فَحُذِفَتِ الْوَاوُ فَقِيلَ عُدٌ، وَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ اسْمٌ آخِرُهُ واوٌ قبلَها ضمَّة، فَإِنْ أَدَّى إِلَى ذَلِكَ قِيَاسٌ رُفِضَ، فَقُلِبَتِ الضَّمَّةُ كَسْرَةً وَلَزِمَ لِذَلِكَ انْقِلَابُ الْوَاوِ يَاءً فَقِيلَ عُدٍ، فتَنَكَّبت الْعَرَبُ ذَلِكَ فِي كُلِّ معتلِّ اللَّامِ عَلَى فَعَوْلٍ أَو فَعِيل أَو فَعال أَو فِعالٍ أَو فُعالٍ عَلَى مَا قَدْ أَحكمته صِنَاعَةُ الإِعرابِ، وأَما أَعادٍ فجمعُ الْجَمْعِ، كَسَّروا عَدُوًّا عَلَى أَعْداءٍ ثُمَّ كَسَّروا أَعْدَاءً عَلَى أَعَادٍ وأَصلُه أَعَادِيّ كأَنْعامٍ وأَناعيم لأَن حرفَ اللِّينِ إِذَا ثبَت رَابِعًا فِي الواحدِ ثبتَ فِي الْجَمْعِ، وَكَانَ يَاءً، إِلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إِلَيْهِ شَاعِرٌ كَقَوْلِهِ أَنشده سِيبَوَيْهِ: " والبَكَراتِ الفُسَّجَ العَطامِسَا "وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا أَعادٍ كَرَاهَةَ الياءَين مَعَ الْكَسْرَةِ كَمَا حَكَى سِيبَوَيْهِ فِي جَمْعِ مِعْطاءٍ مَعاطٍ، قَالَ: وَلَا يَمْتَنِعُ أَن يَجِيءَ عَلَى الأَصل مَعاطِيّ كأَثافيّ، فَكَذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ أَن يُقَالَ أَعَادِيّ، وأَما عُداةٌ فَجَمْعُ عادٍ؛ حَكَى أَبو زَيْدٍ عَنِ الْعَرَبِ: أَشْمَتَ اللهُ عادِيَكَ أَي عَدُوّكَ، وَهَذَا مُطَّرِدٌ فِي بَابِ فاعلٍ مِمَّا لامُهُ حرفُ علَّةٍ، يَعْنِي أَن يُكَسَّر عَلَى فُعلَةٍ كقاضٍوقُضاةٍ ورامٍ ورُماةٍ، وَهُوَ قَوْلُ سِيبَوَيْهِ فِي بَابِ تَكْسِيرِ مَا كَانَ مِنَ الصِّفَةِ عِدَّتُه أَربعةُ أَحرف، وَهَذَا شَبِيهٌ بلفظِ أَكثرِ النَّاسِ فِي توهُّمِهم أَن كُماةً جمعُ كَمِيٍّ، وفعيلٌ لَيْسَ مِمَّا يكسَّر عَلَى فُعَلةٍ، وَإِنَّمَا جمعُ كَمِيٍّ أَكماءٌ؛ حَكَاهُ أَبو زَيْدٍ، فأَما كُماةٌ فَجَمْعُ كامٍ مِنْ قَوْلِهِمْ كَمَى شجاعتَه وشهادَتَه كتَمها، وأَما عِدًى وعُدًى فَاسْمَانِ لِلْجَمْعِ، لأَن فِعَلًا وفُعَلًا لَيْسَا بِصِيغَتَيْ جَمْعٍ إِلَّا لِفعْلَةٍ أَوْ فُعْلة وَرُبَّمَا كَانَتْ لفَعْلة، وَذَلِكَ قَلِيلٌ كهَضْبة وهِضَب وبَدْرة وبِدر، والله أَعلم.

والعَدَاوَة: اسمٌ عامٌّ مِنَ العَدُوِّ، يُقَالُ: عَدُوٌّ بَيِّنُ العَدَاوَة، وفلانٌ يُعَادِي بَنِي فُلَانٍ.

قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً}؛ وَفِي التَّنْزِيلِ الْعَزِيزِ: {فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي}؛ قَالَ سِيبَوَيْهِ: عَدُوٌّ وصْفٌ وَلَكِنَّهُ ضارَع الِاسْمَ، وَقَدْ يُثنَّى ويُجمع ويُؤَنَّث، وَالْجَمْعُ أَعْدَاءٌ، قَالَ سِيبَوَيْهِ: وَلَمْ يكسَّر عَلَى فُعُلٍ، وَإِنْ كَانَ كصَبُورٍ، كَرَاهِيَةَ الإِخْلالِ والاعْتلال، وَلَمْ يكسَّر عَلَى فِعْلانٍ كَرَاهِيَةَ الْكَسْرَةِ قَبْلَ الْوَاوِ لأَنَّ السَّاكِنَ لَيْسَ بِحَاجِزٍ حصِين، والأَعَادِي جَمْعُ الْجَمْعِ.

والعِدَى والعُدَى: اسْمَانِ لِلْجَمْعِ.

قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: العِدَى، بِكَسْرِ الْعَيْنِ، الأَعْدَاءُ، وَهُوَ جمعٌ لَا نَظِيرَ لَهُ، وَقَالُوا فِي جَمْعِ عَدُوَّة عَدَايَا لَمْ يُسْمَعْ إِلَّا فِي الشِّعْرِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ؛ قِيلَ: مَعْنَاهُ هُمُ العَدُوُّ الأَدْنَى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ هُمُ العَدُوُّ الأَشدّ لأَنهم كانوا أَعْداء النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم ويُظهرون أَنهم مَعَهُ.

والعَادِي: العَدُوُّ، وجَمْعُه عُداةٌ؛ قَالَتِ امرأَة مِنَ الْعَرَبِ: " أَشْمَتَ ربُّ العالَمين عادِيَكْ "وَقَالَ الْخَلِيلُ فِي جَمَاعَةِ العَدُوِّ عُدًى وعِدًى، قَالَ: وَكَانَ حَدُّ الْوَاحِدِ عَدُو، بِسُكُونِ الْوَاوِ، فَفَخَّمُوا آخِرَهُ بِوَاوٍ وَقَالُوا عَدُوٌّ، لأَنهم لَمْ يَجِدُوا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اسْمًا فِي آخِرِهِ وَاوٌ سَاكِنَةٌ، قَالَ: وَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ قومٌ عِدًى، وَحَكَى أَبو الْعَبَّاسِ: قومٌ عُدًى، بِضَمِّ الْعَيْنِ، إِلَّا أَنه قَالَ: الاخْتِيار إِذَا كَسَرْتَ الْعَيْنَ أَنْ لَا تأْتيَ بِالْهَاءِ، والاختيارُ إِذَا ضَمَمْتَ العينَ أَن تأْتيَ بِالْهَاءِ؛ وأَنشد:

مَعاذةَ وجْه اللهِ أَن أُشْمِتَ العِدَى ***بلَيلى، وَإِنْ لَمْ تَجْزني مَا أَدِينُها

وَقَدْ عَادَاه مُعَادَاةً وعِداءً، والاسمُ العَدَاوَة، وَهُوَ الأَشدُّ عَادِيًا.

قَالَ أَبو الْعَبَّاسِ: العُدَى جَمْعُ عَدُوّ، والرُّؤَى جَمْعُ رؤيَةٍ، والذُّرَى جَمْعُ ذِرْوَة؛ وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِنَّمَا هُوَ مِثْلُ قُضاة وغُزاة ودُعاة فَحَذَفُوا الْهَاءَ فَصَارَتْ عُدًى، وَهُوَ جَمْعُ عادٍ.

وتَعَادَى القومُ: عَادَى بعضُهم بَعْضًا.

وقومٌ عِدًى: يُكْتَبُ بِالْيَاءِ وَإِنْ كَانَ أَصله الواوَ لِمَكَانِ الْكَسْرَةِ الَّتِي فِي أَوَّله، وعُدًى مِثْلُهُ، وَقِيلَ: العُدَى الأَعْداءُ، والعِدَى الأَعْداءُ الَّذِينَ لَا قَرابة بَيْنَكَ وبينَهُم، قَالَ: وَالْقَوْلُ هُوَ الأَوّل.

وقولُهم: أَعْدَى مِنَ الذئبِ، قَالَ ثَعْلَبٌ: يَكُونُ مِنَ العَدْوِ وَيَكُونُ مِنَ العَداوَة، وكونُه مِنَ العَدْوِ أَكثر، وأُراه إِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى أَنه لَا يُقَالُ أَفْعَل مِنْ فاعَلْت، فَلِذَلِكَ جَازَ أَن يَكُونَ مِنْ العَدْوِ لَا مِنَ العَداوَة.

وتَعَادَى مَا بينَهم: اخْتَلف.

وعَدِيتُ لَهُ: أَبْغَضْتُه؛ عَنِ ابْنِ الأَعرابي.

ابْنُ شُمَيْلٍ: رَدَدْت عَنِّي عادِيَةَ فُلَانٍ أَي حِدَّته وغَضبه.

وَيُقَالُ: كُفَّ عَنَّا عادِيَتَك أَي ظُلْمك وَشَرَّكَ، وَهَذَا مَصْدَرٌ جَاءَ عَلَى فَاعِلَةٍ كالراغِية وَالثَّاغِيَةِ.

يُقَالُ: سَمِعْتُ راغِيَةَ الْبَعِيرِ وَثَاغِيَةَ الشَّاةِ أَي رُغاء الْبَعِيرِ وثُغاء الشَّاةِ، وَكَذَلِكَ عَادِيَةُ الرَّجُلِ عَدْوُه عَلَيْكَ بِالْمَكْرُوهِ.

والعُدَوَاء: أَرض يَابِسَةٌ صُلْبة ورُبَّما جَاءَتْ فِي الْبِئْرِ إِذَا حُفِرَتْ، قَالَ: وَقَدْ تَكُون حَجَرًا يُحادُ عَنْهُ فِي الحَفْرِ؛ قَالَ الْعَجَّاجُ يَصِفُ ثَوْرًا يَحْفِرُ كِنَاسًا:

وإنْ أَصابَ عُدَوَاءَ احْرَوْرَفا ***عَنْها، وَوَلّاها الظُّلُوفَ الظُّلَّفا

أَكَّد بالظُّلَّفِ كَمَا يُقَالُ نِعافٌ نُعَّف وبِطاحٌ بُطَّحٌ وكأَنه جَمَعَ ظِلْفًا ظَالِفًا، وَهَذَا الرَّجَزُ أَورده الْجَوْهَرِيُّ شَاهِدًا عَلَى عُدَوَاءِ الشُّغْلِ موانِعِه؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: هُوَ لِلْعَجَّاجِ وَهُوَ شَاهِدٌ عَلَى العُدَوَاء الأَرضِ ذَاتِ الْحِجَارَةِ لَا عَلَى العُدَواء الشُّغْلِ، وَفَسَّرَهُ ابْنُ بَرِّيٍّ أَيضًا قَالَ: ظُلَّف جَمْعُ ظالِف أَي ظُلُوفُهُ تَمْنَعُ الأَذى عَنْهُ؛ قَالَ الأَزهري: وَهَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ أَرض ذاتُ عُدَوَاءَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مُسْتَقِيمَةً وَطِيئةً وَكَانَتْ مُتَعادِيةً.

ابْنُ الأَعرابي: العُدَوَاءُ الْمَكَانُ الغَلِيظ الخَشِن.

وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: زَعَمَ أَبو عَمْرٍو أَن العِدَى الْحِجَارَةُ والصُّخور؛ وأَنشد قَوْلَ كُثَيِّر:

وحالَ السَّفَى بَيني وبَينَك والعِدَى، ***ورهْنُ السَّفَى غَمْرُ النَّقيبة ماجِدُ

أَراد بالسَّفَى ترابَ الْقَبْرِ، وبالعِدَى مَا يُطْبَق عَلَى اللَّحد مِنَ الصَّفائح.

وأَعْدَاءُ الْوَادِي وأَعْناؤه: جَوَانِبُهُ؛ قَالَ عَمْرُو بْنُ بَدْرٍ الهُذَلي فمدَّ العِدَى، وَهِيَ الْحِجَارَةُ وَالصُّخُورُ:

أَو اسْتَمَرّ لمَسْكَنٍ، أَثْوَى بِهِ ***بِقَرارِ ملْحَدةِ العِدَاءِ شَطُونِ

وَقَالَ أَبو عَمْرٍو: العِدَاءُ، ممدودٌ، مَا عادَيْت عَلَى المَيّت حينَ تَدْفِنُه مِنْ لَبِنٍ أَو حِجَارَةٍ أَوْ خَشَبٍ أَو مَا أَشبَهه، الْوَاحِدَةُ عِداءة.

وَيُقَالُ أَيضًا: العِدَى والعِداءُ حَجَرٌ رَقِيقٌ يُسْتَرُ بِهِ الشَّيْءُ، وَيُقَالُ لكلِّ حَجَرٍ يُوضَعُ عَلَى شَيْءٍ يَسْتُره فَهُوَ عِدَاءٌ؛ قَالَ أُسامة الْهُذَلِيِّ:

تَاللَّهِ مَا حُبِّي عَلِيًّا بشَوى ***قَدْ ظَعَنَ الحَيُّ وأَمْسى قدْ ثَوى،

مُغادَرًا تحتَ العِدَاء والثَّرَى "مَعْنَاهُ: مَا حُبِّي عَلِيًّا بخَطَإٍ.

ابْنُ الأَعرابي: الأَعْدَاء حِجارَة المَقابر، قَالَ: والأَدْعاء آلَامُ النَّارِ وَيُقَالُ: جئْتُك عَلَى فَرَسٍ ذِي عُدَوَاء، غَيْرِ مُجْرًى إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَا طُمَأْنينة وسُهولة.

وعُدَوَاءُ الشَّوْق: مَا بَرَّح بِصَاحِبِهِ.

والمُتَعَدِّي مِنَ الأَفعال: مَا يُجاوزُ صاحبَه إِلَى غَيْرِهِ.

والتَّعَدِّي فِي القافِية: حَرَكة الْهَاءِ الَّتِي لِلْمُضْمَرِ الْمُذَكَّرِ السَّاكِنَةُ فِي الْوَقْفِ؛ والمُتَعَدِّي الواوُ الَّتِي تلحقُه مِنْ بَعْدِهَا كَقَوْلِهِ: " تَنْفُشُ مِنْهُ الخَيْل ما لا يَغْزِلُهُو "فحَركة الْهَاءِ هِيَ التَّعَدِّي وَالْوَاوُ بَعْدَهَا هِيَ المُتَعَدِّي؛ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " وامْتَدَّ عُرْشا عُنْقِهِ للمُقْتَهِي حَرَكَةُ الْهَاءِ هِيَ التَّعَدِّي وَالْيَاءُ بَعْدَهَا هِيَ المُتَعَدِّي، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ هَاتَانِ الْحَرَكَتَانِ تَعَدِّيًا، وَالْيَاءُ والواوُ بَعْدَهُمَا مُتَعَدِّيًا لأَنه تَجاوزٌ للحَدّ وخروجٌ عَنِ الواجبِ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْوَزْنِ لأَنّ الوزنَ قَدْ تَناهى قبلَه، جَعَلُوا ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَيْتِ بِمَنْزِلَةِ الخَزْمِ فِي أَوَّله.

وعَدَّاه إِلَيْهِ: أَجازَه وأَنْفَذَه.

وَرَأَيْتُهُمْ عَدَا أَخاك وَمَا عَدَا أَخاكَ أَي مَا خَلا، وَقَدْ يُخْفَض بِهَا دُونَ مَا، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: وعَدَا فِعْلٌ يُسْتَثْنى بِهِ مَعَ مَا وَبِغَيْرِ مَا، تقولُ جاءَني القومُ مَا عَدَا زيدًا، وجاؤوني عَدَا زَيْدًا، تنصبُ مَا بَعْدَهَا بِهَا والفاعلُ مُضْمَر فِيهَا.

قَالَ الأَزهري: مِنْ حُرُوفِ الِاسْتِثْنَاءِ قَوْلُهُمْ مَا رأَيت أَحدًا مَا عَدَا زيدًا كقولك مَا خَلَا زَيْدًا، وتَنْصب زَيْدًا فِي هذَيْن، فَإِذَا أَخرجتَ مَا خَفَضتَ ونَصَبت فقلتَ مَا رأيتُ أَحدًا عدَا زَيْدًا وعَدَا زيدٍ وَخَلَا زَيْدًا وخَلا زيدٍ، النَّصْبُ بِمَعْنَى إلَّا والخفضُ بِمَعْنَى سِوى.

وعَدِّ عَنَّا حاجَتَك أَي اطْلُبْها عندَ غيرِنا فإِنَّا لَا نَقْدِرُ لَكَ عَلَيْهَا، هَذِهِ عَنِ ابْنِ الأَعرابي.

وَيُقَالُ: تَعَدَّ مَا أَنت فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ أَي تجاوَزْه.

وعَدِّ عَمَّا أَنت فِيهِ أَي اصْرِفْ هَمَّك وقولَك إِلَى غَيْرِهِ.

وعَدَّيْتُ عَنِّي الهمَّ أَي نحَّيته.

وَتَقُولُ لِمَنْ قَصَدَك: عدِّ عنِّي إِلَى غَيْرِي: وَيُقَالُ: عادِ رِجْلَك عَنِ الأَرض أَي جافِها، وَمَا عَدَا فلانٌ أَن صَنعَ كَذَا، وَمَا لِي عَنْ فلانٍ مَعْدىً أَي لَا تَجاوُزَ لِي إِلَى غَيْرِهِ وَلَا قُصُور دُونَهُ.

وعَدَوْته عَنِ الأَمر: صرَفْته عَنْهُ.

وعدِّ عَمَّا تَرَى أَي اصْرِفْ بصَرَك عَنْهُ.

وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: « أَنه أُتيَ بسَطِيحَتَيْنِ فِيهِمَا نبيذٌ فشَرِبَ مِنْ إِحْدَاهُمَا وعَدَّى عَنِ الأُخرى »أَي تَرَكها لِمَا رَابَهُ مِنْهَا.

يُقَالُ: عدِّ عَنْ هَذَا الأَمرِ أَي تجاوَزْه إِلَى غَيْرِهِ؛ وَمِنْهُ حَدِيثُهُ الآخرُ: أَنه أُهْدِيَ لَهُ لَبَنٌ بِمَكَّةَ فعدَّاه أَي صَرَفَهُ عَنْهُ.

والإِعْدَاءُ: إعْداءُ الحرب.

وأَعْدَاه الداءُ يُعْدِيه إعْدَاءً: جاوزَ غَيْرَهُ إِلَيْهِ، وَقِيلَ: هُوَ أَن يصيبَه مثلُ مَا بصاحبِ الداءِ.

وأَعْدَاهُ مِنْ علَّته وخُلُقِه وأَعْدَاهُ بِهِ: جَوَّزَهُ إِلَيْهِ، وَالِاسْمُ مِنْ كُلِّ ذَلِكَ العَدْوَى.

وَفِي الْحَدِيثِ: « لَا عَدْوَى وَلَا هامَة وَلَا صَفَر وَلَا طيرَةَ وَلَا غُولَ» أَي لَا يُعْدي شَيْءٌ شَيْئًا.

وَقَدْ تَكَرَّرَ ذِكْرُ العَدْوَى فِي الْحَدِيثِ، وَهُوَ اسمٌ مِنَ الإِعْدَاء كالرَّعْوى والبَقْوَى مِنَ الإِرْعاءِ والإِبْقاءِ.

والعَدْوَى: أَنْ يَكُونَ بِبَعِيرٍ جَرَب مَثَلًا فتُتَّقى مُخالَطَتُه بِإِبِلٍ أُخرى حِذار أَن يَتعَدَّى مَا بِهِ مِنَ الجَرَب إِلَيْهَا فيصيبَها مَا أَصابَه، فَقَدْ أَبطَله الإِسلامُ لأَنهم كَانُوا يظُنُّون أَن الْمَرَضَ بِنَفْسِهِ يتَعَدَّى، فأَعْلَمَهم النبيُّ، صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، أَن الأَمر لَيْسَ كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا اللَّهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي يُمرض ويُنْزلُ الداءَ، وَلِهَذَا قَالَ فِي بَعْضِ الأَحاديث وَقَدْ قِيلَ لَهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِن النُّقْبة تَبْدُو وبمشْفر الْبَعِيرِ فتُعْدِي الإِبل كُلَّهَا، فَقَالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي خَاطَبَهُ: فمَن الَّذِي أَعدَى البعيرَ الأَول "أَي مِنْ أَين صَارَ فِيهِ الجَرَب؟ قَالَ الأَزهري: العَدْوَى أَن يَكُونَ بِبَعِيرٍ جَرَبٌ أَو بِإِنْسَانٍ جُذام أَو بَرَصٌ فتَتَّقيَ مخالطتَه أَو مُؤَاكَلَتَهُ حِذار أَن يَعْدُوَه مَا بِهِ إِليك أَي يُجاوِزه فيُصيبك مثلُ مَا أَصابه.

وَيُقَالُ: إِنَّ الجَرَب ليُعْدِي أَي يُجَاوِزُ ذَا الجَرَب إِلَى مَنْ قَارَبَهُ حَتَّى يَجْرَبَ، وَقَدْ نَهى النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ إِنْكَارِهِ العَدْوَى، أَن يُورِدَ مُصِحٌّ عَلَى مُجْرِب لِئَلَّا يُصِيبَ الصِّحاحَ الجَرَبُ فَيُحَقِّقَ صاحبُها العَدْوَى.

والعَدْوَى: اسمٌ مِنْ أَعْدَى يُعْدِي، فَهُوَ مُعْدٍ، وَمَعْنَى أَعْدَى أَي أَجاز الجَرَبَ الَّذِي بِهِ إِلى غَيْرِهِ، أَو أَجاز جَرَبًا بِغَيْرِهِ إِليه، وأَصله مِنْ عَدَا يَعْدُو إِذا جَاوَزَ الحدَّ.

وتَعَادَى القومُ أَي أَصاب هَذَا مثلُ دَاءِ هَذَا.

والعَدْوَى: طَلَبُك إِلى والٍ ليُعْدِيَكَ عَلَى منْ ظَلَمك أَي يَنْتَقِم مِنْهُ.

قَالَ ابْنُ سِيدَهْ: العَدْوَى النُّصْرَة والمَعُونَة.

وأَعْدَاهُ عَلَيْهِ: نَصَره وأَعانه.

واسْتَعْدَاهُ: اسْتَنْصَره وَاسْتَعَانَهُ.

واسْتَعْدَى عَلَيْهِ السلطانَ أَي اسْتَعانَ بِهِ فأَنْصَفه مِنْهُ.

وأَعْدَاهُ عَلَيْهِ: قَوَّاه وأَعانه عَلَيْهِ؛ قَالَ يَزِيدُ بْنُ حذاق:

وَلَقَدْ أَضاءَ لَكَ الطَّريقُ، وأَنْهَجَتْ ***سُبُلُ المكارِمِ، والهُدَى يُعْدِي

أَي إِبْصارُكَ الطَّريقَ يقوِّيك عَلَى الطَّريقِ ويُعينُك؛ " وَقَالَ آخَرُ:

وأَنتَ امرؤٌ لَا الجُودُ منكَ سَجيَّةٌ ***فتُعْطِي، وَقَدْ يُعْدِي عَلَى النَّائِلِ الوُجْدُ

وَيُقَالُ: اسْتَأْداه، بالهمزة، فَآدَاهُ أَي أَعانَه وقَوَّاه، وبعضُ أَهل اللُّغَةِ يَجْعَلُ الْهَمْزَةَ فِي هَذَا أَصلًا وَيَجْعَلُ الْعَيْنَ بَدَلًا مِنْهَا.

وَيُقَالُ: آدَيْتُك وأَعْدَيْتُك مِنَ العَدْوَى، وَهِيَ المَعونة.

وعَادَى بَيْنَ اثْنَيْنِ فصاعِدًا مُعَادَاةً وعِدَاءً: وَالَى؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

فعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجَةٍ، ***وَبَيْنَ شَبُوبٍ كالقَضِيمَةِ قَرْهَبِ

وَيُقَالُ: عَادَى الفارِسُ بَيْنَ صَيْدَيْن وَبَيْنَ رَجُلَين إِذا طَعَنهما طَعْنَتَيْنِ مُتَوالِيَتَيْن.

والعِدَاء، بِالْكَسْرِ، والمُعَادَاة: المُوالاة والمتابَعة بَيْنَ الِاثْنَيْنِ يُصرَعُ أَحدهما عَلَى إِثر الْآخَرِ فِي طَلَقٍ وَاحِدٌ؛ وأَنشد لِامْرِئِ الْقَيْسِ:

فعَادَى عِدَاءً بَيْنَ ثَوْرٍ ونَعْجةٍ ***دِراكًا، وَلَمْ يُنْضَحْ بماءٍ فيُغْسَلِ

يُقَالُ: عَادَى بَيْنَ عَشَرة مِنَ الصَّيْد أَي وَالَى بَيْنَهَا قَتْلًا ورَمْيًا.

وتَعَادَى القومُ عَلَى نَصْرِهِمْ أَي تَوالَوْا وتَتابَعوا.

وعِداءُ كلِّ شيءٍ وعَدَاؤُه وعِدْوَتُه وعُدْوَتُه وعِدْوُه: طَوَارُه، وَهُوَ مَا انْقادَ مَعَهُ مِن عَرْضِه وطُولِه؛ قَالَ ابْنُ بَرِّيٍّ: شَاهِدُهُ مَا أَنشده أَبو عَمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ:

بَكَتْ عَيْني، وحَقَّ لَهَا البُكاءُ، ***وأَحْرَقَها المَحابِشُ والعَدَاء

وَقَالَ ابْنُ أَحمر يُخَاطِبُ نَاقَتَهُ:

خُبِّي، فَلَيْس إِلى عثمانَ مُرْتَجَعٌ ***إِلّا العَدَاءُ، وإِلا مَكْنَعٌ ضَرَرُ

وَيُقَالُ: لَزِمْت عَدَاءَ النَّهْرِ وعَدَاءَ الطَّرِيقِ والجبلِ أَي طَوَاره.

ابْنُ شُمَيْلٍ: يُقَالُ الْزَمْ عَدَاء الطَّرِيقِ، وَهُوَ أَن تأْخذَه لَا تَظْلِمه.

وَيُقَالُ: خُذْ عَداءَ الْجَبَلِ أَي خُذْ فِي سَنَدِه تَدورُ فِيهِ حَتَّى تعلُوَه، وإِن اسْتَقام فِيهِ أَيضًا فَقَدْ أَخَذَ عَدَاءَه.

وَقَالَ ابْنُ بُزْرُجٍ: يُقَالُ الْزَمِ عِدْوَ أَعْدَاءِ الطريقِ والْزَمْ أَعْدَاء الطَّرِيقِ أَي وَضَحَه.

وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ لِآخَرَ: أَلَبنًا نَسْقِيكَ أَم مَاءً؟ فأَجاب: أَيَّهُما كَانَ وَلَا عَدَاءَ؛ مَعْنَاهُ لَا بُدَّ مِنْ أَحدهما وَلَا يَكُونَنَّ ثَالِثٌ.

وَيُقَالُ: الأَكْحَل عِرْقٌ عَداءَ الساعِدِ.

قَالَ الأَزهري: والتَّعْدَاءُ التَّفْعال مِنْ كُلِّ مَا مَرَّ جَائِزٌ.

والعِدَى والعَدَا: النَّاحِيَةُ؛ الأَخيرة عَنْ كُرَاعٍ، وَالْجَمْعُ أَعْدَاءٌ.

لسان العرب-ابن منظور الإفريقي-توفي: 711هـ/1311م


19-مختار الصحاح (عدا)

(الْعَدُوُّ) ضِدُّ الْوَلِيِّ وَالْجَمْعُ (الْأَعْدَاءُ) يُقَالُ: (عَدُوٌّ) بَيِّنُ (الْعَدَاوَةِ) وَ (الْمُعَادَاةِ) وَالْأُنْثَى (عَدُوَّةٌ).

قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: فَعُولٌ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَانَ مُؤَنَّثُهُ بِغَيْرِ هَاءٍ نَحْوُ: رَجُلٌ صَبُورٌ وَامْرَأَةٌ صَبُورٌ إِلَّا حَرْفًا وَاحِدًا جَاءَ نَادِرًا قَالُوا: هَذِهِ عَدُوَّةُ اللَّهِ.

قَالَ الْفَرَّاءُ: وَإِنَّمَا أَدْخَلُوا فِيهَا الْهَاءَ تَشْبِيهًا بِصَدِيقَةٍ لِأَنَّ الشَّيْءَ قَدْ يُبْنَى عَلَى ضِدِّهِ.

وَ (الْعِدَا) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْأَعْدَاءُ وَهُوَ جَمْعٌ لَا نَظِيرَ لَهُ.

قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: يُقَالُ: قَوْمٌ عِدًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا أَيْ أَعْدَاءٌ.

وَقَالَ ثَعْلَبٌ: يُقَالُ: قَوْمٌ أَعْدَاءٌ وَعِدًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ فَإِنْ أَدْخَلْتَ الْهَاءَ قُلْتَ: (عُدَاةٌ) بِالضَّمِّ.

وَ (الْعَادِي) الْعَدُوُّ.

وَ (تَعَادَى) الْقَوْمُ مِنَ الْعَدَاوَةِ.

وَ (الْعَدَاءُ) بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ تَجَاوُزُ الْحَدِّ فِي الظُّلْمِ.

يُقَالُ (عَدَا) عَلَيْهِ مِنْ بَابِ سَمَا وَ (عَدَاءً) بِالْمَدِّ وَ (عَدْوًا) أَيْضًا وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108] وَقَرَأَ الْحَسَنُ عُدُوًّا مِثْلُ سُمُوٍّ.

وَ (عَدَا) فِعْلٌ يُسْتَثْنَى بِهِ مَعَ مَا وَبِغَيْرِ مَا تَقُولُ جَاءَنِي الْقَوْمُ عَدَا زَيْدًا وَمَا عَدَا زَيْدًا بِنَصْبِ مَا بَعْدَهَا.

وَ (عَدَاهُ) يَعْدُوهُ (عَدْوًا) جَاوَزَهُ.

وَ (التَّعَدِي) مُجَاوَزَةُ الشَّيْءِ إِلَى غَيْرِهِ يُقَالُ: (عَدَّاهُ تَعْدِيَةً فَتَعَدَّى) أَيْ تَجَاوَزَ.

وَ (عَدٍّ) عَمَّا تَرَى أَيِ اصْرِفْ بَصَرَكَ عَنْهُ.

وَ (الْعُدْوَانُ) الظُّلْمُ الصُّرَاحُ وَقَدْ (عَدَا) عَلَيْهِ (عَدْوًا) وَ (عُدُوًّا) وَ (اعْتَدَى) عَلَيْهِ وَ (تَعَدَّى) عَلَيْهِ كُلُّهُ بِمَعْنًى.

وَ (عَوَادِي) الدَّهْرِ عَوَائِقُهُ.

وَ (الْعُدْوَةُ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا جَانِبُ الْوَادِي وَحَافَتُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى} [الأنفال: 42] قَالَ أَبُو عَمْرٍو: هِيَ الْمَكَانُ الْمُرْتَفِعُ.

وَ (الْعَدْوَى) طَلَبُكَ إِلَى وَالٍ لِيُعْدِيَكَ عَلَى مَنْ ظَلَمَكَ أَيْ يَنْتَقِمَ مِنْهُ يُقَالُ: (اسْتَعْدَيْتُ) الْأَمِيرَ عَلَى فُلَانٍ (فَأَعْدَانِي) أَيِ اسْتَعَنْتُ بِهِ عَلَيْهِ فَأَعَانَنِي وَالِاسْمُ مِنْهُ (الْعَدْوَى) وَهِيَ الْمَعُونَةُ.

وَ (الْعَدْوَى) أَيْضًا مَا يُعْدِي مِنْ جَرَبٍ أَوْ غَيْرِهِ.

وَهُوَ مُجَاوَزَتُهُ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَى غَيْرِهِ.

يُقَالُ: أَعْدَى فُلَانٌ فُلَانًا مِنْ خُلُقِهِ أَوْ مِنْ عِلَّةٍ بِهِ أَوْ مِنْ جَرَبٍ.

وَفِي الْحَدِيثِ: «لَا عَدْوَى» أَيْ لَا يُعْدِي شَيْءٌ شَيْئًا.

وَ (الْعَدْوُ) الْحُضْرُ تَقُولُ: (عَدَا) يَعْدُو (عَدْوًا) وَ (أَعْدَى) فَرَسَهُ.

وَأَعْدَى فِي مَنْطِقِهِ أَيْ جَارَ.

وَدَفَعْتُ عَنْكَ (عَادِيَةَ) فُلَانٍ أَيْ ظُلْمَهُ وَشَرَّهُ.

مختار الصحاح-محمد بن أبي بكر الرازي-توفي: 666هـ/1268م


20-أساس البلاغة (ملح)

ملح

ماء ملح، وقد ملح الماء وأملح، وروي قول نصيب:

أن أبحر المشرب العذب

أن أملح. وملح القدر يملحها ملحًا: ألقى فيها ملحًا بقدر، وأملحها وملّحها: أفسدها بالملح. وملّح الماشية. أطعمها الملح عن التحميض. وملّح الدابة تمليحًا إذا حك الملح على حنكها. وسمك مملوح ومليح.

ومن المجاز: وجه مليح، ووجوه ملاح، وما أملح وجهه وفعله!، وما أميلحه!، وله حركات مستملحة. وحدثته بالملح: وفلان يتطرّف ويتملّح.

قال الطرماح يخاطب زوجته سليمة:

تملّح ما اسطاعت ويغلب دونها *** هوًى لك ينس ملحة المتملّح

ومالحت فلانًا ممالحة وهي المواكلة، وهو يحفظ حرمة الملح والممالحة. ومنه قولهم: بينهما حرمة الملح والممالحة وهي المراضعة. وملحت فلانة لفلان: أرضعت له. قال شتيم بن خويلد:

ولا يبعد الله رب العبا *** د والملح ما ولدت خالده

فإن يكن القتل أفناهم *** فللموت ما تلد الوالدة

وقال أبو الطّمّحان:

وإني لأرجو ملحها في بطونكم *** وما بسطت من جلد أشعث أغبرا

حالف رجلًا كان له عشرة بنين فما زال يسقيهم ألبان إبله حتى سمنوا وصلحوا فأغاروا عليه، أراد بالملح: اللبن أي أرجو أن ينتقم الله لي منكم لما صنعته عندكم. وما بها ملحٌ أي شحم. وملّحت الشاة وتملّحت: أخذت شيأ من الشحم. قال عروة بن الورد:

عشية رحنا سائرين وزادنا *** بقية لحم من جزور مملح

وإن في المال لملحةً من الربيع. وأملح القدر: جعل فيها شحيمة. وكبش أملح. وأقبل فلان في الملحاء: في الكتيبة البيضاء من السلاح. وملح عرضه: اغتابه. «وفلان ملحه موضعوع على ركبتيه» أي هو كثير الخصومات كأنّ طول مجاثاته ومصاكّته الرّكب فرّرح ركبتيه فهو يضع الملح عليهما يداويهما به. وقد وصف مسكين الدارميّ صخّابة من عواذله طويلة الخصام فقال:

أصبحت عاذلتي مغتلّة *** قرمت بل هي وحمى للصّخب

لا تلمها إنها من نسوة *** ملحها موضوعة فوق الركب

كشموس الخيل يبدو شغبها *** كلّما قيل لها هاب وهب

الملح يؤنث، وقيل: الملح: اعلحرمة وإن معناه أنه يحترمك مادام جالسًا معك فإذا قام عنك رفض الحرمة.

أساس البلاغة-أبوالقاسم الزمخشري-توفي: 538هـ/1143م


21-مجمل اللغة (عدو)

عدو: العدو: الحضر، يقال: عدا فهو عدوان.

والعدو: خلاف الصديق، وهو من عدا، إذا ظلم.

وذئب عدوان: يعدو على الناس.

والعدوان: الظلم الصراح.

والعدوى.

طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك، أي: ينتقم منه باعتدائه عليك.

وكانت لهذا اللص عدوة.

وما عدا فلان أن صنع كذا، أي: ما جاوز.

والتعدي: مجاوزة الشيء إلى غيره.

والعدوى.

ما يعدي من جرب أو غيره.

وعدت عواد عن كذا، أي: صرفت.

والمعدى:

المصدر.

والعوادى: أشغال (الدهر) وموانع أحواله.

والعادية من الإبل: التي ليست ترعى الحمض.

قال:

(رأى صاحبي في العاديات نجيبة

وأمثالها في الواضعات القواميس

وقال آخر):

وإن الذي ينوي من المال أهلها

عوارك لما تأتلف وعوادي

يقول: إن أهل هذه المرأة يطلبون من مهرها ما لا يكون ولا يمكن، كما لا تأتلف الأوارك والعوادي.

والعدوة: عدوة الوادي، جانبه.

والجمع أعداء.

والعداء: طوار كل شيء، وهو ما انقاد معه من عرضه وطوله.

والعداء: أن يعادي الفرس والصائد بين الصيدين يصرع أحدهما على إثر الآخر.

قال (امرؤ القيس):

فعادى عداء بين ثور ونعجة

دراكًا ولم ينضح بماء فيغسل

وتعادت هذه المواشي تعاديًا، إذا مات بعضها في إثر بعض.

قال:

فما لك من أروى تعاديت بالعمى

ولاقيت كلابًا مطلًا وراميا

العدو: اسم جامع للواحد والإثنين والثلاثة والتأنيث، وقد يجمع.

والعداء: الشغل.

ويقال: إن العدواء: أرض يابسة صلبة.

وربما عارضتهم عند حفر البئر فيحيدون عنها.

قال أبو عبيد: العدواء: المكان الذي لا يطمئن من قعد عليه.

والعدواءُ: بعد الدار، وهو في شعر ذي الرمة:

منها على عدواء الدار تسقيم

ويقال: رأيت عدي القوم مقبلًا، أي: أول من حمل من الرجالة.

قال:

لما رأيت عدي القوم يسلبهم

طلح الشواجن والطرفاء والسلم

والعدوية: من نبات الصيف بعد ذهاب الربيع تخضر صغار الشجر فترعاه الإبل، تقول: أصابت الإبل عدوية.

والعدوية من صغار سخال الغنم، يقال: هي من بنات الأربعين يومًا، فإذا جزت عنه عقيقته ذهب عنه هذا الاسم.

وأنشد:

عدوي كل هبنقع تنبال

أنشدناه علي عن علي عن أبي عبيد.

و (الصحيح) غذوي.

والعدى: الأعداء.

والعدى: الأباعد.

قال:

إذا كنت في قوم عدى لست منهم

فكل ما علفت من خبيث وطيب

ويقال: بل هو عدى بضم العين، وذلك أنه لم يأت شيء من النعوت على فعل.

وقال بعضهم: العدى: حجر رقيق يوضع على الشيء يستر به، وفيه نظر.

قال، وجعله الشاعر أحجارًا للحد.

فقال:

وحال السفا بيني وبينك والعدى

ورهن السفا غمر الطبيعة ماجد

والسفا: تراب القبر.

وعدوان لقب الحارث بن عمرو.

يقال: إنه إذا على أخيه فهم بن عمرو فقتله، فسمي بذلك، عدوان.

مجمل اللغة-أحمد بن فارس-توفي: 395هـ/1005م


22-مقاييس اللغة (وغم)

(وَغَمَ) الْوَاوُ وَالْغَيْنُ وَالْمِيمُ: كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ، هِيَ الْوَغْمُ: الْغَيْظُ فِي الصَّدْرِ، وَالْحِقْدُ.

قَالَ:

يَقُومُ عَلَى الْوَغْمِ فِي قَوْمِهِ *** فَيَعْفُو إِذَا شَاءَ أَوْ يَنْتَقِمْ

فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: وَغَمَ بِالْخَبَرِ فَأَصْلُهُ نَغَمَ.

مقاييس اللغة-أحمد بن فارس-توفي: 395هـ/1005م


23-صحاح العربية (عدا)

[عدا] العَدُوُّ: ضدُّ الوَليِّ ; والجمع الأعداءُ، وهو وصفٌ ولكنّه ضارع الاسمَ.

يقال: عَدَوٌّ بيِّن العَداوَةِ والمعاداة، والانثى عدوة.

قال ابن السكيت: فعول إذا كان في تأويل فاعل كان مؤنثه بغير هاء، نحو رجل صبور وامرأة صبور، إلا حرفا واحدا جاء نادرا، قالوا هذه عدوة الله.

قال الفراء: وإنما أدخلوا فيها الهاء.

تشبيها لها بصديقة، لان الشئ قد يبنى على ضده.

والعدا، بكسر العين: الأعْداءُ، وهو جمعٌ لا نظيرَ له.

قال ابن السكيت: ولم يأت فِعَلٌ في النُعوت إلا حرف واحد، يقال: هؤلاء قومٌ عِدًا، أي غرباء، وقومٌ عدا أي أعداء.

وأنشد لسعد بن عبد الرحمن بن حسان: إذا كنت في قوم عدا لست منهم *** فكل ما علفت من خبيث وطيب قال: ويقال قوم عِدًا وعُدًا، أي أعْداءٌ، مثل سوى وسوى.

قال الأخطل: ألا يا اسْلَمي يا هندُ هندَ بني بَدْرِ *** وإنْ كانَ حَيَّانًا عُدًا آخر الدهر يروى بالضم والكسر.

وقال ثعلب: يقال قوم أعْداءٌ وعِدًا بكسر العين، فإن أدخلت الهاء قلت عداة بالضيم.

والعادي: العَدُوُّ.

قالت امرأةٌ من العرب: أشْمَتَ ربّ العالمين عادِيَكَ.

وتَعادى القوم من العَداوَة.

وتَعادى ما بينهم أي فسَد.

وتَعادى: تباعد.

قال الأعشى يصف ظبيةً وغزالها: وتَعادى عنه النهارَ فما تَعْ‍ *** جوهُ إلا عُفافَةً أو فواق يقول: تباعد عن ولدها في المرعى لئلا يستدل الذئبُ بها على ولدها.

والعِداءُ بالكسر والمدّ: الموالاة بين الصيدَين تَصْرَع أحدَهما على إثر الآخر في طَلَق واحد.

قال امرؤ القيس: فعادى عِداءً بين ثورٍ ونعجةٍ *** دِراكًا ولم يُنْضَحْ بماء فيُغْسَلِ والعَداءُ بالفتح والمدّ: طَوارُ كلّ شئ، وهو ما انقاد معه من عَرْضِهِ وطوله.

والعَداءُ أيضًا: تجاوُز الحدّ والظُلم.

يقال عَدا عليه عَدْوًا وعُدُوًّا وعَداءً، ومنه قوله تعالى: (فيَسُبُّوا الله عَدْوًا بغير علم).

وقرأ الحسن: (عدوا) مثل جلوس.

وعدا: فعل يستثنى به مع ما وبغير ما، تقول: جاءني القوم ما عدا زيدًا وجاءوني عدا زيدًا، تنصب ما بعدها بها، والفاعل مضمرٌ فيها.

وعداه يعدوه، أي جاوزه.

وما عدا فلانٌ أن صنع كذا.

ومالي عن فلان مَعْدًى، أي لا تَجاوُز لي إلى غيره.

يقال: عَدَّيْتُهُ فَتَعَدَّى، أي تجاوز.

وعَدِّ عما ترى، أي اصرف بصرَك عنه.

وتَعادى القومُ، إذا أصاب هذا مثلُ داءٍ هذا من العَدْوى، أو يموت بعضهم في إثر بعض.

قال الشاعر: فمالك من أروى تَعادَيْتِ بالعَمى *** ولاقيتِ كَلاَّبًا مُطِلاًّ ورامِيا والعُدْوانُ: الظُلم الصراح.

وقد عَدا عليه، وتَعَدَّى عليه، واعْتَدى كلُّه بمعنًى.

وعَوادي الدهر: عوائقه.

قال الشاعر: هَجَرَتْ غَضوبُ وحُبَّ من يَتَجَنّبُ *** وعَدَتْ عَوادٍ دون وَليكَ تَشْعَبُ والعِدْوَةُ والعُدْوَةُ: جانبُ الوادي وحافَتُه.

قال الله تعالى: (إذ أنتم بالعُدْوَةِ الدُنيا وهُمْ بالعدوة القصوى).

والجمع عداء، مثل برمة

وبرام، ورهمة ورهام، وعديات.

وقال أبو عمرو: العُدْوَةُ والعِدْوَةُ: المكان المرتفع.

والعَدْوى: طلبُك إلى والٍ ليُعْدِيَكَ على من ظلمك، أي ينتقم منه.

يقال: اسْتَعْدَيْتُ على فلانٍ الأميرَ فأعْداني عليه، أي استعَنت به عليه فأعانَني عليه، والاسم منه العَدْوى، وهي المَعونَةُ.

والعَدْوى أيضًا: ما يُعْدي من جَربٍ أو غيره، وهو مجاوزتُهُ مَن صاحَبه إلى غيره.

يقال: أعْدى فلانٌ فلانًا من خُلُقِهِ، أو من عِلَّة به أو جربٍ.

وفى الحديث: " لا عدوى " أي لا يعدى شئ شيئا.

والعَدو: الحُضّرُ.

وأعْدَيْتُ فرسي واسْتَعْدَيْتُهُ، أي استحضرته.

وأعْدَيْتَ في منطقك، أي جرت.

وفلان مَعْدِيٌّ عليه، أبدلت الياء من الواو استثقالًا.

قال الشاعر: وقد عَلِمَتْ عِرْسي مُلَيْكَةُ أنَّني *** أنا الليثُ مَعْدِيًّا عليه وعادِيا الأصمعي: العُدَواءُ على وزن الغُلَواءِ: المكان

الذي لا يطمئنُّ من قَعد عليه.

يقال: جئتُ على مركبٍ ذي عُدَواءَ، أي ليس بمطمئنٍّ ولا مستو.

وأبو زيد مثله.

الاصمعي: نمت على مكان مُتَعادٍ، إذا كانَ متفاوتًا ليس بمستوٍ.

وهذه أرض مُتَعادِيَةٌ: ذات جِحَرَةٍ ولخاقيقَ: وعُدَواءُ الشغلِ أيضا: موانعه.

قال العجاج يصف ثورا يحفر كناسا.

وإن أصاب عدواء احرورفا *** عنها وولاها ظلوفا ظلفا والعدواء أيضا: بعد الدار.

ويقال: إنَّه لعَدَوانٌ بفتح العين والدال، أي شديد العَدْوِ.

وذئبٌ عَدَوانٌ أيضًا: يَعْدو على الناس.

ومنه قولهم: السطان ذو عدوان وذو بدوان.

وعدوان بالتسكين: قبيلة، وهو عدوان ابن عمرو بن قيس عيلان.

والعادية من الإبل: المقيمة في العِضاهِ لا تفارقها، وليست ترعى الحَمْض.

وقال كثَّير: وإنّ الذي يبغي من المال أهلُها *** أوارِكُ لمَّا تأتلفْ وعَوادي يقول: أهل هذه المرأة يطلُبون من مهرها مالا يكون ولا يمكن، كما لا تأتلف هذه الابل

الاوارك والعوادي.

وكذلك العادِياتُ.

وقال: رأى صاحبي في العادِياتِ نَجيبَةً *** وأمْثالَها في الواضعاتِ القَوامِسِ ودفعتُ عنك عادِيَةَ فلانٍ، على أي ظلمه وشرَّه.

والعَدِيُّ: الذين يَعْدونَ على أقدامهم، وهو جمع عاد مثل غاز وغزى.

وقال: لما رأيت عدى القومِ يَسْلُبُهُمْ *** طَلْحُ الشَواجِنِ والطَرْفاءُ والسلم وعدى من قريش رهط عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وهو عدى بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، والنسبة إليه عدوى.

وعدى بن مناة من الرباب رهط ذى الرمة.

وعدى في بنى حنيفة.

وعدى في فزارة.

وبنو العدوية: قوم من حنظلة وتميم.

والعدوية من نبات الصيف بعد ذهاب الربيع،

يخضر صغار الشجر فترعاه الإبل.

يقال: أصابت الابل عدوية.

وسموأل بن عادياء ممدود.

قال النمر بن تولب: هلا سألت بعادياء وبيته *** والخل والخمر التى لم تمنع وقد قصره المرادى في الشعر فقال: بنى لنا عاديا حصنا حصينا *** إذا ما سامنى ضيم أبيت

صحاح العربية-أبونصر الجوهري-توفي: 393هـ/1003م


24-منتخب الصحاح (عدا)

العَدُوُّ: ضدُّ الوَليِّ؛ والجمع الأعداءُ، وهو وصفٌ ولكنّه ضارع الاسمَ.

يقال: عَدَوٌّ بيِّن العَداوَةِ والمُعاداةِ، والأنثى عَدُوَّةٌ.

والعِدا، بكسر العين: الأعْداءُ، وهو جمعٌ لا نظيرَ له.

قال ابن السكيت: ولم يأت فِعَلٌ في النُعوت إلا حرف واحد، يقال: هؤلاء قومٌ عِدًا، أي غرباء، وقومٌ عِدًا أي أعْداءٌ.

قال: ويقال قوم عِدًا وعُدًا، أي أعْداءٌ.

قال الأخطل:

ألا يا اسْلَمي يا هندُ هندَ بني بَدْرِ *** وإنْ كانَ حَيَّانًا عُدًا آخر الدَهْرِ

وقال ثعلب: يقال قومٌ أعْداءٌ وعِدًا بكسر العين، فإن أدخلت الهاء قلت عُداةٌ بالضم.

والعادي: العَدُوُّ.

قالت امرأةٌ من العرب: أشْمَتَ ربّ العالمين عادِيَكَ.

وتَعادى القوم من العَداوَة.

وتَعادى ما بينهم أي فسَد.

وتَعادى: تباعد.

قال الأعشى يصف ظبيةً وغزالها:

وتَعادى عنه النهارَ فما تَعْ *** جوهُ إلا عُفافَةً أو فُراقُ

يقول: تَباعَدُ عن ولدها في المرعى لئلا يستدل الذئبُ بها على ولدها.

والعِداءُ بالكسر والمدّ: الموالاة بين الصيدَين تَصْرَع أحدَهما على إثر الآخر في طَلَق واحد.

قال امرؤ القيس

فعادى عِداءً بين ثورٍ ونعجةٍ *** دِراكًا ولم يُنْضَحْ بماء فيُغْسَلِ

والعَداءُ بالفتح والمدّ: طَوارُ كلّ شيء، وهو ما انقاد معه من عَرْضِهِ وطوله.

والعَداءُ أيضًا: تجاوُز الحدّ والظُلم.

يقال عَدا عليه عَدْوًا وعُدُوًّا وعَداءً، ومنه قوله تعالى: فيَسُبُّوا الله عَدْوًا بغير علْمٍ.

وعَدا: فِعْلٌ يستثنى به مع ما وبغير ما، تقول: جاءني القوم ما عدا زيدًا وجاءوني عدا زيدًا، تنصب ما بعدها بها، والفاعل مضمرٌ فيها.

وعَداهُ يَعْدوهُ، أي جاوزه.

وما عدا فلانٌ أن صنع كذا.

ومالي عن فلان مَعْدًى، أي لا تَجاوُز لي إلى غيره.

يقال: عَدَّيْتُهُ فَتَعَدَّى، أي تجاوز.

وعَدِّ عما ترى، أي اصرف بصرَك عنه.

وتَعادى القومُ، إذا أصاب هذا مثلُ داءٍ هذا من العَدْوى، أو يموت بعضهم في إثر بعض.

قال الشاعر

فما لَكِ من أرْوى تَعادَيْتِ بالعَمى *** ولاقيتِ كَلاَّبًا مُطِلاًّ ورامِيا

والعُدْوانُ: الظُلم الصراح.

وقد عَدا عليه، وتَعَدَّى عليه، واعْتَدى كلُّه بمعنًى.

وعَوادي الدهر: عوائقه.

قال الشاعر:

هَجَرَتْ غَضوبُ وحُبَّ من يَتَجَنّبُ *** وعَدَتْ عَوادٍ دون وَليكَ تَشْعَبُ

والعِدْوَةُ والعُدْوَةُ: جانبُ الوادي وحافَتُه.

قال الله تعالى: إذ أنتم بالعُدْوَةِ الدُنيا وهُمْ بالعُدْوَةِ

القُصَوى.

والجمع عِداءٌ.

وقال أبو عمرو: العُدْوَةُ والعِدْوَةُ: المكان المرتفع.

والعَدْوى: طلبُك إلى والٍ ليُعْدِيَكَ على من ظلمك، أي ينتقم منه.

يقال: اسْتَعْدَيْتُ على فلانٍ الأميرَ فأعْداني عليه، أي استعَنت به عليه فأعانَني عليه، والاسم منه العَدْوى، وهي المَعونَةُ.

والعَدْوى أيضًا: ما يُعْدي من جَربٍ أو غيره، وهو مجاوزتُهُ مَن صاحَبه إلى غيره.

يقال: أعْدى فلانٌ فلانًا من خُلُقِهِ، أو من عِلَّة به أو جربٍ.

والعَدو: الحُضّرُ.

وأعْدَيْتُ فرسي واسْتَعْدَيْتُهُ، أي استحضرته.

وأعْدَيْتَ في منطقك، أي جُرْتَ.

أي جُرْتَ.

وفلانٌ مَعْدِيٌّ عليه، أبدلت الياء من الواو استثقالًا.

قال الشاعر:

وقد عَلِمَتْ عِرْسي مُلَيْكَةُ أنَّني *** أنا الليثُ مَعْدِيًّا عليه وعادِيا

الأصمعي: العُدَواءُ على وزن الغُلَواءِ: المكان الذي لا يطمئنُّ من قَعد عليه.

يقال: جئتُ على مركبٍ ذي عُدَواءَ، أي ليس بمطمئنٍّ ولا مستوٍ.

الأصمعي: نمتُ على مكان مُتَعادٍ، إذا كانَ متفاوتًا ليس بمستوٍ.

وهذه أرض مُتَعادِيَةٌ: ذات جِحَرَةٍ ولخاقيقَ: وعُدَواءُ الشغلِ أيضًا: موانِعه.

والعُدَواء أيضًا: بُعْدُ الدار.

ويقال: إنَّه لعَدَوانٌ بفتح العين والدال، أي شديد العَدْوِ.

وذئبٌ عَدَوانٌ أيضًا: يَعْدو على الناس.

ومنه قولهم: السلطانُ ذو عَدَوانٍ وذو بَدَوانٍ.

والعادِيَةُ من الإبل: المقيمة في العِضاهِ لا تفارقها، وليست ترعى الحَمْض.

وقال كثَّير:

وإنّ الذي يبغي من المال أهلُها *** أوارِكُ لمَّا تأتلفْ وعَوادي

يقول: أهل هذه المرأة يطلُبون من مهرها مالا يكون ولا يمكن، كما لا تأتلف هذه الإبل الأوارك والعَوادي.

وكذلك العادِياتُ.

وقال:

رأى صاحبي في العادِياتِ نَجيبَةً *** وأمْثالَها في الواضعاتِ القَوامِسِ

ودفعتُ عنك عادِيَةَ فلانٍ، أي ظلمه وشرَّه.

والعَدِيُّ: الذين يَعْدونَ على أقدامهم، وهو جمع عادٍ.

وقال:

لَمَّا رَأيتُ عَدِيَّ القِوم يَسْلُبُهُمْ *** طَلْحُ الشَواجِنِ والطَرْفاءُ والسَلَمُ

والعَدَوِيَّةُ من نبات الصيف بعد ذهاب الربيع، يخضرّ صغار الشجر فترعاه الإبل.

يقال: أصابت الإبل عَدَوِيَّةً.

منتخب الصحاح-أبونصر الجوهري-توفي: 393هـ/1003م


25-تهذيب اللغة (حرم)

حرم: قال شَمِر قال يحيى بنُ ميسرةَ الكلابيُّ: الحُرْمَةُ: المَهَابةُ.

قال: وإذا كان للإنسان رَحِمٌ وكنَّ نستحي منه قلنا: له حُرْمَةٌ.

قال: وللمسلم على المسلم حُرْمَةٌ ومهابَةٌ.

وقال أبو زيد: يقال: هو حُرْمَتُك، وهما حُرْمَتُك، وهم حُرْمَتُك، وهي حُرْمَتُك، وهُنَ حُرْمَتُك؛ وهم ذوو رَحِمه وجارُه ومن يَنْصرُه غائبًا وشاهدًا ومن وَجَبَ عليه حقُّه.

وقال مجاهد في قول الله {ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ} [الحَجّ: 30] حُرُماتِ الله» فإن الحُرُماتِ مكةُ والحَجُّ والعمرة وما نهَى الله عنه من معاصيه كلِّها.

وقال عطاءٌ: حُرُمَاتُ الله معاصي الله.

وقال الليثُ: الحَرَمُ حَرَمُ مكَّةَ وما أحاط بها إلى قريب من الحرم.

قلت الْحَرَمُ قد ضُرِبَ على حدوده بالمَنَارِ القديمة التي بيَّن خليلُ الله إبراهيمُ عليه‌السلام مَشَاعِرَها، وكانت قريشٌ تعرِفُها في الجاهليةِ والإسلام؛ لأنهم كانوا سكّانَ الْحَرَم، ويعلمون أنّ ما دون المنار إلى مكة من الْحَرَم، وما وراءَها ليس من الحرم.

ولمّا بعث الله جل وعز محمدًا صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم نَبِيًّا أقَرَّ قُرَيْشًا على ما عرفوه من ذلك.

وكتب مع ابن مَرْبَع الأنصاريِّ إلى قَريش أن قرُّوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث إبراهيم، فما كان دُونَ المنار فهو حَرَم ولا يحِلُّ صيدُه، ولا يُقْطَع شجرُه، وما كان وراء المنار فهو من الحلّ، يحل صيدُه إذا لم يكن صائده مُحْرِمًا.

فإن قال قائلٌ من الملحدين في قول الله جلّ وعزّ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العَنكبوت: 67].

كيف يكون حرمًا آمنًا وقد أُخيفُوا وقُتِلُوا في الْحَرَم؟ فالجواب فيه أنّه جلّ وعزّ جعله حَرَمًا آمنًا أَمْرًا وتعبُّدًا لَهُم بذلك لا إجبارًا، فمن آمَنَ بذلك كَفّ عمَّا نُهِيَ عنه اتِّباعًا وانتهاءً إلى ما أُمِر به، ومن أَلْحَدَ وأنْكر أَمْرَ الحَرَمِ وحرمَتهُ فهو كافر مُبَاح الدَّم، ومن أَقَرَّ وركِبَ النَّهْي فصَادَ صَيْدَ الْحَرَم وقَتَلَ فيه فهو فاسق وعليه الكفَّارة فيما قَتَل من الصَّيْد، فإنْ عادَ فإنَّ الله ينتقم منه.

وأمّا المواقيت التي يُهَلُّ مِنْهَا لِلْحجِّ فهي بعيدةٌ من حُدود الْحَرَم، وهي من الْحِل ومن أَحْرَمَ منها بالحجّ في أشهر الحَجّ فهو مُحْرِمٌ مأمورٌ بالانتهاء ما دام محرمًا عن الرفَث وما وراءَه من أمْرِ النساء، وعن التطيُّبِ بالطيب، وعن لُبْس الثوب المخِيط، وعن صيْد الصَّيْدِ.

وقال الليث في قول الأعشى:

بِأجْيَادَ غَرْبِيَّ الصفا والمُحَرَّم

قال: المحرَّم هو الْحَرَمُ، قال والمنسوب إلى الحرم حِرْمِيٌ.

وأنشد:

لا تأويَنَ لحرميّ مررت به *** يومًا وإن ألقى الحِرْميُ في النار

وقال الليثُ: إذا نسبوا غَيْرَ الناس قالوا ثوب حَرَميٌ.

قلت: وهو كما قال الليث.

وروى شمر حديثًا أن فلانًا كان حِرْمِيَ رسول الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم.

قال: والحِرْمِيُ: أَنَّ أشْرافَ العرب الذين كانوا يتحمَّسون في دينِهم إذا حجَّ أحدُهم لم يأكل طعامَ رَجُلٍ من الحَرَم، ولم يَطُفْ إلّا في ثيابه، فكان لكل شريفٍ من أشرافِ العرب رجلٌ من قريش، فكلُّ واحدٍ منْهُمَا حِرْمِيُ صاحبِه، كما يقال كَرِيّ للمُكري، المكترِي وخَصْمٌ للمخاصِم والمخاصَم.

وتقول أحْرَمَ الرَّجُلُ فهو مُحْرِمٌ وحَرَامٌ.

والبيتُ الحَرَامُ، والمَسْجِدُ الحرامُ، والبلدُ الحرامُ، وقوم حُرُمٌ، ومُحْرِمُون، وشهر حَرَامٌ.

والأشْهُرُ الحُرُم ذو القَعْدَةِ وذو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ ورَجَبُ؛ ثلاثَةٌ سَرْدٌ أي متتابعة وواحد فَرْدٌ.

وقال الليث: والحرام: ما حرَّمه الله، والحُرْمَةُ ما لا يَحِلُّ لك انتهاكُه.

وتقول: فلانٌ له حُرْمَةٌ أي تحرَّم بنا بصحبة أو بِحَقِّ وذمَّةٍ.

وحُرَمُ الرجل نساؤُه وما يَحْمِي.

والمحارِمُ ما لا يحِلُّ استحْلالُه.

والمَحْرَمُ ذاتُ الرِّحِم في القرابة التي لا يحل تزوُّجُها، تقول هو ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ وهي ذَاتُ رَحِمٍ مَحْرَمٍ.

وقال الراجز:

وجارةُ البيت أراها مَحْرَمَا *** كما بَراهَا الله، إلَّا إنَّمَا

مكارِمُ السَّعْي لمَن تكرَّمَا

كما بَراها الله كما جعلها الله.

والمُحْرِم الدَّاخِلُ في الشهر الحَرَامِ أبو عبيد عن الأصمعي: أحْرَمَ الرجلُ فهو مُحْرِمٌ إذا كانت له ذمَّة، وقال الراعي:

قتلوا ابْنَ عفَّانَ الخليفة مُحْرِما *** ودَعَا فلم أَرَ مثلَه مَخْذُولا

قال: وأحْرَمَ القوم إذا دخلوا في الشهر الحَرَامِ.

قال زهير:

جعلن القنانَ عن يمينٍ وحَزْنَه *** وكم بالقنانِ من مُحِلِّ ومُحْرِم

ثعلب عن ابن الأعرابيّ: المُحْرِمُ المسالم في قول خداش بن زهير.

إذا ما أصابَ الغَيْثُ لم يَرْعَ غَيْثَهُم *** من الناس إلا مُحْرِمٌ أو مُكَافِل

قال وهو من قول الشاعر:

وأُنْبِئْتُها أَحْرَمَتْ قَوْمَها *** لِتَنْكِحَ في مَعْشَرٍ آخَرينا

أي: حرَّمَتْهم على نفسها.

قال والمُكَافِلُ المُجَاوِرُ المُحَالِفُ والكفيل من هذا أُخِذَ.

أبو عبيد عن الأصمعي في قوله أَحْرَمَتْ قومها أي حَرَمَتْهُم أن يَنْكِحُوها يقال حَرَمْتُه وأَحْرَمْتُه حِرْمَانًا إذا منعتَه العطيّة.

وروى شَمِر لعمر أنه قال: «الصيام إحْرَامٌ» قال إنما قال الصِّيَامُ إحرامٌ لامتناع الصائم مما يَثْلِمُ صيامَه.

قال ويقال للصائم مُحْرِمٌ.

قال الراعي.

قتلوا ابن عَفَّان الخليفة مُحْرِمًا

قال أبو عمرو الشيبانيُّ: مُحْرِمًا أي صائمًا.

وروي عن النبي صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم أنه قال «كل مُسلم عن مسلم مُحْرِمٌ، أخَوانِ نَصِيران» قال أبو العباس قال ابن الأعرابي: يقال إنَّه لَمُحْرِمٌ عنك يَحْرُم أذاك عليه.

قلت: وهذا معنى الخَبَرِ أراد أنه يَحْرُم على كل واحد منهما أن يؤذي صاحبَه لحُرْمَةِ الإسلام الْمَانِعَتِهِ عن ظُلْمه.

أبو عبيد عن الكسائي حَرُمَت الصلاةُ على المرأة حُرْمًا، وحَرِمَتْ عليها حَرَمًا وحَرَامًا.

أبو نصر عن الأصمعي: أحْرَمَ الرجُلُ إذا دخل في الإحْرَامِ بالإهْلَال.

وأَحْرَمَ إذا صار في حُرْمَةٍ من عَهْدٍ أو ميثاق هو له حُرْمة من أن يُغَارَ عَلَيْه.

ويقال مُسلم مُحْرِمٌ وهو الذي لم يُحِلّ من نفسه شيْئًا يُوقع به.

أبو عبيد عن الأصمعيّ: حَرَمْتُ الرجل العطيةَ أَحْرِمُه حِرْمَانًا؛ وزاد غيره عنه.

وحَرِيمةً، ولغة أخرى أَحْرَمْتُ وليست بجيدة وأنشد:

وأُنْبِئْتُها أحْرَمَتْ قَوْمَها *** لِتَنْكِحَ في مَعْشَرِ آخرينا

قال وحَرُمَت الصلاةُ على المرأةِ تَحْرُم حُرُومًا وروى غيره عنه وحَرُمَت المرأة على زوجها تَحرُم حُرْمًا وحَرَامًا.

أبو عبيد عن أبي زيد أَحْرَمْتُ الرجلَ إذا قَمَرْتَه، وحَرِمَ الرجل يَحْرَم حَرَمًا إذا قُمِرَ.

وقال الكسائي مثله وأنشد غيره:

ورمى بسهم جريمة لم يصطد

أبو عبيد عن الأمويّ: اسْتَحْرَمت الكلبةُ إذا اشتهت السِّفَاد، رواه عن بني الحارث بن كعب.

قال أبو عبيد وقال غيره: الاسْتِحْرَام لكل ذات ظِلْفٍ خاصةً.

وقال أبو نصر قال الأصمعي: استَحْرَمَت الماعِزَةُ إذا اشتهت الفحلَ، وما أَبْيَنَ حِرْمَتَها.

قال وروى المعتمر بن سليمان عمَّن أخبره، قال: الذين تدركهم الساعة تبعث عليهم الحِرْمَة ـ أي الغُلْمَة ـ ويُسْلَبُون الحياءَ.

وفي حديث عائشةَ أنها قالت: «كنت أُطَيِّبُ رسولَ الله صلى‌ الله‌ عليه‌ وسلم لِحلِّه وحُرْمه» المعنى أنها كانت تطيّبه إذا اغْتسل وأراد الإحرام والإهلال بما يكون به مُحْرِمًا من حجٍّ أو عُمْرَةٍ، وكانت تطيِّبُه إذا حَلَّ مِن إحرامه.

وسمعت العرب تقول ناقة مُحَرَّمَةُ الظَّهْرِ إذا كانت صعبة لم تُرَضْ ولم تُذَلَّلْ.

وجِلْدٌ مُحَرَّمٌ غيرُ مدبوغ.

وقال الأعشى:

ترى عينَها صَغْوَاء في جَنْبِ مَأقها *** تراقب كفّي والقطيع المحرَّما

أراد بالقطيع سوطه.

قلت وقد رأيت العرب يسوُّون سياطهم من جُلودِ الإبل التي لم تدبغ يأخذون السَّريحة العريضة فيقطِّعون منها سيورًا عِراضًا ويدفنونها في الثّرى فإذا اتّدَنَت ولانَت جَعلوا منه أربع قُوًى ثم فَتَلُوها ثم علّقوها من شعَبَيْ خشبة يركَّزونها في الأرض قتقلُّها أي ترفعها من الأرض ممدودةً وقد أثقلوها حتى تيْبَس.

قال شمر قال أبو واصل الكلابيُّ: حَريمُ الدار ما دخل فيها مما يُغْلَق عليه بابها، وما خرج منها فهو الفِنَاء.

قال: وفِنَاءُ البدويِّ ما يدركه حُجْرَتُه وأطْنَابُه، وهو من الحضَرِيِّ إذا كانت دَارُه تُحاذيها دارٌ أخرى فَفِناؤُهما حدّ ما بينهما.

الليث: حَرِيم الدَّارِ ما أُضِيف إليها وكان من حُقوقها ومرافقها.

وحريم النَّهر مُلْقَى طِينِه والمَمْشى على حافَتَيْه ونحو ذلك.

والحريمُ الذي حَرُم مَسُّه فلا يُدنَى منه.

وكانت العربُ في الجاهلية إذا حَجّت البيتَ تخْلَعُ ثيابها التي عليها إذا دَخَلُوا الحَرَم، ولم يلْبَسُوها ما داموا في الحَرَم.

ومنه قول الشاعر:

لَقىً بين أيدي الطائفين حَرِيمُ

وقال المفسِّرون في قول الله جلّ وعزّ: {يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعرَاف: 31] كان أَهْلُ الجاهليَّة يطوفون بالبيت عُرَاةً، ويقولون لا نَطوف بالبيت في ثيابٍ قد أذْنَبْنَا فيها، وكانت المرأةُ تطُوف عُرْيانَةً أيضًا، إلا أنها كانت تلبَسُ رَهْطًا من سُيُورٍ وقالت امرأة من العرب:

اليوم يَبْدُو بَعْضُه أو كُلُّه *** ومَا بَدَا مِنْه فَلَا أُحِلُّه

تعني فرجَها أَنَّه يظهر من فُرُوج الرَّهْطِ الذي لبسته، فأمر الله بَعْدَ ذكْرِه عُقُوبَةَ آدَمَ وحوّاءَ بِأَنْ بَدَتْ سَوْآتُهما بالاستِتَار، فقال (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) وأَعلم أَن التَّعَرِّيَ وظهورَ السَّوْءَةِ مكروه، وذلك من لَدُن آدَمَ.

وقال الليثُ: تقول: هذا حَرَامٌ والجميع حُرُمٌ قال الأعشى:

تَهادِي النهارَ لجاراتهم *** وبالليل هُنَّ عليهم حُرُم

والمحْرُومُ: الذي حُرِمَ الخيْرَ حِرْمانًا في قول الله جلّ وعزّ: {لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [الذّاريَات: 19].

وأما قوله جلّ وعزّ: (وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ) 95 [الأنبيَاء: 95]

قال قتادةُ عن ابن عباسٍ: معناه واجِبٌ عَلَيْها إذا هَلَكَتْ ألّا تَرْجِعَ إلى دُنْيَاها.

وقال أبو مُعَاذٍ النحويُّ: بَلَغني عن ابن عباس أنّه قَرَأَهَا {وحَرِمَ على قرية} يقول وجب عليها.

قال وحدِّثت عن سعيد بن جبير أنه قَرَأها {وحِرْمُ على قرية} فسئل عنها فقال عزم عليها وقال أبو إسحاق في قوله {وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها} يحتاج هذا إلى أن يبيَّن، وهو ـ والله أعلم ـ أنه جلّ وعزّ لما قال {فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كاتِبُونَ} [الأنبيَاء: 94] أعْلَمَنَا أنَّه قد حرم أعمالَ الكفار، فالمعنى {حَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها}، أَنْ يُتَقَبَّل مِنْهُمْ عَمَلٌ ل {أَنَّهُمْ لا يَرْجِعُونَ} أي لا يتوبون.

وأخبرني المنذريُّ عن ابن أبي الدُّمَيْكِ عن حميد بن مَسْعدةَ عن يزيد بن زُرَيْعِ عن داودَ عن عِكْرِمَة عن ابن عباس أنه قالَ في قوله (وحرم على قرية أهلكناها أنّهم لا يرجعون) 95 [الأنبيَاء: 95] قال: وَجَبَ على قَرْيةٍ أهلكناها أَنَّهُ لا يَرجِع منهم رَاجِعٌ: لا يتوب منهم تائبٌ.

قلت وهذا يؤيد ما قاله الزجّاج.

وروى الفَرّاء بإسناده عن ابن عباس «حِرْمٌ» قال وقرأ أهل المدينة (وحرم) قال الفراء (وحرم) أَفْشَى في القراءة.

أبو عمرو: الحَرُومُ النَّاقة المعْتَاطَةُ الرَّحِم والزَّجُومُ التي لا ترغو.

أبو العباس عن ابن الأعرابيّ قال: الحَيْرَمُ البَقَرُ، والْحَورَمُ المالُ الكَثيرُ من الصَّامتِ والنَّاطِق.

قال: والحَرِيمُ قَصَبَةُ الدّار، والحريمُ فِناءُ المسجد، والحُرْمُ المنع، قال: والحريم الصديق، يقال فلان حَرِيمٌ صَرِيحٌ أي صديقٌ خالصٌ.

وكانت العربُ تسمِّي شهرَ رَجَبَ الأَصَمَّ والمحرَّمَ في الجاهلية، وأنشد شَمِر قولَ حُمَيْدِ بن ثور:

رَعَيْنَ المُرَارَ الْجَوْنَ من كلِ مذْنَبٍ *** شهُورَ جُمَادى كُلَّها والمُحَرَّمَا

قال وأراد بالمحرَّم رَجَبَ، قاله ابنُ الأعرابي.

وقال الآخر:

أقَمْنَا بها شَهْرَيْ رَبيعٍ كِلَيْهِما *** وشَهْرَيْ جُمَادَى واستَهَلُّوا المحرَّما

وقال أبو زَيدٍ فيما رَوَى عنه أبو عبيد: قالَ العُقَيْليُّون: حَرَامُ الله لا أفْعَلُ ذاك ويَمِينُ الله لا أَفْعَلُ ذاك، ومعناهُما واحِدٌ.

وقال أبو زيد: ويقال للرجُلِ ما هو بحارِمِ عَقْل، وما هو بِعادِمِ عَقْلٍ، معناهما أَنَّ لَهَ عَقْلًا.

ويقال إن لفلان مَحْرُماتٍ فلا تَهْتِكْها، الواحدة مَحْرُمَةٌ يريد أن له حُرماتٍ.

تهذيب اللغة-أبومنصور الأزهري-توفي: 370هـ/980م


26-معجم العين (عدو)

عدو: العَدْوُ: الحُضْرُ.

عدا يعدو عدوًا وعدوًّا، مثقلةً، وهو التعدّي في الأمر، وتجاوز ما ينبغي له أن يقتصر عليه، ويقرأ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا على فُعُول في زنة: قُعُود.

وما رأيت أحدًا ما عدا زيدًا، أي: ما جاوز زيدًا، فإن حذفت (ما) خفضته على معنى سوى، تقول: ما رأيت أحدًا عدا زيد.

وعدا طورَه، وعدا قدرَه، أي: جاوز ما ليس له.

والعدوان والإعتداء والعداء، والعدوى والتعدّي: الظُّلْمُ البراح.

والعَدْوَى: طلبك إلى والٍ ليُعْدِيَك على من ظلمك، أيْ: ينتقم لك منه باعتدائه عليك.

والعَدْوَى: ما يقال إنّه يُعْدِي من جَرَب أو داء.

وفي الحديث: لا عَدْوَى ولا هامةِ ولا صفرَ ولا غُولَ ولا طيرَةَ

أي: لا يُعْدي شيءٌ شيئًا.

والعَدْوَةُ: عَدْوَةُ اللّص أو المغيرِ.

عدا عليه فأخذ ماله، وعدا عليه بسيفِه فضربه، ولا يُريدُ عَدْوًا على الرّجلينِ، ولكنْ من الظّلم.

وتقول: عَدَتُ عوادٍ بيننا وخُطُوب، وكذلك عادت، ولا يُجْعَلُ مصدره في هذا المعنى: معاداة، ولكن يقال: عدى مخافةَ الإلتباس.

وتقول: كُفَّ عنّي يا فلانُ عاديتَكَ، وعادية شرّك، وهو ما عَداك من قِبَلِهِ من المكروه.

والعاديةُ: الخيلُ المغيرة.

والعادية: شُغْلٌ من أشغال الدّهر تَعْدوك عن أمورك.

أي: تشغلك.

عداني عنك أمر كذا يعدوني عداءً، أي: شَغَلني.

قال:

وعادك أن تلاقيها العداء

أي: شغلك.

ويقولون: عادك معناه: عداك، فحذف الألف أمام الدال، ويقال: أراد: عاودك.

قال:

إنّي عداني أن أزورميا *** صهب تغالى فوق نيّ نيّا

والعَداءُ والعِداءُ لغتان: الطَّلْقُ الواحد، وهو أن يعادي الفرس أو الصيّاد بين صيدين ويصرع أحدهما على أثر الآخر، قال:

فعادَى عِداءً بين ثَوْرٍ ونَعْجَةٍ

وقال:

يَصْرَعُ الخَمْسَ عَداءً في طَلَقْ

يعني يصرع الفرس، فمن فتح العين قال: جاوز هذا إلى ذاك، ومن كسر العين قال: يعادي الصيد، من العَدْو.

والعَداء: طَوارُ الشيء.

تقول: لَزِمتُ عَداء النّهر، وعَداءَ الطريق والجبل، أي: طواره.

ويقال: الأكحل عرْقٌ عَداءَ السّاعد.

وقد يقال: عِدْوة في معنى العَداء، وعِدْو في معناها بغير هاء، ويجمع على أفعال فيقال أعداء النهر، وأعداء الطريق.

والتَّعداء: التَّفعال من كلّ ما مرَّ جائز.

قال ذو الرّمة:

مِنْها على عُدْوَاءِ النَّأيِ تَسْتقيمُ

والعِنْدَأْوَة: التواءٌ وعَسَرٌ في الرِّجْلِ.

قال بعضهم: هو من العَداءِ، والنون والهمزة زائدتان، ويقال: هو بناء على فِنْعالة، وليس في كلام العرب كلمة تدخل العين والهمزة في أصل بنائها إلاّ في هذه الكلمات: عِنْدأْوة وإمَّعة وعَباء، وعَفاء وعَماء، فأمّا عَظاءة فهي لغة في عَظاية، وإن جاء منه شيء فلا يجوز إلاّ بفصل لازم بين العين والهمزة.

ويقال: عِنْدَأوة: فِعْلَلْوة، والأصلُ أُمِيتَ فِعْلُهُ، لا يُدرى أمن عَنْدَى يُعْنَدي أم عدا يعدو، فلذلك اختلف فيه.

وعدّى تَعْدِيَةً، أي: جاوز إلى غيره.

عدّيتُ عنّي الهمَّ، أي: نحّيتُه.

وتقول للنّازل عليك: عدِّ عنّي إلى غيري.

وعَدِّ عن هذا الأمر، أي: دعْهُ وخذ في غيره.

قال النّابغة:

فعدِّ عمّا تَرَى إذ لا ارتجاعَ لَهُ *** وانْمِ القُتُودَ على عَيْرانَةٍ أُجُدِ

وتعدّيتُ المفازَةَ، أي: جاوزتُها إلى غيرها.

وتقول للفعل المجاوِزِ: يتعدّى إلى مفعولٍ بعد مفعول، والمجاوز مثل ضرب عمرو بكرًا،

والمتعدّي مثل: ظنّ عمرو بكرًا خالدًا.

وعدّاه فاعله، وهو كلام عامّ في كل شيء.

والعَدُوُّ: اسمٌ جامعٌ للواحد والجميع والتّثنية والتّأنيث والتّذكير، تقول: هو لك عدوٌّ، وهي وهما وهم وهنَّ لك عدوٌّ، فإذا جعلته نعتًا قلت: الرّجلانِ عدوّاك، والرّجالُ أعداؤك.

والمرأتان عدوتاك، والنسوة عداوتك، ويجمع العدوّ على الأعداء والعِدَى والعُدَى والعُداة والأعادي.

وتجمع العَدوّة على عَدَايا.

وعدْوانُ حيّ من قيس، قال:

عَذيرَ الحيِّ من عدوان *** كانوا حَيَّةَ الأرْضِ

والعَدَوان: الفَرس الكثير العَدْوِ.

والعَدَوان: الذّئب الذي يعدو على النّاس كلّ ساعة، قال يصف ذئبًا قد آذاه ثمّ قتله بعد ذلك:

تذكرُ إذْ أنت شديدُ القَفْز *** نَهْد القصيرَى عَدَوان الجمز

والعداوء: أرضٌ يابسةُ صُلْبة، وربما جاءت في جوف البئر إذا حُفِرَت، وربّما كانت حجرًا حتى يحيد عنها الحفّار بعضَ الحَيْد.

قال العجّاج يصفُ الثّور وحَفْرَهُ الكِنَاسَ:

وإن أصاب عُدَوَاءَ احْرَوْرَفا *** عنها وولاّها الظُّلوفَ الظُّلَّفا

والعُدوة: صلابة من شاطىء الوادي، ويقال: عِدوة، ويقرأ: إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا بالكسر والضم.

العين-الخليل بن أحمد الفراهيدي-توفي: 170هـ/940م


27-الحضارة (فارس)

فارس: persia ظهر الفرس الأوائل في هضبة إيران الوسطي في مطلع القرن السادس ق.

م.

فلقد وجدت آثار تدل علي وجود إنسان ماقبل التاريخ يرجع تاريخه لخمسة آلاف سنة ق.

م.

كما عثر علي حضارة متقدمة من بينها القطع الفخارية المتطورة في سيالك قرب كاشان.

وكان أول ظهورهم علي الساحل الشرقي للخليج الفارسي (العربي).

وبعد سقوط نينوي (مادة) عاصمة الإمبراطورية الآشوريية (مادة) عام 612ق.

م.

قام قورش بتأسيس الإمبراطورية الفارسية عام 559ق, م, وضم الميديين والليد يين والكلدانيين في بلاد مابين النهرين له بما فيها مدينة بابل.

ومات قورش عام 530ق.

م.

وتولي إبنه قمبيز الثاني الذي إستةلي علي مصر عام 525 ق.

م.

وأصبحت إمبراطوريته تمتد من نهر السند حتي نهر النيل وفي أوربا حتي مقدونيا التي كانت تعترف بالسيادة الفارسية.

وبعد إنتحاره عام 533ٌق.

م.

تولي إبنه داريوس (دارا) الأول (الأكبر) وأخمد الحروب وحكم الإمبراطورية الفارسية حكما مطلقا لأنه يتمتع بالحق الإلهي وكانت البلدان التابعة له تتمتع بحكم ذاتي وكان الحكام بها أقوياء يتجسسةن لحسابه.

وكان متسامحا مع هذه البلدان ولم يخضع شعوبها لعقيدته أو للثقافة الفارسية.

وأنشأت هذه الإمبراطورية الطرق المتفرعة والتي كانت توصل مدبنة سوس العاصمة بالخليج جنوبا وبالبحر الأبيض المتوسط وبحر إيجه.

وأقيم نظام البريد.

وظل داريوس في حرب مع الإغرق حتي وفاته عام 486ق.

م.

وكان قد أخضع المدن الإغريقية في آسيا الصغري.

وبعده تولي إبنه إجزركسيس الذي أخكد ثورة المصريين علي حكم الفرس.

وأراد أن ينتقم من أثينا واليونانيين بعد تمرد الأيونيين أيام أبيه.

فتواصلت مسيرة جيشه حتي بلغت الأكروبول علي مشارف أثينا.

لكنه إنهزم أمام صمود الأثينيين عام 497 ق.

م.

وأغرقوا الأسطول الفارسي في مياه ميكال.

وفي القرن الرابع ق.

م.

ضعفت دولة الفرس.

وكانت فريسة سهلة للإسكندر الأكبر ودارت بينه وبينها حروب إستمرت منذ عام 334ق.

م.

وحتي 330 ق.

م.

وظلت تحت حكم ملوك الإغريق حتي إستولي عليها الرومان مابين القرنين الثاني والأول ق.

م.

حتي قام أردشير عام 227 م.

بتأسيس الإمبراطورية الساسانية الفارسية التي ظلت قائمة حتي أسقطها العرب في فتوحاتهم الكبري بالقرن السابع.

انظر: إيران.

موسوعة حضارة العالم-أحمد محمد عوف-صدرت: 1421هـ/2000م


انتهت النتائج